الأمم المتحدة تنفي تنفيذ أي برامج لتوطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية.

مع عودة ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة المشهد الليبي، تجدد الجدل حول دور المنظمات الدولية العاملة في البلاد، بعدما تحولت شائعات بشأن وجود خطط لتوطين المهاجرين إلى موجة احتجاجات استهدفت مقار الأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين في العاصمة طرابلس.

وتكشف هذه التطورات عن حجم الحساسية التي باتت تحيط بعمل المنظمات الدولية في ليبيا، في ظل تفاقم أزمة الهجرة وتزايد المخاوف الشعبية من تحول البلاد إلى وجهة دائمة للمهاجرين بدلاً من كونها محطة عبور نحو أوروبا.

وجاءت الاحتجاجات الأخيرة بعد تداول واسع لمعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي تحدثت عن نية جهات أممية تنفيذ برامج لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، وهي مزاعم سارعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى نفيها بشكل قاطع، مؤكدة أن جميع الادعاءات المتداولة “عارية تماما من الصحة”. إلا أن سرعة انتشار تلك الروايات وحجم التفاعل معها عكسا حالة من انعدام الثقة المتنامية بين قطاعات من الرأي العام الليبي والمنظمات الدولية العاملة في البلاد.

وأمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في طرابلس، تجمع محتجون طالبوا بإغلاق المؤسسة الأممية، فيما شهد مقر بعثة الأمم المتحدة في منطقة جنزور غرب العاصمة محاولة اقتحام من قبل متظاهرين غاضبين قبل أن تتدخل قوات الأمن لمنعهم.

وتعكس هذه الأحداث حجم الاحتقان الذي يرافق ملف الهجرة، والذي بات يتجاوز أبعاده الإنسانية ليصبح قضية سياسية وأمنية تمس السيادة الوطنية وتثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل التركيبة السكانية للبلاد.

وفي بيانها، أكدت البعثة الأممية أن وكالات الأمم المتحدة، بما فيها مفوضية اللاجئين، لا تنفذ أي برامج لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، موضحة أن عملها يقتصر على تقديم الحماية للفارين من النزاعات والحروب والعمل على إيجاد حلول خارج الأراضي الليبية، سواء عبر الإجلاء إلى دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية.

كما أعربت عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية المرتبط بعمل الأمم المتحدة، معتبرة أن ذلك ساهم في تصاعد التوترات والتحريض ضد موظفي المنظمة.

لكن نفي الأمم المتحدة لم يكن كافياً لاحتواء الجدل، إذ يأتي في سياق تراكمات طويلة من الشكوك والاتهامات التي طالت بعض المنظمات الدولية خلال السنوات الماضية.

وفي أبريل 2025 أغلقت السلطات الليبية مقار عشر منظمات إنسانية دولية وعلقت أنشطتها بدعوى تورطها في مشاريع تتعلق بتوطين المهاجرين غير النظاميين، وهي خطوة عكست آنذاك حجم الحساسية السياسية المحيطة بهذا الملف.

ويؤكد مراقبون أن أزمة الثقة الحالية لا ترتبط فقط بالشائعات الأخيرة، بل تعود أيضاً إلى تفاقم أعداد المهاجرين داخل ليبيا. فقد أعلن وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية عماد الطرابلسي أواخر عام 2025 أن عدد المهاجرين غير النظاميين الموجودين في البلاد يقترب من ثلاثة ملايين شخص، وهو رقم أثار صدمة واسعة داخل الأوساط السياسية والشعبية، وعمق المخاوف من تداعيات اقتصادية وأمنية واجتماعية متزايدة.

وتحولت هذه الأرقام إلى مادة خصبة للخطابات الرافضة لوجود المنظمات الدولية، حيث يرى منتقدوها أن الجهود الإنسانية المقدمة للمهاجرين قد تشجع على بقائهم داخل ليبيا لفترات أطول، فيما تؤكد المنظمات الأممية أن تدخلاتها تهدف أساساً إلى إدارة تداعيات الأزمة الإنسانية وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وليس إلى تكريس وجود المهاجرين أو توطينهم.

كما يعكس الجدل القائم تبايناً في النظرة إلى الدور الدولي في إدارة ملف الهجرة. فبينما تعتبر الأمم المتحدة وشركاؤها الدوليون أن ليبيا تمثل نقطة محورية في مسارات الهجرة عبر المتوسط وتتطلب دعما إنسانيا مستمرا، تنظر شرائح واسعة من الليبيين إلى الأزمة من زاوية مختلفة، تتمحور حول الأعباء التي تتحملها الدولة نتيجة تدفق المهاجرين، وضعف الإمكانات المتاحة لمواجهة الظاهرة في ظل الانقسام السياسي والتحديات الأمنية المستمرة.

وقد ساهمت التطورات الأخيرة في إعادة طرح تساؤلات أوسع حول حدود الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المنظمات الدولية داخل ليبيا.

فالبعض يدعو إلى تعزيز الرقابة على أنشطة هذه المنظمات وضمان توافقها الكامل مع السياسات الوطنية، بينما يحذر آخرون من أن تحويلها إلى هدف للاتهامات الشعبية قد يؤدي إلى تقويض الجهود الإنسانية الضرورية للتعامل مع أزمة معقدة تتجاوز قدرات الدولة الليبية وحدها.

وفي الوقت نفسه تواصل السلطات الليبية تبني خطاب أكثر تشدداً تجاه الهجرة غير النظامية. فقد أصدر صدام حفتر، نائب قائد القوات في شرق ليبيا، تعليمات للأجهزة الأمنية بإنهاء الوجود غير القانوني للمهاجرين في المناطق الشرقية والجنوبية، فيما أكدت حكومة الوحدة الوطنية تمسكها بموقفها الرافض لأي مشاريع توطين، داعية المواطنين إلى عدم الانجرار وراء الشائعات والمعلومات غير الموثوقة.

ويبدو أن الجدل حول دور المنظمات الدولية سيبقى حاضراً بقوة طالما استمرت أزمة الهجرة في التفاقم. فليبيا التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى أحد أهم ممرات الهجرة نحو أوروبا، تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين ضرورات التعاون مع المجتمع الدولي لمعالجة الأزمة الإنسانية، وبين ضغوط داخلية متزايدة تطالب بحماية السيادة الوطنية ومنع أي ترتيبات يُنظر إليها باعتبارها محاولة لتحويل البلاد إلى موطن دائم للمهاجرين.

وفي ظل غياب حلول جذرية لأزمة الهجرة الإقليمية، تبدو الأحداث الأخيرة مؤشرا على أن ملف المهاجرين لم يعد مجرد قضية أمن حدود أو تحدٍ إنساني، بل تحول إلى قضية سياسية حساسة تعيد رسم طبيعة العلاقة بين الدولة الليبية والمنظمات الدولية، وتضع الطرفين أمام اختبار جديد عنوانه الثقة والشفافية وإدارة واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في المنطقة.

___________

مقالات مشابهة