آمنة الفرجاني
من يقرأ التاريخ بدقة، يدرك أن الديكتاتوريات غالبًا ما تتحدث بلسان واحد، وإن اختلفت اللغات والجغرافيا.
ومن أبرز الثنائيات التاريخية المعاصرة التي تثير الدهشة عند المقارنة بينهما، هي المفارقة بين المشهد الحالي في شرق ليبيا تحت حكم خليفة حفتر، وحقبة حكم الديكتاتور الفلبيني الراحل *فرديناند ماركوس الأب (الذي حكم الفلبين من 1965 إلى 1986).
كلاهما تشابها في السير على ذات الرصيف:
إطلاق مشاريع ضخمة وبناء منشآت براقة لتسويق “الشرعية والإنجاز“، في مقابل حقيقة مريرة تخفي خلف الجدران الإسمنتية اقتصادًا يتجه نحو الانهيار بفعل الفساد الممنهج وسيطرة العائلة
هوس الإسمنت: “مجمع الإيديفيس” مقابل “إعادة إعمار بنغازي“
عرف التاريخ الفلبيني مصطلحًا شهيرًا أُطلق على سياسة ماركوس وزوجته إيميلدا وهو “مجمع الإيديفيس“، ويقصد به الهوس ببناء المنشآت الضخمة لإظهار الدولة بمظهر التقدم والرخاء.
أنشأ ماركوس مراكز ثقافية وفنادق فاخرة ومستشفيات دولية ومراكز مؤتمرات في مانيلا عبر قروض دولية هائلة، ليقول للعالم: “انظروا كيف أصبحت الفلبين حديثة“.
في المقابل، يرى المراقبون لشرق ليبيا اليوم تجسيدًا حيًا لهذا الهوس. تحت لافتة “لجنة إعادة الإعمار والاستقرار” التي يديرها المقربون من أولاد حفتر ويسيطر عليها أبناؤه، تحولت بنغازي وبعض مدن الشرق إلى ورشة عمل مفتوحة: جسور جديدة، رصف طرق، حدائق عامة، وترميم واجهات.
الهدف في الحالتين واحد:
صناعة مشهد بصري يبهر المواطن البسيط ويشغله عن غياب الحريات السياسية، ويمنح النظام صكًا “شرعيًا” بطعم الخرسانة.
العائلة والجيش: خصخصة الدولة
لم يكن ماركوس ليبني إمبراطوريته دون “رأسمالية المحاسيب“، حيث جرى توزيع احتكارات السكر والتبغ والنقل والمشاريع العامة على أفراد عائلته وأصدقائه المقربين، مما أدى إلى تهريب مليارات الدولارات إلى الحسابات السويسرية.
هذا السيناريو يعاد إنتاجه بحذافيره في الشرق الليبي من خلال “عسكرة الاقتصاد” و“عائلته“. تشير التقارير الاقتصادية والمحلية إلى أن أبناء حفتر (خاصة بلقاسم وصدام) باتوا يسيطرون على مفاصل المال والإعمار.
فالشركات التابعة للجيش أو الدائرة في فلك العائلة هي من تحوز على العقود الاحتكارية للمشاريع، بدءًا من الخردة والموانئ وصولاً إلى الاستثمارات العقارية الكبرى، مما حول الإعمار من خطة وطنية إلى “بيزنس عائلي” مغلق.
بريق المباني على أنقاض الاقتصاد
النتيجة الحتمية للهوس العمراني غير المدروس والفساد في عهد ماركوس كانت كارثية؛ فقد ارتفع الدَّين الخارجي للفلبين من مئات الملايين إلى 28 مليار دولار، وتسبب انهيار العملة والتضخم في غرق نصف الشعب تحت خط الفقر، مما قاد في النهاية إلى “ثورة سلطة الشعب” عام 1986 التي أطاحت به.
أما في المشهد الليبي، فإن خطر الانهيار يلوح في الأفق بشكل مختلف لكنه يتشابه في الجوهر. يتم تمويل المشاريع العمرانية في الشرق عبر آليات مالية معقدة وضغوط على المصارف التجارية في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى التمويل الموازي والاقتراض غير الرسمي، مما خلق أزمة سيولة خانقة وضغطًا رهيبًا على قيمة الدينار الليبي.
بينما تبدو الجسور الجديدة جميلة في الصور، يعاني المواطن الليبي من ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، وأزمة سيولة مستمرة تجعله عاجزًا عن سحب راتبه، وغياب تام للشفافية حول حجم الديون التي تثقل كاهل الأجيال القادمة لتمويل هذه الواجهات.
إن بناء الجسور وتعبيد الطرق أمر تحتاجه المدن الليبية بلا شك بعد سنوات الحرب، لكن التاريخ يعلمنا –عبر تجربة ماركوس– أن الإعمار الذي يقوم على أنقاض الشفافية، ويمول بالديون والفساد، ويُدار كإقطاعية عائلية، لا يصنع دولة مستقرة.
إنه مجرد “قشرة براقة” تخفي تحتها تصدعات اقتصادية واجتماعية قد تؤدي بالبلاد إلى انهيار لا تشفع فيه ناطحات السحاب ولا الجسور المعلقة.
__________