صلاح الهوني

ليبيا بلا نفط كانت ستُعيد اكتشاف أرضها الزراعية وتستثمر في تقنيات الري الحديث وتبني اقتصاداً غذائياً يُقلل اعتمادها على الاستيراد.

خيّل ليبيا عام 1959 حين اكتُشف النفط في حقل زلتن، لكن هذه المرة لم يكن ثمة نفط. لم يكن هناك السائل الأسود الذي حوّل في غضون عقد بلداً كان بين أفقر دول العالم إلى دولة تسبح في عائدات هائلة، ثم إلى ساحة حروب متناسلة حول من يسيطر على الصنبور.

لو لم يكن النفط، كيف كانت ليبيا ستبني نفسها؟ وهل كانت ستكون في حال أفضل مما هي عليه اليوم؟ هذا السؤال هو بالضبط ما تحتاجه ليبيا الآن وهي تواجه واقعاً يجعل التساؤل عن البديل ضرورة لا مجرد فضول.

لو جرّدنا ليبيا من نفطها، يبقى شيء لا يُستخرَج ولا ينضب: موقعها. ألف وسبعمائة وسبعون كيلومتراً من الشاطئ المتوسطي، أطول ساحل في شمال أفريقيا، تفصل بين القارتين الأوروبية والأفريقية بمسافة يمكن قطعها بحراً في ساعات. هذا الموقع هو في الواقع ما جعل طرابلس وبنغازي مدينتَين مهمتَين قبل أن يُولَد مفهوم الدولة الحديثة بقرون.

مع تسارع حركة التجارة العالمية، الدول التي تملك موانئ استراتيجية على ممرات بحرية كبرى تملك أصلاً اقتصادياً حقيقياً. ليبيا بلا نفط كانت يمكن أن تكون سنغافورة المتوسط، أو على الأقل أن تسعى إلى هذا النموذج بجدية. مواني طرابلس ومصراتة وبنغازي وطبرق، لو طوّرت بعقلية استراتيجية وليس بمنطق الكفاية النفطية، كانت قادرة على التحوّل إلى محاور لوجيستية تربط أفريقيا جنوب الصحراء بأوروبا، خاصة مع تصاعد الرغبة الأوروبية في تأمين سلاسل إمداد أقصر وأكثر استقراراً.

المفارقة أن النفط حرم ليبيا من الحاجة إلى تطوير هذا الموقع. حين يتدفق المال من باطن الأرض، لا ضرورة ملحّة لبناء ميناء حديث أو شبكة لوجيستية متكاملة أو قطاع خدمات تنافسي. النفط خفّف الضغط الذي كان يمكن أن يُولّد الابتكار.

على امتداد الساحل الليبي، تقع ثلاثة من أكثر مواقع الآثار الرومانية اكتمالاً في العالم: لبدة الكبرى، وصبراتة، وقورينا. لبدة الكبرى وحدها، بمسرحها الذي يتسع لخمسة عشر ألف متفرج، تُنافس بومبي في قيمتها التاريخية. صبراتة بمسرحها المطلّ على البحر تصلح لوحدها لأن تكون وجهة سياحية عالمية. وفي الجنوب، غدامس، مدينة الألف باب، بمعمارها الأمازيغي الفريد الذي أدرجته اليونيسكو على قائمة التراث العالمي.

ليبيا بلا نفط كانت ستُضطر إلى التفكير في هذه الثروة مبكراً. مصر، وجدت في السياحة الأثرية ركيزة اقتصادية كبرى. اليونان وإيطاليا وتونس بنت جزءاً من رخائها على إرثها الروماني والإغريقي. ليبيا تملك من هذا الإرث ما لا يقلّ عن جيرانها، لكن النفط أخّر الحاجة إلى استثماره.

السياحة الأثرية والثقافية ليست صناعة رخيصة أو سهلة: تحتاج إلى بنية تحتية، وتدريب كوادر، وأمن، وتسويق دولي، وقوانين حماية صارمة. لكنها حين تنضج تُنتج اقتصاداً موزّعاً يُشغّل فنادق وأدلاء ومطاعم وحرفيين وناقلين، وينشر الفائدة على مساحات جغرافية أوسع بكثير مما يفعله حقل نفط معزول في الصحراء.

ليبيا تمتد على مساحة تزيد على مليون وسبعمائة ألف كيلومتر مربع، معظمها صحراء تتلقى من أشعة الشمس ما لا يُحصى. في عالم يائس لإيجاد بدائل لوقوده الأحفوري، هذا ليس عبئاً جغرافياً بل ورقة رابحة لم يُدرك الليبيون قيمتها بعد لأن النفط جعلها تبدو غير ضرورية.

مشاريع الربط الكهربائي بين شمال أفريقيا وأوروبا ليست خيالاً تقنياً بل اقتراحات مدروسة تناقشها مراكز الأبحاث الأوروبية منذ سنوات. ليبيا بلا نفط كانت لديها دوافع قوية للاستثمار في هذا القطاع مبكراً، وكانت يمكن أن تتحوّل إلى ما يُسمّيه المخططون الإستراتيجيون “بطارية أوروبا الشمسية”.

الطاقة الشمسية لا تُنتج ثروة فحسب، بل تُنتج أيضاً بنية اقتصادية مختلفة. صناعة الطاقة الشمسية تحتاج إلى مهندسين وتقنيين وعمال صيانة وشبكات توزيع، وهذا يعني طبقة وسطى تقنية تستثمر في تعليمها وتُطالب بحوكمة فعّالة تحمي استثماراتها. مجتمع مختلف جوهرياً عن المجتمع الريعي الذي ينتظر توزيع عائدات النفط.

ليبيا بلا نفط كانت ستستثمر في هذا المورد بشكل أكثر جدية وأكثر استدامة.

المناطق الساحلية الليبية تحظى بمناخ متوسطي يصلح لزراعة متنوعة. قبل اكتشاف النفط، كانت ليبيا مُصدِّرة للحبوب وزيت الزيتون والتمور. النفط أفسد هذا القطاع لا لأن الأرض توقفت عن الإنتاج بل لأن الريع النفطي جعل الزراعة تبدو مجهوداً غير مجدٍ حين يمكن استيراد كل شيء بأموال النفط.

ليبيا بلا نفط كانت ستُعيد اكتشاف أرضها الزراعية وتستثمر في تقنيات الري الحديث وتبني اقتصاداً غذائياً يُقلل اعتمادها على الاستيراد. الأمن الغذائي بدوره يُرسّخ الاستقرار الاجتماعي، لأن المجتمع الذي ينتج غذاءه أقل هشاشة أمام الصدمات الخارجية من مجتمع يستورد قوته وسعره مرتبط بأسواق دولية لا يتحكم فيها.

الاقتصاد السياسي يعرف ظاهرة أُطلق عليها “لعنة الموارد”، وليبيا من أوضح أمثلتها. الدول التي تعتمد على مورد طبيعي واحد تُصاب بما هو أشد من الركود الاقتصادي: تُصاب بتشوّه سياسي عميق. حين تكون الثروة في باطن الأرض وليس في عمل المواطنين وإنتاجهم، تتحوّل الدولة إلى غنيمة يتنافس على السيطرة عليها أصحاب البنادق بدلاً من أصحاب الكفاءات.

الانقسام الليبي الراهن بين الشرق والغرب، بين حكومة طرابلس وقوات الشرق، يمكن قراءته بأدوات أيديولوجية وقبلية وإقليمية، وكل هذه القراءات صحيحة جزئياً. لكن في قلب كل هذه الانقسامات يجلس سؤال اقتصادي واحد: من يسيطر على عائدات النفط؟ المؤسسة الوطنية للنفط تحوّلت إلى جائزة يريدها كل طرف لنفسه.

ليبيا بلا نفط لم تكن لتكون جنةً بالضرورة. الانقسامات القبلية والإقليمية والأيديولوجية موجودة سواء كان نفط أم لا. لكن غياب “الجائزة الكبرى” كان سيُلزم الجميع بالتفاوض حول بناء الدولة بدلاً من الاقتتال على من يملك مفاتيح الصنبور. الحوكمة الجيدة لا تُولَد في الرفاه الريعي، بل تُولَد في الحاجة إلى بناء نظام ضرائبي يعتمد على إنتاج المواطنين، وهذا الاعتماد المتبادل بين الدولة والمواطن هو في الحقيقة أحد جذور المساءلة الديمقراطية.

ثمة بُعد اجتماعي عميق لهذه المسألة كثيراً ما يُغفله التحليل الاقتصادي. المجتمعات التي تبني ثروتها على العمل والإنتاج تُطوّر علاقة مختلفة بالوقت والمسؤولية والهوية المدنية. ليبيا الريعية أنتجت جيلاً نشأ على ثقافة التوظيف الحكومي المضمون وانتظار الدعم الحكومي بدلاً من ثقافة المبادرة والمخاطرة والابتكار.

ليبيا بلا نفط كانت ستبني هوية وطنية مختلفة، هوية مرتبطة بما ينتجه أبناؤها لا بما تمنحه الأرض بلا جهد. الحرفيون والتجار وأصحاب المشاريع السياحية والمزارعون والمهندسون في قطاع الطاقة الشمسية يُشكّلون مجتمعاً مدنياً أكثر قدرة على المطالبة بحقوقه لأنه يُدرك أن ثروته من عمله لا من تصرفات الحكومة.

هذا ليس مثالية رومانسية بل ملاحظة اجتماعية مدعومة بمقارنات دولية: الدول التي نجحت في بناء اقتصادات متنوعة ومجتمعات مستقرة هي في معظمها دول لم تجد سبيلاً للإفلات من ضرورة العمل الشاق والحكومة الرشيدة.

هذا الطرح الافتراضي لا يعني الدعوة إلى التخلص من النفط، فليبيا ستحتاج عائداته لعقود قادمة لتمويل أي تحوّل اقتصادي جاد. لكنه يعني شيئاً آخر: أن النفط لم يكن في حد ذاته النعمة التي وصفها الليبيون حين اكتُشف. كان أداة يمكن أن تُبنى بها دولة مزدهرة لو وُجدت حكومة رشيدة وإرادة تنويع حقيقية.

ليبيا بلا نفط كانت ستضطر إلى اختراع نفسها. وهذا الاضطرار ربما كان الهبة الحقيقية. ليبيا مع النفط تملك الآن فرصة أن تتصرف كما لو أنه لن يدوم، لأنه بالفعل لن يدوم، وأن تبني على جغرافيتها وإرثها وشمسها وأرضها ما يجعل الأجيال القادمة أقل احتياجاً للسائل الأسود الذي أشعل كل هذا الحريق.

____________

مقالات مشابهة