صلاح الهوني

الإعلام الليبي لا يُختزل في الشاشات المنقسمة بل يمكن أن يصبح جسرًا وطنيًا يعيد الثقة بين المدن والمواطنين ويصوغ هوية جامعة تتجاوز الانقسام.

هناك دول تبدأ فيها المصالحة من السياسة، وأخرى تبدأ من الاقتصاد. أما في ليبيا، فقد يكون الطريق إلى الدولة أقصر إذا بدأ من الكلمة.

على امتداد أكثر من عقد، لم يكن الإعلام الليبي مجرد شاهد على الانقسام، بل تحول، في كثير من الأحيان، إلى أحد ميادينه. انقسمت الشاشات كما انقسمت المؤسسات، وتوزعت المنابر كما توزعت مراكز النفوذ، حتى بدا وكأن كل مدينة تمتلك روايتها الخاصة، وكل منطقة تكتب تاريخها بمعزل عن الأخرى.

لم يعد المواطن الليبي يختلف فقط حول السياسة، بل أصبح يختلف حتى حول الحقائق نفسها. وهكذا، لم تعد الأزمة الليبية أزمة سلطات متنافسة أو حكومات متوازية فحسب، بل أصبحت أيضًا أزمة سرديات متصارعة.

غير أن التجارب الكبرى تعلمنا أن الأمم لا تُبنى بالسلاح وحده، ولا بالاتفاقات السياسية وحدها، بل تُبنى أيضًا باللغة التي تتحدث بها إلى نفسها. فالدساتير قد تنظم السلطة، لكن الإعلام هو الذي يصنع المجال العام الذي يمنح تلك السلطة معناها وشرعيتها.

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر عمقًا من مجرد إصلاح المؤسسات الإعلامية: هل يستطيع الإعلام الليبي أن يتحول من انعكاس للانقسام إلى رافعة للوحدة الوطنية؟

هذا السؤال لا يتعلق بالمهنة وحدها، بل بمستقبل الدولة الليبية نفسها. فالإعلام لم يعد مجرد وسيط بين المسؤول والمواطن، بل أصبح مصنعًا للثقة، ومختبرًا للهوية الوطنية. وإذا كانت السنوات الماضية قد كشفت كيف يمكن للكلمة أن تؤجج الانقسام، فإن المرحلة المقبلة تفرض اختبارًا مختلفًا: كيف يمكن للكلمة ذاتها أن تصبح جسرًا للمصالحة؟

لقد دفع الإعلام الليبي ثمن الانقسام السياسي كما دفعته مؤسسات الدولة الأخرى. فمع تعدد الحكومات وتنافس مراكز القرار، تعددت الولاءات الإعلامية أيضًا، وغلب على كثير من المنصات منطق التعبئة السياسية على حساب المهنية، وأصبح الخبر في أحيان كثيرة امتدادًا للموقف السياسي أكثر منه انعكاسًا للواقع. ومع مرور الوقت، لم تعد الأزمة تقتصر على اختلاف وجهات النظر، بل وصلت إلى تآكل الثقة نفسها. فحين يفقد المواطن ثقته بالإعلام، لا يفقد ثقته بمؤسسة بعينها، بل يفقد إحدى أهم أدواته لفهم ما يجري حوله.

لكن التاريخ يحمل دائمًا مفارقة تستحق التأمل. فالأزمات الكبرى لا تكشف نقاط الضعف فقط، بل تكشف أيضًا فرص التحول. واليوم، يقف الإعلام الليبي أمام فرصة ربما لم تكن متاحة من قبل. فالثورة الرقمية، رغم كل ما حملته من فوضى، أزالت الاحتكار التقليدي للمعلومة، وفتحت المجال أمام نماذج إعلامية أكثر مرونة، وأكثر قربًا من الجمهور.

غير أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع إعلامًا وطنيًا. فالمنصة الرقمية قد تنقل الخبر في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تصنع الثقة إذا غابت المهنية، ولا أن تبني هوية مشتركة إذا ظل المحتوى أسير الانقسام. ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاك أحدث أدوات البث، بل في امتلاك رؤية تحريرية جديدة، ترى في ليبيا وطنًا واحدًا.

فالإعلام الوطني لا يبدأ عندما تتحدث المؤسسات بصوت واحد، بل عندما يشعر المواطن، في طبرق كما في طرابلس، وفي سبها كما في مصراتة، أن قصته تجد مكانها في السردية الوطنية، وأن همومه ليست أقل أهمية من هموم الآخرين.

ومن هنا، يصبح الدور الحقيقي للإعلام الليبي هو إعادة اكتشاف الجغرافيا الوطنية. فبدل أن تبقى التغطية الإعلامية رهينة للأزمات الأمنية والخلافات السياسية، يمكن للإعلام أن يسلط الضوء على مساحات التلاقي التي غالبًا ما تبقى خارج دائرة الاهتمام؛ على البلديات التي تنجح في تنفيذ مشاريع مشتركة، وعلى الجامعات التي تجمع طلابًا من مختلف المناطق، وعلى المبادرات الشبابية التي تتجاوز خطوط الانقسام.

إن بناء الوحدة الوطنية لا يبدأ دائمًا من القمم السياسية، بل كثيرًا ما يبدأ من القصص الصغيرة التي تعيد للناس إيمانهم بأنهم ينتمون إلى وطن واحد.

إذا كان الإعلام قد ساهم، بقصد أو من دونه، في تعميق الانقسام خلال السنوات الماضية، فإنه يمتلك اليوم فرصة تاريخية ليصبح أحد أهم أدوات تجاوزه. فالثقة الوطنية لا تُولد بقرار سياسي، ولا تُفرض بقوة القانون، وإنما تُبنى تدريجيًا عبر خطاب عام يشعر فيه المواطن أن الدولة تتحدث إليه لا عنه.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس اختلاف الآراء، بل غياب المساحة المشتركة التي يلتقي فيها المختلفون. وهنا تحديدًا تبرز الوظيفة الجديدة للإعلام الليبي: أن يعيد إنتاج المساحة الوطنية المشتركة التي تآكلت تحت ضغط الاستقطاب.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى إعلام رسمي يحتكر الرواية أو يفرض رؤية واحدة، بل إلى إعلام مهني يعترف بالتعدد، لكنه يرفض الانقسام؛ يفسح المجال للاختلاف، لكنه لا يسمح بتحويله إلى قطيعة دائمة.

ولعل أحد أهم التحولات التي يحتاجها الإعلام الليبي هو الانتقال من صحافة الحدث إلى صحافة المعنى. فقد اعتادت المؤسسات الإعلامية، طوال سنوات الأزمة، مطاردة الأخبار العاجلة والتصريحات المتبادلة، حتى أصبحت نشرات الأخبار سجلاً يوميًا للخلافات أكثر منها نافذة لفهمها. غير أن الجمهور، بعد كل هذه السنوات، لم يعد يبحث فقط عما حدث، بل يريد أن يعرف لماذا حدث، وما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا.

لهذا، فإن الإعلام الذي يكتفي بنقل الأزمة يظل أسيرها، أما الإعلام الذي يفسرها ويضعها في سياقها ويقترح آفاقًا للخروج منها، فإنه يتحول إلى شريك في صناعة الحلول.

فمنذ سنوات، تراكمت صور نمطية غذتها لغة التخوين والتحريض، حتى بات كثيرون يعرفون بعضهم عبر الشائعات أكثر مما يعرفونهم عبر الواقع. وهنا لا يكون دور الإعلام مجرد تصحيح المعلومات، بل تصحيح الصورة الإنسانية ذاتها.

حين تُفتح الشاشات أمام قصص النجاح القادمة من مختلف المدن، وحين تُروى حكايات الباحثين والأطباء والمعلمين ورواد الأعمال والمتطوعين من الشرق والغرب والجنوب، يبدأ المواطن في اكتشاف أن ما يجمع الليبيين أكبر بكثير مما يفرقهم.

ومن هنا، يصبح التراث الثقافي الليبي أحد أهم الموارد التي ينبغي للإعلام أن يعيد اكتشافها. فليبيا ليست فقط أخبارًا سياسية وأزمات أمنية، بل هي أيضًا حضارات متعاقبة، ومدن عريقة، وشعر، وموسيقى، وأدب، وحكايات شعبية، ولهجات متنوعة تشكل جميعها لوحة هوية واحدة. إن إبراز هذا الإرث لا يمثل ترفًا ثقافيًا، بل استثمارًا في الذاكرة الوطنية.

وفي العصر الرقمي، تزداد هذه المهمة تعقيدًا وإلحاحًا في الوقت نفسه. فالذكاء الاصطناعي، ومنصات التواصل الاجتماعي، والخوارزميات التي تحدد ما يراه الجمهور، أعادت تعريف مفهوم التأثير الإعلامي.

ولم يعد السؤال: من يمتلك القناة الأكبر؟ بل: من يمتلك المحتوى الأكثر قدرة على الوصول والإقناع؟

وهذا يفرض على الإعلام الليبي أن يخرج من منطق المنافسة التقليدية إلى منطق الابتكار. فالجمهور الشاب لا يعيش في نشرات الأخبار، بل في المنصات الرقمية؛ ولا يستهلك النصوص الطويلة وحدها، بل يتفاعل مع الفيديو القصير، والرسوم التوضيحية، والبودكاست، والقصص الرقمية. وإذا أراد الإعلام الوطني أن يستعيد مكانته، فعليه أن يذهب إلى جمهوره حيث يوجد، لا أن ينتظر عودته إلى الوسائل القديمة.

إن ليبيا لا تحتاج إلى إعلام يصنع الانتصارات الوهمية، ولا إلى إعلام يبالغ في رسم الكوارث، بل إلى إعلام يملك شجاعة النظر إلى الواقع كما هو، وإرادة المساهمة في تغييره نحو الأفضل.

فالوطن لا يُبنى بالتفاؤل المجرد، ولا بالتشاؤم المزمن، وإنما بالرؤية التي ترى المشكلات بوضوح، وترى معها إمكانات الحل.

في النهاية، تبقى الكلمة أكثر من مجرد وسيلة للتواصل؛ إنها فعل بناء، وصناعة وعي، ومسؤولية تاريخية. وإذا نجح الإعلام الليبي في أن يجعل من الحوار بديلًا عن الخصومة، ومن المعرفة بديلًا عن الشائعة، ومن الهوية الجامعة بديلًا عن الهويات المتنازعة، فإنه لن يكون مجرد قطاع يتطور، بل سيكون أحد أعمدة الدولة التي يحلم بها الليبيون.

فالكلمة التي تجمع ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مشروعًا يوميًا يبدأ من غرفة الأخبار، وينتهي في وجدان المواطن. وعندما تصبح الشاشة مساحة يلتقي فيها الليبيون بدل أن ينقسموا حولها، سيكون الإعلام قد أنجز أهم أدواره: أن يعيد إلى ليبيا روايتها الواحدة، وأن يثبت أن بناء الأوطان يبدأ أحيانًا بجملة صادقة، قبل أن يبدأ بأي قرار سياسي.

____________

مقالات مشابهة