عمر الليبو

حين تجتمع السلطة الأمنية في يد شقيقين في موقعين بهذه الحساسية، يصبح السؤال عن الفصل بين العائلة والمؤسسة والرقابة سؤالًا مشروعًا لا يمكن اعتباره تشهيرًا: من يراقب من؟

الأمن ليس أسماء أجهزة، ولا خرائط نفوذ، ولا سيارات مسلحة تجوب الشوارع. الأمن هو أن يعرف المواطن من يحميه، وأين يذهب إذا ظُلم، ومن يحاسب رجل الأمن إذا تجاوز القانون.

حين يعجز المواطن عن الإجابة عن هذه الأسئلة، فالمشكلة ليست في الأمن وحده؛ المشكلة في الدولة.

في طرابلس، تبدو الصورة أكثر وضوحًا وفوضى في آن واحد. أجهزة متعددة، صلاحيات متداخلة، ومناطق نفوذ تُعرف شعبيًا بـ”المربعات الأمنية”. تتغير الجهة المسيطرة من حي إلى آخر، ويصبح على المواطن أن يعرف خريطة القوة قبل أن يعرف خريطة القانونوهذه وحدها علامة فشل.

المفترض أن تكون وزارة الداخلية عنوان الأمن المدني، وأن تكون الشرطة وجه الدولة في الشارع. أما الأجهزة الأخرى، فوظيفتها أن تعمل داخل حدود القانون، لا أن تتحول إلى شرطة موازية أو سلطة فوق الشرطة.

وطرابلس هي الاختبار الحقيقي: إذا لم تستطع الدولة أن تبني نموذجًا أمنيًا واضحًا في عاصمتها، فكيف ستبنيه في بقية البلاد؟

تولى عماد الطرابلسي تسيير وزارة الداخلية في نوفمبر 2022. وفي 2023 بلغ إنفاق الوزارة والجهات التابعة لها نحو 5.27 مليارات دينار، ثم ارتفع إلى 5.86 مليارات في 2024، واقترب من ثمانية مليارات في 2025.

أي أن الإنفاق ارتفع خلال عامين بنحو 52 في المئة، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 23 في المئة.

لكن ماذا اشترت ليبيا بكل هذا الإنفاق؟ 

قال الوزير إن وزارة الداخلية أنفقت خمسين مليار دينار خلال ثلاثة عشر عامًا، وإن النتيجة “لا شيء”. المشكلة أن هذا الرقم، بدل أن يغلق الملف، يفتحه على مصراعيه.

فمتوسط الإنفاق السنوي بين 2023 و2025 وحدها بلغ نحو 6.4 مليارات دينار، أي أعلى بنحو الثلثين من المتوسط الذي يوحي به رقم الخمسين مليارًا. وبحلول يونيو 2025 كان إنفاق 2023 و2024 وحتى نهاية مايو قد تجاوز 13.5 مليار دينار.

فإذا كانت النتيجة “لا شيء”، فأين تنتهي مسؤولية من سبقوا؟ وأين تبدأ مسؤولية من يتولى الوزارة اليوم؟

والأرقام الأحدث تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. ففي أغسطس 2026، لا يزال آخر كشف قطاعي تفصيلي منشور من مصرف ليبيا المركزي يقف عند فبراير، وسجل للداخلية نحو 409 ملايين دينار، مع بيانات مرتبات غير مكتملة. لذلك لا يجوز تحويل الرقم إلى تقدير سنوي قطعي. لكن إذا استمر معدل النمو السابق، فإن الحساب النظري قد يضع إنفاق 2026 قرب 9.8 مليارات دينار.

هذا ليس رقمًا نهائيًا. لكنه سؤال سياسي بحد ذاته: هل ينمو الأمن بالسرعة نفسها التي ينمو بها الإنفاق؟

في 2025 وحدها، بلغ بند المرتبات نحو 4.49 مليارات دينار. فهل أنتجت هذه الأموال شرطة أكثر كفاءة؟

هل أصبح المواطن قادرًا على الوصول إلى الأمن أسرع؟

هل انخفضت الجريمة؟ هل توحدت مراكز القرار؟

فالميزانية ليست إنجازًا لأنها صُرفت. الإنجاز هو ما يبقى للمواطن بعد صرفها.

ولنترك الأرقام للحظة ونصل إلى المواطن.

في 2025 سجلت مديرية أمن طرابلس 37,147 محضرًا، أُنجز منها 25,355 وأُحيلت إلى النيابات المختصة. رقم يبدو جيدًا على الورق، لكنه لا يخبرنا بما يهم المواطن فعلًا:

  • كم انتظر حتى قُبل بلاغه؟
  • كم استغرق التحقيق؟
  • هل عرف مصير شكواه؟
  • ومن تابع القضية بعد إحالتها؟

الدولة لا تُقاس بعدد المحاضر، بل بما يحدث بعد المحضر.

وفي فبراير 2026 قال وزير الداخلية إن مدن الساحل الغربي باتت «خارجة عن السيطرة» بسبب التشكيلات المسلحة، وإن مديريات أمن تواجه عجزًا أمام مركبات مسلحة تعوق عملها.

هذه ليست ملاحظة عابرة. إنها اعتراف بأن وزارة الداخلية، بعد سنوات من الإنفاق، لا تملك حتى الآن نفاذًا أمنيًا موحدًا داخل جزء من نطاق مسؤوليتها.

وهنا يصبح السؤال أكبر من الوزيركيف يتحول نفوذ بعض قادة الأمن إلى وزن سياسي، بينما يبقى نفوذ المؤسسة الأمنية نفسها محدودًا؟

ثم تأتي العائلة.

عماد الطرابلسي يتولى وزارة الداخلية، فيما يرأس شقيقه عبدالله جهاز الأمن العام والتمركزات الأمنية. القرابة ليست اتهامًا، ولا ينبغي أن تكون كذلك.

لكن حين تجتمع السلطة الأمنية في يد شقيقين في موقعين بهذه الحساسية، يصبح السؤال عن الفصل بين العائلة والمؤسسة والرقابة سؤالًا مشروعًا لا يمكن اعتباره تشهيرًا: من يراقب من؟

الدولة لا تُقاس بعدد الأجهزة التي تحمل اسمها، بل بوضوح من يقودها، ومن يراقبها، ومن يحاسبها.

والأمن ليس غياب الرصاص فقط. الأمن أن يطمئن الإنسان على بيته وماله وحقوقه. أن يعرف أن ملكيته لا تُنتزع بالقوة، وأنه لا يُبتز لأن خصمه أكثر نفوذًا، وأن الشكوى لا تضيع لأن الطرف الآخر مسلح أو محمي.

وتصبح المفارقة أكثر فجاجة حين يُطلب من المواطن إبراز أوراق سيارته ولوحتها، بينما تمر أمامه مركبات أمنية أو مسلحة بلا تعريف واضح أو ترقيم ظاهر. قد تفرض بعض المهام ملابس مدنية، لكن من يوقف الناس ويفتشهم ويقبض عليهم يجب أن تكون صفته واضحة وقابلة للمساءلة.

رجل الأمن ليس استثناءً من القانون. هو أحد أدوات القانون.

والاختبار الحقيقي للدولة ليس عندما يكون المطلوب مواطنًا ضعيفًا، بل عندما يكون مسلحًا أو نافذًا أو محميًا.

في مارس، أعلنت النيابة العامة تحديد هويات ثلاثة مشتبه بهم في اغتيال سيف القذافي في الزنتان، وأصدرت أوامر بضبطهم وإحضارهم. وبغض النظر عن الضحية أو الموقف السياسي منها، يبقى السؤال قانونيًا: هل نُفذت الأوامر؟

أمر النيابة ليس توصية سياسية. إنه أمر دولة.

إذا كانت النيابة تطلب شخصًا ولا تستطيع الدولة الوصول إليه، فأين تنتهي سلطة القانون وأين يبدأ الأمر الواقع؟

ثم هناك ما يحدث بعد القبض.

  • أين يُحتجز الإنسان؟
  • هل تعرف أسرته مكانه؟
  • هل يستطيع محاميه الوصول إليه؟
  • وهل تظل كرامته مصونة قبل أن يقول القضاء كلمته؟

المتهم ليس حكمًا قضائيًا. والقبض ليس إدانة. والصورة المنشورة لا تعيد للإنسان سمعته إذا انتشرت التهمة قبل أن يصدر الحكم.

حتى المؤسسات التي يفترض أن تكون عنوانًا لسيادة القانون لم تسلم من الجدل.

فقضية أسامة المصري نجيم، المسؤول السابق عن إدارة العمليات والأمن القضائي، وصلت إلى المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الليبي. وفي سبها، أثار تصوير تنفيذ حكم قضائي بالجلد ونشره أسئلة مؤلمة عن حدود التنفيذ وكرامة الإنسان.

وفي السادس من أغسطس، أعلنت النيابة حبس أحد أفراد السرية الخامسة بجهاز الأمن العام والتمركزات الأمنية احتياطيًا في واقعة تعذيب أفضت، وفق التحقيق، إلى وفاة ياسر السيفاو.

هذه القضية لا تدين جهازًا كاملًا. لكنها تطرح السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا: هل تصل يد القانون إلى رجل الأمن كما تصل إلى المواطن؟

وحتى النيابة نفسها ليست خارج معادلة الخوف. ففي إرشاد لأعضائها، حذر النائب العام من تجاوز المحقق حدود عمله إلى وضع أمني قد يجعل القانون نفسه في خطر.

العبارة جاءت في سياق مهني، لكنها تحمل دلالة ثقيلة: إذا كان من يطبق القانون يحتاج إلى أن يحسب أمنه الشخصي، فكيف يطمئن المواطن صاحب الشكوى؟

ولا يجوز اختزال المشكلة في طرابلس. في الشرق أيضًا سجلت تقارير حقوقية حالات احتجاز تعسفي واختفاء قسري، وفي الجنوب صور أخرى من هشاشة سلطة الدولة.

المعيار يجب أن يكون واحدًا: أينما كان الليبي، يجب أن يكون القانون هو الحماية نفسها.

ولهذا يعود السؤال الأكبر: ماذا نوحد أولًا؟

إذا وحدنا الميزانية قبل أن نوحد القرار، ونراجع الصلاحيات، ونضع الأجهزة تحت رقابة مؤسسية حقيقية، فقد نوحد الخزانة ونترك الانقسام يعيش منها.

ولماذا يتخلى مركز قوة عن نفوذه إذا كان سيحتفظ بالمرتبات والآليات والاعتمادات والسلاح والامتيازات؟

المسألة لا تتعلق بعائلة الطرابلسي وحدها، ولا بجهاز بعينه. المسؤولية السياسية تمتد إلى حكومة عبدالحميد الدبيبة، التي اختارت عماد الطرابلسي وكيلاً عامًا ثم كلفته بتسيير وزارة الداخلية. من يمنح الصلاحية والتمويل والغطاء السياسي يتحمل مسؤولية النتائج أيضًا.

والخطر الأكبر أن تتحول القوة الأمنية إلى عملة في سوق السياسة. المشاركة في ملفات الأمن والهجرة والمنافذ والجريمة شيء، وتحويل النفوذ المسلح إلى حق في تحديد شكل السلطة السياسية القادمة شيء آخر.

السلطة الموحدة التي ستأتي غدًا لا يجوز أن ترث هذه الأجهزة كما هي، ثم تبحث عن حلفاء داخلها. عليها أن تبدأ من السؤال الأصعب: كيف نعيد بناء الأمن بوصفه مؤسسة دولة لا شبكة نفوذ؟

ذلك يعني مراجعة الاختصاصات، وربط التمويل بالنتائج، وتوحيد سلسلة القيادة، وإعادة الاعتبار للشرطة المدنية، وإخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة القضائية والسياسية، وضمان حقوق المحتجزين، وتحديد المسؤولية بوضوح.

وإلا سنكون قد وحدنا السلطة على الورق، وتركنا القوة خارجها.

قلنا إن لا جيش بلا دولة، ولا دولة تحت السلاح. واليوم يكتمل المعنىلا أمن بلا قانون، ولا دولة حين يصبح القانون نفسه محتاجًا إلى من يحميه.

ليبيا لا تحتاج جهازًا أمنيًا أكثر صخبًا، ولا مسؤولًا أكثر ظهورًا، ولا ميزانية أكبر لمجرد أنها أكبر.

تحتاج شرطيًا معروف الصفة، ومركبة معلومة، ومركزًا يقبل الشكوى، ونيابة تعمل بلا خوف، ومحتجزًا تعرف أسرته أين هو، ورجل أمن يعرف أن زيه لا يمنحه حصانة.

حين يحدث ذلك، لن يحتاج الليبي إلى معرفة من يسيطر على هذا الحي أو ذاك.

سيعرف ببساطة أن الدولة موجودة. وأن مربعها الأمني الوحيد هو القانون، وأن حدوده تمتد من أول شارع في طرابلس إلى آخر نقطة على حدود ليبيا.

______________

مقالات مشابهة