الحبيب الأسود
لا أحد يستطيع التكهن بمجريات الأحداث في ليبيا، لاسيما أن طاحونة المصالح والنفوذ لا ترحم، وهي مستعدة لطحن وسحق كل من يعترض أجندات القائمين عليها.
ما حدث في مدينة بنغازي، من تفجير عبوة ناسفة نتج عنه اغتيال اللواء فوزي المنصوري مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة للجيش، طرح جملة من الأسئلة المربكة عمّن يمكن أن يكون وراء العملية:
-
هل نحن أمام عودة للإرهاب الذي يُفترض أن بنغازي ومناطق الشرق قد انتصرت عليه وتحررت من براثنه منذ سنوات؟
-
أم أن الأمر يتعلق باختراق أمني من قبل متمردي الجنوب الذين أعلنوا الحرب على قوات المشير حفتر؟
-
أم أن الحادثة مرتبطة بتصفيات داخلية في سياقات صراع المصالح والنفوذ بين القوى الميدانية الفاعلة؟ من المستفيد من هكذا جريمة؟
-
وما الذي أراد الجناة تبليغه إلى قيادات المؤسسة العسكرية والرأي العام في الداخل والخارج؟
بنظرة خاطفة إلى حيثيات الاغتيال، يمكن القول إن الهدف الحقيقي ليس اللواء المنصوري في حد ذاته وإنما الجناح العسكري الذي يمثله أو المرجعية الاجتماعية التي يتحدر منها، وقد يكون استهدافه رسالة تحذير إلى جهات معينة ببصمات استخبارية يعرفها فقط من يمتلك شيفرة الأحداث والتحركات الميدانية والعسكرية التي عرفتها البلاد خلال الأيام والأسابيع الماضية.
جاءت حادثة اغتيال المنصوري بالتزامن مع مستجدات تؤكد على المضي قدمًا في اتجاه المزيد من تعقيد المشهد الليبي.
فقد تم تسجيل استهداف متعمد لأحد خزانات مصفاة الزاوية باستعمال الطيران المسيّر، ما أدى إلى انفجاره وظهور نذر كارثة أمنية وبيئية واقتصادية، فيما أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن تكرار هذه الاعتداءات ينذر بخطر دائم يتربص بالأصول النفطية في المنطقة، الأمر الذي يستدعي تدخلاً عاجلاً ودقيقًا من مختلف الجهات المختصة، وحذرت من إعلان القوة القاهرة وإيقاف العمل بشكل كلي في المصفاة التي تعد الأكبر من نوعها في المنطقة الغربية والثانية على مستوى ليبيا بعد مصفاة رأس لانوف.
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى، دون الإفصاح عن الأسباب التي دفعته إلى طلب الإعفاء من منصبه، مرجعًا ذلك إلى حساسيتها، وفقًا للرسالة التي وجهها إلى المجلس الأعلى للدولة والبرلمان، والتي تداولتها وسائل إعلام ومنصات محلية.
المهتمون بالشأن الليبي يدركون أن مسألة الاستقالة من المناصب العليا بليبيا لم تكن مطروحة في يوم من الأيام، ومبادرة عيسى تعتبر حالة استثنائية تخفي وراءها أسرارًا عميقة تتصل مباشرة بإدارة السلطات التنفيذية للمال العام ومداخيل الدولة ومصاريفها، وما يشوبها من فساد ممنهج بات أبرز سمة تتصل بمنظومة الحكم الحالية التي جعلت من ليبيا ساحة مفتوحة للنهب المباح.
هل تلقى المحافظ تهديدًا مباشرًا بالتصفية ما جعله يؤثر السلامة ويختار النجاة بنفسه من الوقوع بين حجري المطحنة؟
في الوقت الذي كان فيه الليبيون يخوضون سجالًا حادًا حول حريق الخزان في الزاوية واستقالة محافظ المصرف المركزي، جاء خبر اغتيال اللواء المنصوري ليعيد خلط الأوراق
القيادة العامة للجيش اعتبرت أن الحادثة تعيد إلى الأذهان موجة التصفيات والاغتيالات التي طالت مسؤولين عسكريين وشخصيات عامة في ليبيا خلال عامي2013 و2014، في إشارة إلى ما قبل عملية الكرامة التي قادها وأدارها المشير خليفة حفتر واستطاع من خلالها اجتثاث شأفة الإرهاب من شرق البلاد ووسطها وجنوبها ومن مختلف المناطق التي تحررت من الجماعات المسلحة والميليشيات الخارجة عن القانون، واستعادت فيها الدولة صولجان سيادتها.
أن تكون مسؤولًا عن الاستخبارات العسكرية، فأنت شخصية استثنائية في مجالك. تقف على هرم الإدارة السيادية لملفات الأمن في أبعادها الاستراتيجية والجيوسياسية، تشرف على جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالقدرات العسكرية والأنشطة والتحركات المحتملة للدول الأخرى، سواء كانت حليفة أو معادية. هدفك الأساسي هو توفير المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات المتعلقة بالدفاع الوطني والتخطيط الاستراتيجي.
تتولى تقييم المعلومات الميدانية لتحويلها إلى رؤى واضحة تساعد القيادة في التخطيط للعمليات. تدير مهام الأمن العسكري وخاصة تلك المتصلة بحماية الأفراد، والأسلحة، والمنشآت، والوثائق العسكرية من التسريب أو التجسس، وتعمل على إحباط أي محاولات اختراق أو تجسس تستهدف المؤسسة العسكرية من الداخل أو الخارج، وعلى المساهمة الفعالة في التوقي من التهديدات غير التقليدية والعمليات الإرهابية التي تمس أمن البلاد، بالإضافة إلى رفد القيادة السياسية والعسكرية بالتقديرات الموقفية الدقيقة لدعم القرار الدفاعي.
أن تكون مسؤولًا عن الاستخبارات، فإنك في أعلى درجات الاحتياط الأمني عبر المتابعة الدقيقة لكل ما يدور على الأرض التي تنتمي إليها، وأنت مكلّف برصد وملاحقة أية تحركات معادية تهدف إلى المساس بأمن واستقرار الوطن أو سلامة الأفراد بالاعتماد على أحدث التقنيات لا سيما مع التقدم التكنولوجي والاتصالات.
هنا من حق أي مراقب داخل ليبيا أو خارجها أن يسأل عن طبيعة تلك الضربة الموجعة التي استهدفت المؤسسة العسكرية في شرق البلاد، من خلال اغتيال اللواء المنصوري في منطقة الهواري بالقرب من مسجد السيدة عائشة، عندما انفجرت عبوة ناسفة زُرعت داخل السيارة التي كان يستقلها المنصوري، ما أدى إلى مقتله على عين المكان.
كيف لشخصية محورية تتولى مسؤولية قيادية ذات رمزية خاصة أن تُواجه ذلك الإهمال أو سوء التقدير الأمني الذي جعل منها ضحية للتصفية الميدانية في عملية لا يمكن أن تكون بنت لحظتها، وإنما نتيجة إعداد مسبق أو تغطية متعمدة، وهو ما سيتم الكشف عن حقيقته عاجلًا أو آجلًا في بلد من الصعب أن تكتم فيه الأسرار .
لا أحد يستطيع التكهن بمجريات الأحداث في ليبيا، لاسيما أن طاحونة المصالح والنفوذ لا ترحم، وهي مستعدة لطحن وسحق كل ما أو من يعترض أجندات القائمين عليها. وأثبتت الأيام أن الصراع على الثروة هو الذي يجعل من السلطة رهانًا من المستحيل التنازل عنه من قبل الممسكين بمقاليده والمتنافسين من داخله على مواقع الصدارة فيه.
وطالما أن السلاح منتشر والقرار منفلت والمسؤولية من الصعب تحديدها، فإن الوضع يسير نحو المزيد من تأبيد الأزمة واستبعاد الحل السياسي إلى أجل غير مسمى.
___________
