صلاح الهوني

أوروبا ترى في فزان “حدوداً” يجب حمايتها، بينما سكانها يرونها “منطقة منسية” لا تصلها يد الدولة إلا عبر بيانات رسمية باردة.

بالنسبة لصنّاع القرار في بروكسل وعواصم أوروبا الغربية، فزان لم تعد مساحة نائية من الرمال، بل هي خط دفاع أول وأخير، ضد تدفق المهاجرين واللاجئين الذين يشقون طريقهم عبر الساحل الإفريقي نحو الشواطئ الأوروبية، حاملين معهم آمالاً تتحطم غالباً على صخور السياسات الأمنية الباردة.

لكن بالنسبة لسكانها الأصليين، تمثل فزان أرضاً منسية، تعاني من فراغ سياسي خانق يلتهم أي أمل في التنمية، ومسرح لتقاطع المصالح القبلية والإقليمية والدولية في مشهد معقد من الصراع والتنافس.

هذا التناقض الجوهري في النظرة إلى فزان يكشف عن أزمة أعمق تعصف بالدولة الليبية ذاتها: هل يمكن بناء دولة من أطرافها المهملة، أم أن إهمال الجنوب سيؤدي حتماً إلى انهيار أي مشروع وطني في ليبيا، تاركاً إياها في حالة من السيولة السياسية التي تستفيد منها شبكات التهريب والعصابات المسلحة؟

منذ ذروة الهجرة غير الشرعية عام 2016، حين عبر أكثر من 160 ألف مهاجر من السواحل الليبية إلى إيطاليا في موجات هزت الرأي العام، بدأت العواصم الأوروبية تنظر إلى فزان بعيون جديدة.

تحولت الصحراء الشاسعة إلى “حدود جنوبية” لأوروبا، وهو مفهوم يشمل الأمن القومي الأوروبي ذاته، وأصبحت السيطرة عليها مرتبطة ببقاء المشروع السياسي للاتحاد الأوروبي في مواجهة التحديات الديموغرافية والإنسانية.

أدركت إيطاليا، التي تتحمل العبء الأكبر من تدفقات المهاجرين، أن استقرار فزان وإحياء اقتصادها قد يشكلان مفتاحاً لتقليص التدفقات البشرية، لكنها في الوقت ذاته وقعت في فخ التناقض، فبينما سعت لتحقيق الاستقرار، تغاضت عن ممارسات بعض الجماعات المسلحة التي تتاجر بآلام البشر.

وفي هذا السياق، أطلقت روما عقوداً مع شركات تركية وأميركية لتعزيز مراقبة الحدود الليبية، في مشروعين منفصلين أعلن عنهما، مما يعكس حجم القلق الأوروبي من استمرار الفوضى في الجنوب الليبي، وكأن أوروبا تحاول شراء الوقت على حساب معالجة الجذور الحقيقية للهجرة غير الشرعية.

أما فرنسا، فاهتمت بالجنوب الليبي لأسباب أمنية بحتة مرتبطة بمنطقة الساحل الإفريقي، حيث تنتشر جماعات مسلحة تهدد مصالحها في مالي والنيجر، مما يجعل من فزان محوراً استراتيجياً في معركة باريس ضد الإرهاب في الصحراء الكبرى.

لكن هذه النظرة الأوروبية تظل أمنية في جوهرها، إذ تختزل فزان في حاجز لصد المهاجرين، متجاهلة واقعها الاجتماعي والاقتصادي المعقد، وكأنها تنظر إلى الصحراء كجدار صلب، بينما هي في الحقيقة كيان حي يموج بالحراك القبلي والاقتصادي.

يعيش سكان فزان في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على فرض النظام، يتلاشى الاقتصاد الشرعي بينما يزدهر اقتصاد الظل القائم على التهريب بوتيرة مذهلة، وكأن الدولة قد سلمت مفاتيح السيادة للعصابات المنظمة.

المفارقة هنا أن أوروبا ترى في فزان “حدوداً” يجب حمايتها، بينما سكانها يرونها “منطقة منسية” لا تصلها يد الدولة إلا عبر بيانات رسمية باردة، تظل حبيسة الأدراج في مكاتب المسؤولين في طرابلس.

فزان غنية بالموارد الطبيعية، من النفط والغاز إلى الذهب والمياه الجوفية، التي تكفي لتحويلها إلى واحدة من أغنى مناطق القارة، لكنها تعيش على اقتصاد غير مشروع يسيطر على حياتها اليومية، مما يجعل الثروة الطبيعية لعنة أكثر منها نعمة.

تشير تقديرات مشروع “إناكت” التابع للإنتربول إلى أن تهريب البشر وحده يدر إيرادات سنوية تتراوح بين مليار و1.5 مليار دولار، حيث تمر معظم طرق المهاجرين عبر سبها، العاصمة الإدارية للجنوب، التي تحولت إلى سوق مفتوح للبشر.

تسيطر قبائل التبو على الطرق القادمة من النيجر، بينما يسيطر الطوارق على الطرق القادمة من الجزائر.

وتحولت الصحراء إلى شبكة معقدة من المصالح والولاءات المتشابكة، حيث القبيلة هي الدولة والقانون في آن واحد.

وفي تطور مقلق، قام النيجر – الذي تحكمه حكومة عسكرية وصلت إلى السلطة بعد انقلاب 2023 – بإلغاء تجريم تهريب المهاجرين، مما أعاد فتح مساحات تشغيلية على طول الطرق الصحراوية، وعزز دوره كنقطة محورية للتدفقات المتجهة إلى ليبيا والبحر المتوسط، وكأن دول الساحل تتسابق في تفريغ مشاكلها تجاه الشمال.

تهريب الوقود يمثل ركيزة أخرى لهذا الاقتصاد الموازي، إذ يباع البنزين المدعوم في ليبيا بسعر زهيد لا يتجاوز بضعة سنتات، بينما يصل سعره في دول الجوار إلى دولار للتر، وهذا الفارق جعل من تهريب الوقود تجارة مربحة تدر مليارات الدولارات سنوياً، تديرها شبكات معقدة تمتد من الخليج إلى الساحل الإفريقي.

أما الذهب، فقد أصبح منذ عام 2013 صناعة مزدهرة في مرزق والمناطق الحدودية مع تشاد والنيجر، حيث يعمل آلاف الشباب في التعدين، مستفيدين من غياب الرقابة الحكومية، وكأن حمى الذهب قد اجتاحت الصحراء كما اجتاحت كاليفورنيا في القرن التاسع عشر، لكن مع اختلاف جوهري هو غياب أي أمل في حياة كريمة بعد استخراج المعدن النفيس.

في ظل هذا الاقتصاد الموازي، تلاشى الاقتصاد القانوني القائم على الزراعة والنفط بشكل شبه كامل، فالمشاريع الزراعية التي كانت تعتمد على مياه النهر الصناعي العظيم، ذلك المشروع الهندسي الضخم الذي أنشئ ليكون شريان الحياة للصحراء، انهارت وتحولت إلى أراضٍ جافة تعكس إهمال الدولة، والمزارع المملوكة للدولة تحولت إلى أراضٍ جافة تصلح فقط لرعي الأغنام.

النفط في الجنوب، الذي يمثل ربع إنتاج ليبيا، لم يعد يوفر فرص عمل محلية تذكر، إذ تذهب عائداته إلى شبكات وطنية ودولية بعيدة عن سكان الجنوب، مما يخلق شعوراً بالتهميش والغضب بين أبناء المنطقة.

المشهد الاجتماعي في فزان معقد بشكل استثنائي، حيث تتداخل القبائل العربية مثل أولاد سليمان والقذاذفة مع المجموعات غير العربية مثل التبو والطوارق، في توليفة عرقية وقبلية نادرة الوجود في العالم العربي.

هذه التركيبة العرقية والقبلية تحولت إلى عامل رئيسي في الصراع، إذ تتنافس كل مجموعة على السيطرة على طرق التهريب ومصادر الثروة، ليتحول الصراع في فزان إلى صراع بقاء أكثر منه صراع سياسي.

منذ عام 2011، شهدت المنطقة خمس حروب محلية متتالية بين القبائل، رغم محاولات وقف إطلاق النار التي لم تدم طويلاً، مما جعل فزان ساحة حرب دائمة تبتلع كل محاولات المصالحة.

وحذر مشروع “إناكت” من التوترات المتنامية في المثلث الحدودي مع النيجر وتشاد، مؤكداً أن زيادة الوجود المسلح في المنطقة يهدد استقرار الدول الثلاث على حد سواء، ويحول الحدود إلى مناطق رمادية لا تخضع لأي قانون.

القوى الخارجية استغلت هذا الانقسام ببراغماتية مفرطة، مما جعل من فزان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بين مصالح محلية ضيقة وأجندات دولية بعيدة، وكأن المنطقة أصبحت رقعة شطرنج يتنافس عليها اللاعبون الكبار.

في محاولة لمعالجة هذه الفوضى المستعصية، تتجه السلطات الليبية – بتشجيع أوروبي – إلى الكاميرات الحرارية وأنظمة الرصد الإلكتروني والإنذار المبكر، في مسعى لإخضاع مساحات شاسعة ظلت منذ سقوط نظام القذافي عام 2011 ممراً مفتوحاً للمهاجرين ومهربي الوقود والسلاح والمخدرات، وكأن التكنولوجيا وحدها قادرة على ردع عصابات لها جذورها في البنية الاجتماعية.

في منطقة العسّة الحدودية، أعلن جهاز حرس الحدود إطلاق المرحلة الأولى من مشروع تأمين الحدود الغربية ضمن رؤيته لعامي 2026-2027، بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأوروبي “يوبام”، التي مُددت ولايتها حتى يونيو 2027 بميزانية تقارب 52 مليون يورو، مما يعكس استعداد الاتحاد الأوروبي لاستثمار أموال طائلة في حل أمني مؤقت.

لكن اللافت هذه المرة هو تعدد الشركاء الخارجيين وتناقض توجهاتهم، وكأن ليبيا تحاول إرضاء الجميع دون أن ترضي أحداً.

استقرار فزان ليس مجرد قضية محلية، بل هو شرط أساسي لإعادة بناء الدولة الليبية من أساسها. دون معالجة قضايا الحكم والاقتصاد والأمن في الجنوب، لن يكون هناك تطبيع سياسي أو عسكري في البلاد ككل.

الجنوب هو العقدة الليبية التي لا يمكن فكها بمعزل عن باقي الجسد الوطني.

فزان تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة ليبيا على إعادة بناء مؤسساتها، إذ إن غياب الدولة في الأطراف يعكس هشاشتها في المركز، ويجعل أي مشروع للدولة المركزية مجرد واجهة دون مضمون.

الحلول لا يمكن أن تكون عسكرية فقط، بل يجب أن تشمل حواراً شاملاً يضم القادة العسكريين وقادة الجماعات المسلحة المحلية، إلى جانب زعماء القبائل والمجتمع المدني، في عملية مصالحة وطنية حقيقية تعترف بمظالم الماضي وتفتح آفاقاً للمستقبل.

يجب أن تترافق هذه الحلول مع مشاريع تنموية ضخمة تعيد الحياة إلى الاقتصاد الرسمي، مثل إعادة إحياء المشاريع الزراعية وتوظيف الشباب في شركات النفط والغاز، وتوفير بدائل اقتصادية حقيقية لتهريب البشر والوقود، لأن الشباب العاطل عن العمل سيبقى وقوداً لهذه العصابات ما لم تتوفر له فرص حياة كريمة.

هذه الجهود لن تنجح دون توافق دولي أوسع يعترف بأن فزان ليست مجرد ساحة لمنافسة النفوذ، بل منطقة حيوية تتطلب تعاوناً بين فرنسا وإيطاليا داخل الاتحاد الأوروبي، وتخفيف التوترات بين دول أخرى تدعم أطرافاً متنافسة في ليبيا، وإشراك دول الجوار في حل يضمن عدم تحول الصحراء إلى منطقة عازلة للصراعات بدلاً من أن تكون جسراً للتعاون.

في فزان تتداخل أحلام المهاجرين واللاجئين الأفارقة بالقلق الأوروبي، إنها الصحراء التي تذكّر أوروبا بأن حدودها تبدأ من الجنوب، وتذكّر ليبيا بأن الدولة لا تُبنى من الساحل فقط، بل من الأطراف المهملة المتروكة فريسة للفوضى.

الأماكن المنسية مثل فزان تعكس هشاشة الدولة وتناقضات السياسة الدولية، وتفضح عجز المجتمع الدولي عن تقديم حلول تتجاوز المنطق الأمني الضيق.

وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن أن تتحول هذه الصحراء الشاسعة إلى فضاء للسلام والتنمية بدلاً من أن تبقى مختبراً دائماً للفوضى والتجارة بالبشر؟

الإجابة تتطلب رؤية مشتركة تتجاوز المصالح الضيقة، وتضع مصالح سكان فزان – الذين لم يطلبوا يوماً أن يكونوا حراساً لحدود أوروبا – في قلب أي مسعى للاستقرار.

____________

مقالات مشابهة