السنوسي بسيكري
حتى نقطع الطريق على المزايدات والاصطياد في الماء العكر فإني أقول إن العنف واستخدام القوة لترويع الآمنين وقتل المدنيين وغير المدنيين، أمر مرفوض وعمل شنيع، والوقوف ضده واجب لا مساحة فيه للمناورة والمداورة.
لكن الأخطر منه أن نتعامل مع هذا الملف الحساس بهوى ونستخدمه ورقة في ساحة الصراع السياسي وأداة لتعزيز النفوذ وتحقيق المغانم، فنقع في ما هو أكبر من تلك الجرائم، ولقد ثبت بشواهد لا تعد أن إطلاق وصف “الدواعش” صار ذريعة للقضاء على الخصوم “الأيديولوجيين” وتصفية حسابات شخصية وتحصيل منافع مالية، بطرق مريعة، ودون دليل ولا برهان.
وهذا ما وقف عليه العقلاء، ممن أربكهم المشهد المظلم في الشرق الليبي منذ العام 2013م، وذلك بعد أن ألقت الحرب عصاها واستقر بها النوى.
ما دعاني إلى تناول هذا الموضوع في سانحتي الأسبوعية عبر هذا الموقع الموقر هو استمرار حالة التراجع بل التسفل لدى من يُرجى منهم ترقية الوعي وتصحيح المفاهيم المغلوطة والوقوف ضد الممارسات التي توغل في الاستبداد وتنحرف بنا مسافات إضافية بعيدا عن مسار البناء والاستقرار.
قد يكون كل أو بعض من تم محاكمتهم متورطون في أعمال إرهابية وتلطخت أيديهم بدماء أبرياء، لكن الاتجاه الصحيح صوب دولة القانون والمؤسسات لا يمكن أن يتوائم مع الطريقة التي تمت بها محاكمتهم وتنفيذ الأحكام فيهم. وبالمقابل، فالإحتمال وارد أن يكون بعضهم أبرياء ووقعوا في شرك التحامل الأيديولوجي أو الحسابات المغرضة، والفيصل في هذه التجاذبات هو القضاء العادل.
السلطات التي أعطت الأوامر، ووجهت بالطريقة التي تم بها إدارة ملف المتهمين ليست مبرئة من التوظيف السياسي للأحداث والوقائع، والعاقل الحصيف يعرف ذلك، ويدرك أننا بتنا في وضع يتوسل فيه الفاعلون، في الغرب والشرق، ما هو متاح لتمرير أجنداتهم وتحقيق أهدافهم، ولو وقع ما وقع خلال فترات التدافع المحموم والصراع المحتدم لغطى الاحتدام على الفعل بشكل أو آخر، ولكن الشعار المرفوع اليوم هو الإصلاح والانتقال نحو الدولة….ألخ، فهل يقع الانتقال وتبنى الدولة بهكذا سلوك؟!
إنني أقدر أن يتعاطف كثير ممن وقع عليهم ظلم الاغتيالات الأعوام 2012-2014م بفقد الأب أو الزوج أو الابن أو الأخ وغيرهم، وأتفهم دعمهم لما وقع من أحكام، فالجراح غائرة ولا تمحها السنون، لكنني لا يمكن أن أقبل أن يقف “قامة قانونية” ليصادق على الأحكام ولو بشكل غير مباشر دون أن يحدثنا، كما كان يفعل في سنوات خلت، عن سيادة القانون التي تأتي بإلغاء المحاكم الاستثنائية وتعزيز القضاء المدني وتوفر ضمانات المحاكمات العادلة التي تبدأ من استقلال القضاء تماما وتوفير الدفاع عن المتهمين واستنفاد درجات التقاضي المعروفة، وغيرها من الضمانات.
لقد هالني أن يتحدث بشغف من هم محسوبون على الفكر والأدب والعلوم عن الحق في صدور تلك الأحكام وتنفيذها دون أدنى التفات إلى ما ينبغي أن يكون عليه النهج الصائب للوصول إلى تلك الأحكام، أولم يدرك هؤلاء أن الإنحراف عمدا عن تحقيق العدل هو من أخطر ما تواجهه الأمم خاصة التي تتلمس طريقها للانتقال من الاستبداد والتخلف إلى سيادة القانون ودولة المؤسسات والحقوق والحريات.
وأقسم غير حانث أن الانحرافات التي عصفت بالبلد، في القديم والحديث، ما كانت لتأخذ مداها الذي أخذته لولا تبرير “نخبة” في السياسة والاقتصاد والقانون والأدب وكافة الفنون والتخصصات، للإنحرافات بل وجعلها البشائر التي بها تزدهر البلد ويهنأ الناس.
إن أكبر التحديات أمام من حباهم الله بعلم ومجال تخصصي مرموق أن لا يتيهوا مع التائهين ولا يجرفهم السيل أوقات الأزمات وعند وقوع النوازل، فيميلوا في موقفهم وآرائهم مع صدى قرع طبول السلطة ومن شايعها من أصحاب المصالح، وأن يحافظوا على ما يمليه عليهم ضميرهم الذي يحييه مراقبة الله وتضبط رتمة المعارف والعلوم التي تحصلوا عليها.
في الشريعة الغراء أحكام القصاص في القتل، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، وغيرها من الأحكام، لكنها لا تخضع لهوى وتكون أداة لظلم الناس وقهرهم، فهناك أساس عادل للاتهام ثم التجريم ثم التنفيذ، وما لم تتحقق العدالة في إثبات الجرم بشكل قطعي لا تلجلج فيه، فإن العدل لا يمكن أن يقام، وإذا غابت العدالة فعلى الوئام المجتمعي، بل على الدولة، السلام.
ولو أراد من أُعطوا الأوامر بإدارة هذا الملف على الطريقة البائسة التي أدير بها إقامة العدل والقسط بين الناس لعقدوا محاكمة تكتمل فيها شروط التقاضي والتحاكم العادل، يحضرها محامو المُتّهين وأهاليهم ويراقبها من يحب عبر السائل المتاحة للمراقبة، ولو فعلوا وكانت النتيجة أحكام بالإعدام فلن يرفضها إلا مُناكف ولا يظاهرهم في ذلك إلا مُغرض، لكن يرجى العدل من أهل العدل وينتظر القسط ممن لا يجرهم حب الرياسة إلى الظلم.
مضامين المقال لا يمكن أن يكون دفاعا عن الإجرام أو مجارة للتطرف والإرهاب، لكنه تحذير من الانجرار إلى مسالك السلطات الغاشمة التي لا ترى لمقررات واشتراطات بناء دولة القانون والحقوق ومجمع السلام والوئام في السابق واللاحق، أهمية، والتنبيه إلى أن انحراف النخبة عن تلك المقررات والاشتراطات إنما هو الفأس الذي يدك بعض ما تبقى من آمال بناء دولة قانون ومجتمع الوئام.
___________
