صلاح الهوني

البلد الذي قامت ثورته على وعد بناء دولة جديدة ما زال يعيش داخل مرحلة انتقالية لم تعد انتقالية إلا بالاسم.

بعد خمسة عشر عاماً من سقوط نظام القذافي، تبدو المفارقة الليبية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: البلد الذي قامت ثورته على وعد بناء دولة جديدة ما زال يعيش داخل مرحلة انتقالية لم تعد انتقالية إلا بالاسم.

تبدلت الحكومات، وتغيرت التحالفات، وانقسمت المؤسسات، وتعددت المبادرات الدولية والمحلية، وتوالت خرائط الطريق واللجان والحوارات والاتفاقات، لكن الدولة التي يفترض أن تكون نتيجة لكل ذلك لم تصل بعد.

وفي المقابل، نشأت حول المرحلة الانتقالية طبقة سياسية كاملة راكمت سنوات طويلة من الحضور والنفوذ والقدرة على تعطيل أو تمرير القرارات، حتى أصبح السؤال الأصعب في ليبيا ليس فقط لماذا فشلت الانتخابات، وإنما لماذا استطاعت المؤسسات المؤقتة أن تعيش كل هذه السنوات من دون أن تنتهي.

هذه ليست مشكلة حكومة بعينها، ولا يمكن اختزالها في رئيس وزراء أو مجلس أو طرف سياسي واحد. فالحكومات في ليبيا تتغير، لكن البنية التي تنتج الحكومات وتعيد توزيع الشرعية بينها بقيت أكثر ثباتاً.

البرلمان، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، والحكومات المتعاقبة، والهيئات المنبثقة عن التسويات السياسية، كلها أصبحت أجزاء من منظومة واحدة تعيش على تمديد المرحلة الانتقالية أكثر مما تعيش على إنهائها. وحتى خارطة الطريق الأممية الحالية تنطلق من حقيقة أن ليبيا بحاجة إلى إنهاء الترتيبات الانتقالية المتعاقبة وتوحيد مؤسساتها وإجراء انتخابات عامة.

المشكلة إذن ليست أن ليبيا لم تجد بعد الصيغة المثالية للحكم، بل أن الطبقة السياسية لم تنجح في إنتاج آلية تجعل مغادرة السلطة نتيجة طبيعية للعمل السياسي.

ففي الدول المستقرة، تكون المؤسسات السياسية جسوراً إلى السلطة ومنها، بينما تتحول المؤسسات المؤقتة في ليبيا إلى مواقع يمكن أن تستمر فيها النخب نفسها سنوات طويلة، حتى عندما تنتهي المبررات التي نشأت من أجلها.

وبذلك لم تعد المرحلة الانتقالية مجرد فترة زمنية تسبق الانتخابات، بل أصبحت بنية سياسية لها مصالحها وحساباتها وشبكاتها، وتملك أسباباً كثيرة تجعل استمرارها أقل كلفة بالنسبة إلى بعض الفاعلين من الوصول إلى تسوية نهائية قد تعيد توزيع السلطة من الصفر.

ومن هنا يصبح الحديث عن الانتخابات أكثر تعقيداً من مجرد تحديد موعد للاقتراع. فالانتخابات ليست بالنسبة إلى القوى الموجودة في السلطة مجرد عملية إجرائية، وإنما يمكن أن تعني إعادة تعريف كاملة للشرعية السياسية.

من يفوز قد يزيح من يخسر، ومؤسسة اعتادت امتلاك حق الفيتو قد تفقده، ونخب بنت نفوذها على التوازنات المؤقتة قد تجد نفسها أمام ناخب لا تستطيع التحكم في قراره. ولذلك فإن معركة الانتخابات في ليبيا ليست فقط معركة حول القوانين والصلاحيات، بل حول السؤال الأعمق: من يملك حق إنتاج السلطة؟

وهنا تظهر مفارقة المستشار عقيلة صالح بوضوح. فالرجل، الذي يرأس مجلس النواب منذ 2014، أصبح أحد أكثر الوجوه استمرارية في المشهد السياسي الليبي. وهذه الاستمرارية لا تعني في حد ذاتها مخالفة أو عيباً؛ فالعمر أو طول البقاء في موقع سياسي لا يشكلان دليلاً على عدم الكفاءة، كما أن أي تقييم قانوني لشرعية المواقع يجب أن يستند إلى النصوص والوقائع لا إلى الأشخاص.

لكن وجود قيادة تشريعية استمرت أكثر من عقد داخل نظام سياسي يعلن باستمرار أن هدفه هو تجديد الشرعية عبر الانتخابات يطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله: كيف يمكن بناء ثقافة تداول للسلطة بينما تظل المؤسسات التي يفترض أن تدير الانتقال نفسها جزءاً من مشكلة الاستمرار؟

السؤال لا يخص عقيلة صالح وحده. إنه يطال كل من بقي في مواقع القرار طوال هذه السنوات، أياً كان موقعه أو معسكره أو خطابه السياسي.

فالمسؤولية السياسية لا تتوقف عند من يدير الحكومة التنفيذية، وإنما تمتد إلى من يشرّع، ومن يمنح الثقة، ومن يسحبها، ومن يضع القواعد الانتخابية، ومن يؤجلها، ومن يملك القدرة على عقد التسويات أو إفشالها.

ولا يعني ذلك اتهام هؤلاء جميعاً بالفساد أو تحميلهم مسؤولية جنائية لا تثبت إلا أمام القضاء؛ إنما يعني أن من شارك في إدارة مرحلة سياسية استمرت خمسة عشر عاماً يجب أن يكون مستعداً للخضوع للسؤال السياسي البسيط: ماذا أنجزتم خلال هذه السنوات، ولماذا لم تصل البلاد إلى الدولة التي وعدتم بها؟

المفارقة أن الخطاب السياسي الليبي نفسه أصبح يعيد إنتاج المفردات ذاتها: التوافق، الشرعية، القوانين الانتخابية، الحكومة الموحدة، المصالحة، خارطة الطريق، الحوار الوطني.

وكلما بدا أن البلاد تقترب من نقطة حاسمة، ظهر خلاف جديد حول الآلية أو التوقيت أو الصلاحيات أو شروط المشاركة. ثم تُنشأ لجنة جديدة لمعالجة الخلاف، وتنتهي اللجنة إلى مقترحات جديدة، ثم يبدأ التفاوض حول المقترحات، قبل أن تعود الأزمة إلى نقطة أخرى.

المشكلة ليست في الحوار ذاته؛ فالحوار جزء ضروري من أي تسوية سياسية. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحوار بديلاً عن القرار، وتتحول اللجان من أدوات لإنجاز الاستحقاقات إلى أدوات لتأجيلها.

وليبيا لا تعاني في الحقيقة نقصاً في المبادرات السياسية. وهذه المرة تحديداً ينبغي ألا يكون السؤال: هل لدينا اتفاق جديد؟ بل: هل توجد آلية تجعل الاتفاق قابلاً للتنفيذ وتحول دون أن يصبح مجرد محطة أخرى في سلسلة المحطات السابقة؟

فالاختبار الحقيقي لأي اتفاق سياسي ليس عدد الأطراف التي توقعه، ولا حجم الترحيب الدولي به، وإنما قدرته على نقل البلاد من مرحلة إنتاج النصوص إلى مرحلة تنفيذها.

وهذا هو الفارق بين ليبيا اليوم وليبيا التي تحتاج إلى أن تكونها.

الدولة لا تُبنى بعدد الاجتماعات، ولا بعدد البيانات التي تؤكد الالتزام بالانتخابات، ولا بتغيير أسماء اللجان. الدولة تبدأ عندما تصبح القواعد السياسية أعلى من مصالح القائمين عليها، وعندما يصبح انتهاء ولاية المسؤول نتيجة طبيعية للنظام السياسي لا نتيجة تفاوض جديد بين الأطراف.

وإذا كان الخلاف حول الانتخابات هو الوجه السياسي للأزمة، فإن المال العام يمثل وجهها الاقتصادي.

فالمرحلة الانتقالية الطويلة ليست مجرد حالة دستورية أو سياسية معلقة؛ إنها أيضاً كلفة مالية ضخمة. تعدد المؤسسات والحكومات والهياكل والميزانيات يخلق بيئة يصعب فيها تتبع المسؤولية، ويجعل الإنفاق العام جزءاً من الصراع على النفوذ. وفي بلد يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على النفط، تصبح السيطرة على القرار المالي أكثر من مسألة إدارية، لأنها تعني امتلاك واحدة من أهم أدوات إنتاج القوة السياسية.

لكن وجود جهاز رقابي لا يكفي إذا بقيت نتائج الرقابة منفصلة عن المساءلة السياسية والمؤسسية. فالتقرير الرقابي لا ينهي المخالفة بمجرد تسجيلها؛ قيمته الحقيقية تظهر عندما تتحول الملاحظات إلى تصحيح، وتتحول المسؤولية إلى محاسبة، ويتحول المال العام من مورد تتنافس عليه المؤسسات إلى مورد يخضع لقواعد واحدة.

ولذلك فإن سؤال الانتخابات لا يمكن فصله عن سؤال المال. الدولة التي لا تستطيع تحديد من يحكمها بصورة شرعية ستجد صعوبة أيضاً في تحديد من يملك حق اتخاذ القرار المالي باسمها.

وهنا يصبح الحديث عن الطبقة السياسية أكثر دقة من الحديث عن ‘الحكومات’. فالمرحلة الانتقالية لم تستمر لأن الحكومات وحدها فشلت، وإنما لأن منظومة أوسع من المؤسسات والقواعد والمصالح عجزت عن إنتاج انتقال حقيقي. الحكومات تغيرت، لكن الصراع على الشرعية بقي.

الاتفاقات تغيرت، لكن آليات تعطيلها بقيت. الوجوه تبدلت أحياناً، لكن قواعد اللعبة ظلت إلى حد كبير نفسها: كل طرف يطالب بإنهاء المرحلة الانتقالية عندما يرى أن ذلك يخدم موقعه، ويتحفظ عليها عندما يشعر أن الانتخابات قد تعيد توزيع النفوذ على حسابه.

وهذا ما يجعل الأزمة الليبية مختلفة عن مجرد فشل إداري. إنها أزمة في العلاقة بين السلطة والشرعية. فالمؤسسات التي يفترض أن تكون مؤقتة اكتسبت، بمرور الوقت، مصالح مرتبطة باستمرارها، وأصبح تغييرها أكثر صعوبة من إنشائها.

وكلما طال أمد المرحلة الانتقالية، أصبح من الأصعب على الطبقة السياسية أن تتخيل لحظة تخرج فيها من المشهد وفق قواعد لا تتحكم هي في صياغتها.

أما المجتمع الليبي، فقد وجد نفسه في موقع المتلقي لهذا الصراع. المواطن لا يختار تعدد الحكومات، ولا يضع القوانين الانتخابية، ولا يقرر شكل المؤسسات السيادية، ولا يتحكم في توقيت التسويات. لكنه يدفع كلفة الانقسام من قيمة العملة إلى مستوى الخدمات، ومن فرص الاستثمار إلى الأمن، ومن الثقة في الدولة إلى الإحساس بأن السياسة أصبحت مهنة مغلقة على أصحابها.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين من يريد الانتخابات ومن يرفضها بصورة معلنة. نادراً ما يقول سياسي ليبي إنه ضد الانتخابات.

المعركة الأكثر أهمية هي حول الشروط التي تسبق الانتخابات، ومن يضعها، ومن يفسرها، ومن يملك تعديلها، ومن يحدد توقيتها، ومن يضمن ألا تتحول كل عقدة جديدة إلى سبب لتأجيل الاستحقاق.

ولهذا فإن نجاح المسار الحالي سيتوقف بقدر كبير على قدرة المؤسسات الليبية على قبول قواعد لا تستطيع تعديلها كلما اقتربت من لحظة الاختبار.

وهنا تحديداً ينبغي أن تتغير لغة السياسة الليبية. لم يعد كافياً أن يقال إن “السلطة للشعب”، لأن الشعب لا يحتاج إلى تذكير بأن السلطة ملكه.

المطلوب أن تتحول هذه العبارة إلى إجراء سياسي: موعد انتخابي واضح، إطار قانوني قابل للتطبيق، مؤسسة انتخابية قادرة على إدارة الاقتراع، ترتيبات أمنية تسمح للناخب بالتصويت، وقبول مسبق بنتائج العملية ضمن قواعد متفق عليها.

وهذه هي العناصر التي تركز عليها خارطة الطريق الأممية الحالية، التي تربط بين الإطار الانتخابي وتوحيد المؤسسات والحكومة الموحدة والحوار حول قضايا الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة.

المطلوب أيضاً إعادة تعريف معنى “التوافق”. التوافق الذي يمنع الانتخابات ليس توافقاً على الدولة، وإنما توافق على استمرار إدارة الأزمة. أما التوافق الذي يضع قواعد لخروج الجميع من المرحلة الانتقالية، فهو الذي يمكن أن يتحول إلى تأسيس سياسي جديد.

وهنا تبرز أهمية المسار الحالي. فقد رحبت الأمم المتحدة بتأييد مجلس النواب لاتفاق الاجتماع المصغر، واعتبرت ذلك خطوة نحو تجاوز الجمود السياسي وتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لانتخابات برلمانية ورئاسية شاملة وذات مصداقية.

كما واصل أعضاء الاجتماع المصغر اجتماعاتهم في تونس في سبتمبر لمتابعة التنفيذ، مع تحديد اجتماع لاحق في أكتوبر. هذه التطورات لا تعني أن الأزمة انتهت، لكنها تضع المؤسسات أمام اختبار أكثر وضوحاً: هل تستطيع هذه المرة أن تنفذ ما توافق عليه، أم أن الاتفاق سيضاف إلى أرشيف طويل من التسويات التي عجزت عن تحويل النص السياسي إلى واقع؟

بعد خمسة عشر عاماً، لم يعد ممكناً التعامل مع المرحلة الانتقالية باعتبارها ظرفاً مؤقتاً طال أكثر مما ينبغي، لأن طولها نفسه أصبح جزءاً من المشكلة.

لقد نشأ جيل ليبي كامل داخل دولة مؤقتة، وتعلم أن الحكومات يمكن أن تتغير من دون انتخابات، وأن المؤسسات يمكن أن تستمر من دون تجديد كامل للشرعية، وأن كل أزمة يمكن أن تنتج لجنة جديدة، وأن كل لجنة يمكن أن تنتج اتفاقاً جديداً.

كسر هذه الحلقة لا يحتاج إلى خطاب أكثر حدة، وإنما إلى قاعدة سياسية بسيطة: لا شرعية دائمة لمؤسسات مؤقتة، ولا سلطة بلا تفويض متجدد، ولا انتقال بلا نهاية محددة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

مقالات مشابهة