صلاح الهوني
السؤال الذي يواجه ليبيا اليوم ليس من حلّ محل عقيلة صالح بل ما إذا كان رحيله سيغيّر قواعد اللعبة السياسية.
تغيير المسؤول ليس دائماً دليلاً على تغيير السياسة، كما أن بقاء المؤسسات بأسمائها وهياكلها لا يعني بالضرورة بقاء موازين القوى التي تتحكم فيها. فقد يتغير الشخص الذي يتصدر المشهد بينما تنتقل السلطة الفعلية إلى دوائر أخرى، وقد يتحول إجراء داخلي محدود إلى مدخل لإعادة ترتيب أوسع إذا تزامن مع تحولات في التحالفات المحلية والضغوط الدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن خروج عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب يطرح سؤالاً يتجاوز نهاية مرحلة شخصية امتدت اثني عشر عاماً: هل بدأ شرق ليبيا إعادة تنظيم علاقته بين المؤسسة التشريعية والقيادة العسكرية، أم أن الأمر يتعلق بإعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة ذاتها، استعداداً لمرحلة تفاوضية جديدة؟
لم يكن عقيلة صالح مجرد رئيس لمجلس النواب. فقد مثّل طوال سنوات إحدى أهم حلقات الوصل بين المؤسسة التشريعية في الشرق والقيادة العامة بقيادة خليفة حفتر. ومن خلال موقعه، شارك في تشكيل الغطاء السياسي والقانوني للترتيبات التي نشأت في شرق البلاد، وكان طرفاً أساسياً في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومات وتوزيع المناصب وتحديد قواعد المرحلة الانتقالية.
لذلك فإن مغادرته المنصب لا تعني انتهاء نفوذ الشبكة التي ارتبط بها، لكنها تفتح الباب أمام التساؤل عن الجهة التي ستملك الكلمة الأوسع في المرحلة المقبلة.
لقد استمر عقيلة صالح في موقعه منذ عام 2014، وهي مدة طويلة في بلد تعاقبت فيه الحكومات والاتفاقات والمبادرات الدولية من دون أن تنجح في إنهاء الانقسام. وخلال هذه السنوات، تحولت رئاسة البرلمان إلى موقع يتجاوز وظيفته التشريعية، لتصبح جزءاً من معادلة السلطة التي تتداخل فيها الشرعية السياسية مع القوة العسكرية والنفوذ الاجتماعي والمصالح الاقتصادية.
ومن ثم، فإن انتهاء هذه المرحلة يحمل دلالة تتعلق بقدرة المؤسسات على تجديد قياداتها، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً أكثر جوهرية: هل تستطيع المؤسسة أن تستعيد استقلال قرارها؟
اللافت أن التغيير بدأ من تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، إذ وافق 98 نائباً من أصل 102 حضروا الجلسة على اعتماد مدة محددة لهيئة الرئاسة، بحيث لا تتجاوز ولاية رئيس المجلس ونائبيه اثني عشر شهراً. ويعكس هذا التحرك اعتراضاً تراكم داخل البرلمان على استمرار القيادة نفسها سنوات طويلة، وعلى ما وصفه بعض النواب باتخاذ قرارات من دون التشاور الكافي مع الأعضاء.
لكن تعديل اللائحة لا يلغي الخلاف حول شرعية الإجراءات التي أعقبته؛ فقد رفض عقيلة صالح نتائج الجلسة، واعتبرها غير رسمية ولا تترتب عليها آثار قانونية، فيما شدد النائب الأول فوزي النويري على ضرورة احترام القواعد القانونية والإجرائية المنظمة لعمل المجلس.
وهنا يكمن التحدي الأول أمام القيادة الجديدة. فانتخاب رئيس جديد لا ينهي الخلاف بمجرد إعلان النتيجة، ولا تتحقق شرعية المؤسسة فقط بامتلاك الأغلبية العددية في جلسة واحدة، بل بقدرتها على تحويل القرار إلى ممارسة مؤسسية مقبولة، وفق اللائحة والقواعد التي تنظم عملها.
وإذا تحول النزاع إلى صراع بين رئاستين أو مركزين يدعي كل منهما امتلاك الشرعية، فإن مجلس النواب قد يجد نفسه أمام انقسام جديد.
غير أن قراءة ما جرى باعتباره خلافاً إجرائياً فحسب لن تكون كافية. فالتغيير جاء في لحظة تتكثف فيها الضغوط لإعادة تشكيل المؤسسات الليبية، وتقترب فيها المبادرات الدولية من مرحلة تتطلب قرارات عملية بشأن الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح تجديد قيادة البرلمان جزءاً من معركة أوسع حول من يملك تمثيل شرق ليبيا على طاولة التسوية، ومن يستطيع التفاوض باسم المؤسسات، ومن ستكون له الكلمة في تحديد شكل السلطة التي تسبق الانتخابات وتدير موارد الدولة خلالها.
كما أن اختيار الصالحين عبدالنبي العبيدي يحمل بعداً اجتماعياً وسياسياً لا يمكن إغفاله. فهو ينتمي إلى قبيلة العبيدات، التي ينتمي إليها عقيلة صالح أيضاً، ويمثل دائرة طبرق في أقصى شرق البلاد.
وقد يتيح هذا التقارب الاجتماعي انتقالاً أقل حدة من حيث التوازنات المحلية، لكنه لا يعني بالضرورة تطابق المصالح أو استمرار التحالفات السابقة. فالروابط القبلية تظل عاملاً مهماً في السياسة الليبية، لكنها لا تفسر وحدها مواقف النواب ولا تحدد تلقائياً اتجاهاتهم.
والمهم هنا أن التغيير لم يأت من خارج البيئة الاجتماعية والسياسية التي نشأت فيها قيادة عقيلة صالح، بل من داخلها، وهو ما يجعل السؤال عن طبيعة التحول أكثر أهمية من السؤال عن هوية الرئيس الجديد.
فإذا كان الهدف من التغيير هو إعادة الاعتبار للعمل الجماعي داخل البرلمان، فإن الانتماء الاجتماعي المشترك قد يساعد على احتواء بعض الاعتراضات، لكنه لن يكون كافياً لإعادة بناء الثقة.
المطلوب هو أن تتغير طريقة إدارة المؤسسة، وأن تصبح القرارات الكبرى، خصوصاً تلك المتعلقة بالتشريعات الانتخابية وتشكيل السلطة التنفيذية وإدارة المرحلة الانتقالية، نتاج توافق أوسع لا مجرد تفاهمات بين مراكز النفوذ.
أما العلاقة بين البرلمان والقيادة العامة، فهي الجانب الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فقد أدى مجلس النواب دوراً سياسياً مهماً في توفير الغطاء لقرارات معسكر الشرق، بينما امتلكت القيادة العسكرية أدوات القوة والسيطرة الميدانية.
وعلى امتداد سنوات الانقسام، تداخل المساران حتى أصبح الفصل بينهما صعباً، وإن لم يكونا متطابقين في كل الملفات. ومن هنا فإن تغيير رئيس البرلمان يثير احتمال إعادة توزيع الأدوار بين المؤسسة التشريعية والقيادة العسكرية، لكنه لا يثبت بمفرده أن ميزان السلطة قد تغير بالفعل.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع صعود دور صدام حفتر في المشهد الشرقي. فالتطورات الأخيرة في ليبيا كشفت عن اتساع حضور الجيل الجديد المحيط بالقيادة العامة، وعن احتدام التنافس على تحديد شكل المرحلة المقبلة.
وقد رأت تحليلات سياسية أن إبعاد عقيلة صالح ينسجم مع مسعى أوسع لتركيز القرار في دوائر أقرب إلى القيادة العسكرية. لكن ينبغي التعامل مع هذا التفسير باعتباره قراءة سياسية للتطورات، لا حقيقة محسومة؛ فالتغيير قد يعكس أيضاً رغبة عدد من النواب في إنهاء رئاسة طويلة، وتحسين أداء المجلس، واستعادة دورهم في اتخاذ القرار.
ومع ذلك، فإن الترحيب الأميركي بالقيادة الجديدة يضيف بعداً مهماً إلى المشهد. فقد هنأ مسعد بولس الرئيس الجديد ونائبيه، وأكد تطلع واشنطن إلى العمل مع رئاسة المجلس الجديدة وجميع الأطراف الليبية من أجل توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية وتهيئة الظروف للانتخابات.
وهنا يبرز السؤال عن المبادرة الأميركية التي يقودها بولس، وعن علاقتها بالمسار الأممي. فواشنطن تدفع باتجاه توحيد المؤسسات الليبية ضمن تسوية أوسع، بينما تعمل الأمم المتحدة على مسار سياسي يتضمن معالجة الخلافات القانونية والانتخابية وتحديد خطوات تقود إلى انتخابات وطنية.
لكن وجود مسارين دوليين لا يعني بالضرورة وجود رؤية واحدة متطابقة. فالمبادرات الخارجية قد تتقاطع في هدف توحيد المؤسسات، لكنها تختلف في ترتيب الأولويات وفي كيفية التعامل مع القوى التي تملك النفوذ الفعلي على الأرض.
كما أن توحيد المؤسسات لا يتحقق بمجرد الاتفاق على أسماء جديدة لرئاستها، بل يحتاج إلى تسوية بشأن السلطة التنفيذية، والقيادة الأمنية، والموارد العامة، وقواعد الانتخابات، وضمانات قبول النتائج.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحرك الأميركي عن أهمية ليبيا الاقتصادية والإستراتيجية. فليبيا ليست فقط دولة تعاني انقساماً سياسياً، بل منتج رئيسي للنفط والغاز، وموقع مؤثر في أمن البحر المتوسط، ونقطة مركزية في مسارات الهجرة بين أفريقيا وأوروبا.
واستمرار الانقسام يرفع كلفة عدم الاستقرار على قطاع الطاقة، ويعقّد إدارة الحدود، ويترك المجال مفتوحاً أمام قوى خارجية للتنافس على النفوذ. لذلك فإن اهتمام واشنطن بتوحيد المؤسسات يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية متداخلة، ولا يمكن اختزاله في الرغبة في تنظيم الانتخابات وحدها.
السؤال الذي يواجه ليبيا اليوم ليس من حلّ محل عقيلة صالح، بل ما إذا كان رحيله سيغيّر قواعد اللعبة السياسية. فهل نحن أمام بداية إعادة ترتيب حقيقية للمؤسسات، أم أمام إعادة إنتاج للانقسام بوجوه جديدة؟
__________
