السنوسي بسيكري
نشب نزاع بين المعنيين والمهتمين بالاقتصاد الليبي حول جعل الدولار العملة الرئيسية بدل الدينار، ما بين من يعتبرها العلاج للاقتصاد الليبي المعلول، ومن يرفضها ويراها خرقا للسيادة الوطنية وعبث لا طائل منه.
والحقيقة أن النقاش حول هذه المسألة لم يأخذ مساحة مريحة بين من يؤيدها ويرفضها، لذا كانت ردود الفعل على الخلاف الذي وقع مرتبكة، والقليل منها اتجه إلى تفكيك الموضوع وعرضه بشكل يسهل على الناس فهم ما إذا كانت الدولرة بالفعل مخرجا من التأزيم الذي يعانيه الاقتصاد الوطني، أو العكس.
الدولرة ببساطة تعني إحلال الدولار الأمريكي محل الدينار الليبي، بحيث يؤدي الدولار الوظائف الأساسية التي يناط بها الدينار مثل أن يكون الأول وسيط التبادل ومخزن القيمة بدل الثاني.
بمعنى أن يصبح الدولار مقبولا في عمليات البيع والشراء، الجملة والمفرد، وأن يصبح هو العملة التي تقدر بها الاصول وتضبط بها كافة الإجراءات المالية واللنقدية.
ومن يدعون إلى الأخذ بهذه السياسة بالقطع يقصدون اعتمادها بشكل رسمي من الجهات المعنية على مستوى التشريع واتخاذ القرارات ووضع وتنفيذ السياسات المالية والنقدية، على مستوى البلاد.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن اعتماد الدولار بديلا عن الدينار رسميا يعني انتهاء دور المصرف المركزي، وتوقف تأثير السياسة النقدية المحلية، وارتهان الاقتصاد الليبي للدولار وتقلباته العالمية وسياسات السلطات النقدية الأمريكية.
أيضا السير في هذا الاتجاه يتطلب إجراءات تفضي إلى تحولات كبيرة في اتجاهات عدة ولا تقف عند الجهاز المصرفي فحسب، الذي تصبح معاملاته بالدولار بدل الدينار، مما يجعل الأمر غير قابل للتطبيق في ظل الوضع السياسي الراهن.
حجج الداعين إلى استبدال العملات المحلية بالدولار في الاقتصادات التي تواجه أزمات هو اشتداد الضغوط التضخمية وضعف العملة المحلية وتعرضها لاضطرابات وتقلبات وتدهور حاد ينعكس على الأنشطة الاقتصادية وعلى مستوى عيش المواطنين بالسلب بدرجة كبيرة، وعجز السلطات المعنية، خاصة المصرف المركزي، على مواجهة هذه المشاكل، وبالتالي فإن إحلال الدولار محل العملة المحلية، في رأيهم، يمكن أن يخفف أو ينهي تلك المشاكل.
وتعميقا للنقاش وتوسعة له وأخذه باتجاه التفكيك الذي يساعد على الفهم نقول إن الاقتصاد الليبي يعاني مظاهر تأزيم عديدة من بينها الأعراض التي يذكرها دعاة الدولرة مثل تدهور قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية واضطراب سعر الصرف والفجوة المتزايدة بين السعرين الرسمي والسعر في السوق الموازي للعملات وارتفاع التضخم وعجز السلطات المالية والنقدية على احتواء الوضع المأزوم، بل مشاركتها في التأزيم بسبب تواجهاتها وخياراتها، والسؤال هنا: هل مظاهر التأزيم تلك كافية للقول بأنه لا خيار إلا اللجوء للدولرة؟!
بالنظر إلى طبيعة أزمة الاقتصاد الليبي يمكن القول أنه برغم تشابكها وتشابك أسباب التأزيم ما بين البنيوي والطارئ، إلا إنها لم تخرج عن السيطرة وهي قابل للحل إذا توافرت العوامل التي تأسس للمعالجة الجذرية وفي مقدمة ذلك قدرة الجهات المعنية بإدارة الاقتصاد على القيام بمسؤولياتها على أكمل وجه، ذلك أن أسباب التأزيم تعود إلى اختلال منظومة الدولة وضعف كفاءة مؤسساتها، والصراع الذي ألقي بظلاله بقوة على الاقتصاد، والذي لن ينهي أثاره استبدال الدينار بالدولار.
بالأمس وقع جدل حول إدارة عوائد النفط بين مؤسسة النفط والبنك الخارجي والمصرف المركزي، حيث تضارب تصريح المؤسسة بخصوص التحويلات النقدية للجهات المالية مع بيان المصرف المركزي بالخصوص، والفروق الكبيرة بين المبالغ المحالة والمستلمة، ورأينا أثر تلك التصريحات على الاقتصاد، فهل سينتهي مثل هذا العبث وتتوقف تأثيراته السلبية إذا تم دولرة الاقتصاد؟!
ما وقع بالأمس عينة لمشاكل لا تعد تتعلق بإدارة الاقتصاد الليبي هي تعبير عن فوضى مفتعلة ناتجة عن صراع على النفوذ وتضارب مصالح وهدر وفساد هي العنوان الأبرز لأزمة الاقتصاد، ولن يختلف الوضع سواء كانت عملته الدينار أو الدولار.
خذ الهدر الكبير في سياسات دعم المحروقات وما ترتب عليها من فساد ونهب لا يكاد يصدق، فمنذ أيام تحدثت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، عن نهب عبر تهريب المحروقات بلغ 4.4 مليار دولار أمركي خلال التسع أشهر الماضية، فهل دولرة الاقتصاد الليبي ستقضي على هذا الاستنزاف الرهيب لثروة البلاد؟!
أزمة الاقتصاد الليبي مصطنعة وليست مستحكمة، إذ لا يعاني الاقتصاد الليبي شحا في موارده، ولا يواجه تحديات بسبب التركيبة الديمغرافية أو تنهكه الظروف الطبيعية، فالمجمع السكاني الليبي صغير وموارد البلاد متعددة ووفيرة، لكنه يعاني خلل في السياسات، وانحراف في التوجهات، واستفحلت أزمته بسبب الهدر والفساد.
الحديث عن الدولرة يمكن أن يوضع على الطاولة ويدرج ضمن أجندات البحث بعد استنفاد الحلول الممكنة، والخلوص إلى نتيجة يدعمها جمهرة من أهل الاختصاص مفادها أن الوضع الاقتصادي بات عصيا على المعالجة بالأساليب المعروفة لديهم. غير أني أجزم بأن الحل يكمن في الالتفات إلى الوضع السياسي المتردي والخيارات الاقتصادية القاصرة التي جعلت الاقتصاد الوطني جاثيا على ركبتيه، فهي مكمن الداء وفي تجاوزها الدواء.
__________
