صلاح الهوني

ليبيا لن تخرج من أزمتها حين تتفق القوى على كيفية اقتسام السلطة فحسب، وإنما حين تتفق على إعادة السلطة إلى وظيفتها الأصلية لخدمة المواطن.

ليس أصعب على المواطن من أن يعيش في بلد لا تنقصه الموارد ولا الإمكانات، لكنه يعجز عن تحويلها إلى حياة مستقرة، ولا تنقصه الوعود السياسية، لكنه لا يجد في معظمها ما يبدل واقعه اليومي.

هذا هو المشهد الذي يختصر جانباً أساسياً من المأساة الليبية: بلد يمتلك ثروة نفطية وموقعاً استراتيجياً وإمكانات بشرية قادرة على بناء مستقبل مختلف، فيما يظل المواطن أسير الانقسام السياسي، وتنازع السلطات، وتكرار الأزمات الأمنية والمعيشية.

وبينما تتعاقب المبادرات المحلية والدولية بحثاً عن تسوية تنهي المرحلة الانتقالية الممتدة، يجد الليبي نفسه عالقاً بين حرب يخشى عودتها، وسلام لا يثق تماماً في اقترابه، وانتظار طويل تتآكل خلاله قدرته على التخطيط لمستقبله.

منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تكن الأزمة الليبية مجرد خلاف على شكل الحكم أو توزيع المناصب، بل صراعاً متشابكاً على السلطة والموارد وشرعية المؤسسات واحتكار القوة.

وقد تبدلت أطراف المواجهة وتحالفاتها، وتعددت الحكومات والأجسام السياسية، لكن النتيجة الأكثر ثباتاً كانت استمرار الانقسام وتعثر بناء دولة موحدة قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات.

وفي كل مرة بدا فيها أن البلاد تقترب من تسوية، كانت الحسابات المتنافسة تعيد إنتاج الانسداد، أو تحول الاتفاقات إلى ترتيبات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.

وفي خضم ذلك، أصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة تتحدث كثيراً باسم الشعب، لكنها نادراً ما تجعل احتياجاته المعيار الأول لنجاحها أو فشلها.

السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على سواه ليس فقط متى تتفق القوى السياسية، أو كيف يمكن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، بل كيف استطاع المجتمع الليبي الحفاظ على تماسكه رغم كل هذه السنوات من الاضطراب، وما الذي يمكن فعله كي لا يتحول هذا الصمود إلى مجرد قدرة على تحمل المزيد؟

فالمجتمعات لا تنهار بالضرورة عندما تندلع الحروب، بل قد تبدأ خسارتها الأعمق عندما يصبح الاستثناء قاعدة، ويعتاد الناس على تأجيل حياتهم، ويصبح غياب الاستقرار أمراً مألوفاً، فيما تتراجع توقعاتهم من الدولة إلى الحد الأدنى: كهرباء لا تنقطع طويلاً، وماء متاح، ومستشفى يستطيع استقبال المرضى، ومدرسة تفتح أبوابها، وشارع لا يخشى المرء عبوره.

لقد دفعت الحياة اليومية الثمن الأكبر لهذا الانسداد. فالأزمات التي تبدو في الخطاب السياسي ملفات إدارية أو خلافات بين مؤسسات، تتحول في حياة الناس إلى ساعات ضائعة أمام انقطاع الكهرباء، وقلق من نقص المياه، وصعوبة الحصول على العلاج، وتعطل الدراسة، وارتفاع تكاليف المعيشة.

ولا يحتاج المواطن إلى قراءة تقارير مطولة كي يدرك أن الدولة تعاني خللاً عميقاً؛ يكفي أن يضطر إلى البحث عن خدمة يفترض أن تكون حقاً أساسياً، أو أن يقف عاجزاً أمام فاتورة علاج لا يستطيع تحملها، أو أن يخشى على أبنائه من مستقبل لا تتوافر فيه فرص عمل مستقرة.

وحين تتكرر هذه التجارب، تتراجع الثقة بالمؤسسات، لا لأن الناس فقدوا اهتمامهم بالشأن العام، بل لأنهم لم يعودوا يرون علاقة واضحة بين ما يُعلن باسم الدولة وما يصل إليهم من خدمات وحقوق.

ولا تتوقف كلفة الصراع عند الأزمات الخدمية. فقد تركت سنوات العنف والنزوح والاشتباكات آثاراً عميقة في أسر كثيرة اضطرت إلى مغادرة منازلها، أو فقدت مصادر دخلها، أو عاشت تحت تهديد المواجهات المسلحة.

وحتى عندما تتوقف المعارك، لا تنتهي آثارها بالضرورة؛ فإعادة بناء المنازل والمؤسسات، واستعادة سبل العيش، ومعالجة الخوف والصدمة، تحتاج إلى وقت وموارد وسياسات عامة لا يمكن أن توفرها الهدن المؤقتة وحدها.

كما أن عدم اليقين الاقتصادي يجعل التخطيط للحياة أكثر صعوبة:

  • كيف يقرر شاب تأسيس أسرة إذا كان دخله غير مضمون؟

  • وكيف يضع صاحب مشروع خطة استثمارية في بيئة تتغير فيها القواعد بتغير مراكز النفوذ؟

  • وكيف يستطيع رب أسرة الادخار أو التفكير في المستقبل إذا كان جلّ جهده منصباً على تدبير احتياجات اليوم؟

بهذا المعنى، تحولت الحياة اليومية لدى قطاعات من الليبيين إلى معركة بقاء هادئة، لا تظهر دائماً في نشرات الأخبار، لكنها تستنزف المجتمع ببطء. فالحرب ليست فقط أصوات الرصاص وصور الدمار؛ إنها أيضاً تعطيل فرص التعليم والعمل، واتساع الفجوة بين من يستطيع شراء الخدمات الخاصة ومن يعتمد على المؤسسات العامة، وتراجع الإحساس بالمساواة أمام القانون.

وحين تصبح القدرة المالية أو العلاقات الشخصية شرطاً للحصول على ما ينبغي أن يكون حقاً عاماً، فإن الأزمة تتجاوز ضعف الخدمات إلى تهديد العقد الاجتماعي نفسه.

وإذا كانت الحرب قد فرضت على الليبيين الخوف من المجهول، فإن الانتظار الطويل فرض عليهم شكلاً آخر من المعاناة. انتخابات تُطرح مواعيدها ثم تتعثر، وحوارات تنتهي إلى تفاهمات جزئية، ومبادرات دولية تتبدل صيغها من دون أن تنجح في حسم السؤال الأساسي المتعلق بمن يحكم البلاد، وعلى أي أساس يستمد سلطته، وكيف تُضمن مساءلته.

ومع تكرار هذه الدورة، لم يعد الانتظار مرحلة مؤقتة تسبق الحل، بل أصبح في نظر كثيرين نمطاً من الحياة السياسية، تتعايش معه البلاد من دون أن تتقدم بصورة حاسمة نحو الاستقرار.

والخطر هنا أن يتحول الإحباط إلى انسحاب من الشأن العام. فحين يشعر المواطن بأن صوته لا يغير شيئاً، وأن التسويات تُصاغ بعيداً عنه، وأن المناصب تتغير بينما تبقى المشكلات الأساسية على حالها، تتراجع ثقته في جدوى المشاركة، وقد ينصرف إلى تدبير شؤونه الخاصة باعتبارها المجال الوحيد الذي يستطيع التأثير فيه.

وقد يهاجر من يرى أن مستقبله مسدود، أو يبحث عن حماية في إطار اجتماعي أو محلي أضيق، أو يصبح أكثر استعداداً لتقبل أي سلطة تعده بالأمن، حتى إن لم توفر له ضمانات سياسية وقانونية طويلة الأجل.

وليس من العدل تحميل المواطن مسؤولية هذا الانكفاء؛ فالمسؤولية تقع أولاً على القوى التي جعلت المؤسسات رهينة للتنافس، وعلى النخب التي لم تتمكن من تحويل التضحيات الشعبية إلى مشروع دولة قابل للحياة.

ومع ذلك، لا يصح النظر إلى المجتمع الليبي باعتباره مجرد ضحية سلبية تنتظر ما تقرره القوى السياسية أو العواصم الخارجية. فقد أظهرت المبادرات المحلية، في ظروف متعددة، قدرة المجتمعات على تخفيف آثار الأزمات، وفتح قنوات للتواصل، وتقديم المساعدة للمتضررين، والمساهمة في التهدئة وإعادة بناء الروابط الاجتماعية.

وتستطيع منظمات المجتمع المدني، والبلديات، والروابط المهنية، والجامعات، والقيادات الاجتماعية والقبلية، إلى جانب الشباب والنساء، أن تؤدي أدواراً أكبر في هذا المسار، شرط ألا تتحول إلى أدوات تابعة لمراكز النفوذ، وأن تعمل ضمن قواعد تحترم القانون والمواطنة وتكافؤ الحقوق.

غير أن تمكين المجتمع لا يعني إحلال المبادرات الأهلية محل الدولة، ولا تحميل الناس مسؤولية معالجة أزمات صنعتها سنوات من الانقسام وسوء الإدارة. فالتضامن المحلي قادر على سد بعض الثغرات، لكنه لا يستطيع وحده بناء شبكة كهرباء وطنية، أو إصلاح النظام الصحي، أو توحيد المؤسسات المالية والأمنية، أو ضمان توزيع عادل للموارد.

المطلوب أن تتحول المبادرات المجتمعية إلى شريك في صياغة الأولويات ومراقبة الأداء، وأن تُمنح البلديات مساحة فعلية للعمل، وأن تكون الشفافية والمساءلة جزءاً من إدارة المال العام.

كما ينبغي فتح المجال أمام الشباب للمشاركة في القرار، لا الاكتفاء باستدعائهم في الحملات والشعارات، فهم الأكثر تأثراً بانسداد الفرص، والأكثر حاجة إلى أن يروا في وطنهم مساراً ممكناً للحياة والعمل والإنجاز.

وتستطيع هذه القوى الاجتماعية أيضاً أن تساهم في بناء ضغط مدني منظم يدفع نحو التسوية السياسية، عبر المطالبة بجدول واضح للاستحقاقات الانتخابية، وضمانات تمنع التلاعب بها، ومؤسسات خاضعة للمحاسبة، وأولويات معيشية قابلة للقياس. فبدلاً من أن يظل المواطن متلقياً لوعود الأطراف المتنافسة، يمكن أن يصبح شريكاً في تحديد ما ينبغي إنجازه، وفي تقييم من ينجز ومن يعرقل.

ولا يتحقق ذلك بالشعارات وحدها، بل عبر تنظيم مدني مستقل، وإعلام مهني يكشف مواطن الخلل، وقضاء قادر على إنفاذ القانون، ومساحات عامة تسمح بالنقاش السلمي من دون ترهيب أو تخوين.

وفي النهاية، لن تستعيد ليبيا استقرارها بمجرد التوصل إلى توازن بين القوى المسلحة، ولا بتوزيع المناصب على الأطراف المتنافسة، ولا بتوقيع اتفاق جديد يترك الأسئلة الجوهرية مؤجلة.

فالتفاهمات الأمنية قد تمنع المواجهات، والتسويات السياسية قد تفتح الطريق إلى توحيد المؤسسات، لكن شرعية أي ترتيب ستظل ناقصة ما لم ينعكس على حياة الناس، ويمنحهم أمناً قابلاً للاستمرار، وخدمات أساسية، وفرصاً عادلة، وإمكانية حقيقية لاختيار من يحكمهم ومحاسبته.

إن المواطن الليبي لا يحتاج إلى وعد جديد بقدر ما يحتاج إلى نهاية منطق الانتظار. يحتاج إلى أن يرى أن السياسة ليست معركة مفتوحة على المناصب، وأن الثروة الوطنية ليست غنيمة تتقاسمها مراكز القوة، وأن الدولة ليست اسماً تتنازعه الحكومات، بل عقداً يضمن الحقوق ويحدد الواجبات ويضع الجميع تحت سقف القانون.

ومن هنا، فإن تحويل الصمود الشعبي إلى قوة ضغط سلمية ومنظمة ليس تفصيلاً مكملاً للحل، بل أحد شروطه الأساسية. فليبيا لن تخرج من أزمتها حين تتفق القوى المتنافسة على كيفية اقتسام السلطة فحسب، وإنما حين تتفق على إعادة السلطة إلى وظيفتها الأصلية: خدمة المواطن وحماية مستقبله.

عندها فقط يمكن أن ينتهي الانتظار، لا بوصفه هدنة جديدة بين أزمتين، بل بداية فعلية لاستعادة الدولة.

___________

مقالات مشابهة