الحبيب الأسود

ما يقوم به المنفي حالياً هو قيادة جبهة الرفض والعرقلة لأي مشروع للحل السياسي في البلاد، والعمل على استمرارية الانقسام.

يتمسك رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا، محمد المنفي، بكرسيّه الذي حصل عليه في إطار محاصصة سياسية بين الأقاليم التاريخية الثلاثة، تم تفعيلها من قبل ملتقى الحوار السياسي بقيادة المبعوثة الأممية ستيفاني وليامز في اجتماع جنيف (فبراير 2021)، لأجل فترة محدودة لا تتجاوز عشرة أشهر، لكنها اليوم تجاوزت الخمسة وقاربت الستة أعوام، من دون سقف زمني لحكم سلطات الأمر الواقع.

أهم ما يقوم به المنفي حالياً هو قيادة جبهة الرفض والعرقلة لأي مشروع للحل السياسي في البلاد، والعمل على استمرارية الانقسام بين الشرق الذي ينتمي إليه والغرب الذي يمارس فيه مسؤوليته في كفالة آل الدبيبة الذين جاؤوا به من اليونان، حيث كان يباشر مهمته سفيراً لطرابلس في أثينا، ووضعوا اسمه وصورته على رأس قائمة هدفها الأساسي تمكين الباشمهندس عبد الحميد من رئاسة الحكومة بما يعيد الاعتبار للأسرة، ويضمن مصالح حلفائها، ويدعم نفوذ مصراتة، ويحقق أهداف الرعاة الإقليميين والدوليين.

ولتأمين استمرارية سيره على حبل التوازنات، وضع أغلب الملفات بين يدي شقيقه سامي، الذي كان قد تولى لمدة ثلاث سنوات منصب المدير العام للشركة العربية الليبية المغربية القابضة، ومقرها الرباط، إلى أن استقال في مايو 2024، معللاً ذلك باحتجاجه على ما وصفه بحملات التشويه والضغوط السياسية وتصفية الحسابات التي واجهته أثناء عمله، كرد منه على قرار فصله احتياطياً الصادر عن رئيس هيئة الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه.

سارع محمد المنفي إلى توظيف شقيقه في ديوان المجلس الرئاسي مستشاراً خاصاً ومبعوثاً شخصياً، ومكّنه من مكتب مجاور لمكتبه، ومنحه صلاحيات غير محدودة في التعامل مع المستجدات والعلاقات والمصالح والظروف، وفي أن يكون وكيل آل الدبيبة داخل المجلس، والمحاور والمتحدث باسم شقيقه في كل ما يتصل بإدارة الصفقات والتفاهمات المغلقة التي تتعلق بالتعيينات في مؤسسات الدولة الكبرى والمناصب الحساسة، لضمان بقاء السيطرة والقرارات بيد الدوائر المقرّبة من الطرفين.

اليوم يقود سامي برنامج شقيقه الرئيس لإفشال خارطة الطريق الأممية بزعامة هانا تيتيه والخطة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، وهما يلتقيان على أهمية البقاء في السلطة كغنيمة أزمة، بالتعاون مع أصحاب المصلحة في استمرار الأوضاع على حالها، وعلى قطع الطريق أمام صدام حفتر ومنعه من الوصول إلى رئاسة المجلس الرئاسي. فالرئاسة، كما قالت العرب في الإمارة، “حلوة الرضاع مرّة الفطام”، لا سيما في ظل الفساد المعمّم والصرف المفتوح للمال العام والعبث غير المحدود بامتيازات الحكم.

في السياق، وجّه المنفي كتاباً إلى وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، عبد السلام الزوبي، ورئيس الأركان التابع للحكومة نفسها، صلاح النمروش، دعاهما من خلاله إلى عدم التوقيع أو إبرام أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم أو محاضر ذات أثر مُلزم، أو إقرار أي هياكل أو ترتيبات تنظيمية أو قيادية تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية قبل عرضها على وزير الدفاع، واستكمال التنسيق بشأنها مع اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” في حدود اختصاصها، وإحالتها إلى القائد الأعلى للجيش من أجل الحصول على الاعتماد المسبق وفقاً للإجراءات القانونية المقررة.

وطالب المنفي الزوبي والنمروش بعدم اتخاذ أي إجراءات تنفيذية تترتب عليها التزامات مؤسسية أو تنظيمية قبل استيفاء الموافقات اللازمة، مع مواصلة الجهود الفنية والتنسيقية الداعمة لمسار توحيد المؤسسة العسكرية، زاعماً أن طلبه يأتي حرصاً على “سلامة الإجراءات، ووحدة القرار العسكري، والتزاماً بالتشريعات النافذة”.

اللافت أن المنفي وقّع الكتاب بصفته قائداً أعلى للجيش، وهي الصفة التي نص الاتفاق السياسي على أن تكون من نصيب المجلس الرئاسي مجتمعاً، بمعنى أنه لا يحق للرئيس أن يباشر صلاحياتها منفرداً، وإنما بالاشتراك مع نائبيه عبد الله اللافي وموسى الكوني، اللذين اعتادا على أن يتصرف المنفي بمعزل عنهما بعد أن توهّم أنه الحاكم بأمره والقادر على تحقيق التوازن مع القيادة العامة في بنغازي.

في وضعية الحال، لم يتجه اللافي إلى اختيار الصمت من باب تلافي الحرج مع حلفائه داخل الحكومة ومجلس الدولة وبين أمراء الحرب وقادة الميليشيات، وخاصة في مسقط رأسه الزاوية وفي مدينة مصراتة، وكذلك بين أنصار دار إفتاء طرابلس ورئيسها صادق الغرياني، وإنما تموضع في الصف الذي يعبّر عنه وعن قناعاته العقائدية والسياسية وارتباطاته الاجتماعية والنفعية.

أما الكوني فقد كان عند عادته في اتخاذ موقفه، حيث أعلن اعتراضه على ما ورد في كتاب المنفي إلى الزوبي والنمروش، معتبراً إياه لا يمثل قراراً جماعياً للمجلس الرئاسي، وأكد في رسالة وجهها إلى وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة تأييده للجهود التي يبذلها الأخير في مسار توحيد المؤسسة العسكرية، وأهمية التنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” والجهات المختصة في السياق نفسه.

سيكون من الصعب تفسير الأسباب التي تجعل محمد المنفي معارضاً كبيراً من خلف الستار لتصديق مجلس النواب على مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا منذ أواخر عام 2019، ومعرقلاً بقوة لكل التوافقات التي قد تخرج بالبلاد من حالة التشرذم والانقسام.

لكن الأصعب هو التنبؤ بمصيره السياسي، وخاصة في حالة خروج الفعاليات الرسمية والشعبية في إقليم برقة التاريخي لسحب الوكالة السياسية منه ورفع الغطاء الاجتماعي عنه، وهو الذي لم يصل إلى منصبه الحالي إلا بصفته ممثلاً عنهم في محاصصة سرعان ما تخلى عن شروطها بتحوله إلى ممثل لمدن الساحل الغربي دون غيرها.

____________

مقالات مشابهة