سالم العوكلي

القبيلة كيان اجتماعي راسخ منذ قرون، وتمتد جذوره في مكونات المجتمع الليبي،، الأمازيغي والعربي، وتحضر القبيلة بقوة إذا ما تراجع الدور المؤسسي في الدولة أو غاب إنفاذ القانون وكأنها سيناريو بديل في حالة غياب هذه الشروط المدنية للحفاظ على الترابط والسلم الأهلي.

وطبيعة العمل السياسي أنه يحتاج إلى مجموعات، وحين تغيب المجموعات البديلة يتراجع المجتمع تلقائيا إلى مجموعاته التقليدية، ورغم ذلك، إذا ما تمعنا في كل الانتخابات التي حدثت بعد ثورة فبراير، والأسماء التي تصدرت المشهد عبر مبادرات للمجتمع الدولي.

فلن نجد للقبيلة دورا واضحا أو أثراً فيها، من أعضاء المجلس الانتقالي ورئيسه، إلى آخر قائمة للسلطة القائمة حاليا. فأول انتخابات جرت في درنة، مثلا، وعايشتها العام 2012: لم تتدخل فيها القبيلة بأي شكل من الأشكال، كانت الانتخابات وفق قوائم حزبية وأفراد، كما في كل ليبيا، وتشكلت أول سلطة تشريعية منتخبة عن طريق القوائم الممثلة لتيارات سياسية وليس قبلية، وهي الهيمنة الحزبية نفسها التي اتخذت فيما بعد، وللأسف، قرارا بغزو قبيلة لقبيلة أخرى من أجل تصفية حساب قديم.

وحين بدأ الإعداد لانتخابات المؤتمر الوطني في دائرة درنه، كنت أخشى تطفل القبيلة على العملية الانتخابية مثلما كانت تفعل في آخر تصعيد جماهيري، لكن ما شد انتباهي غيابها الكامل عن التأثير في هذا الاستحقاق، وكأن شعورا تسرب إليها بأن مهمتها التي كانت تمارسها في غياب البدائل انتهت، وأنه حان الوقت مع هذا التغيير الجذري للنظام للبدائل كي تستلم المستقبل، ومع إخفاق البدائل او انحرافها عن مهمتها:

الأحزاب الهشة التي شكلت كما تُشكَّل التشاركيات التجارية، والمنظمات المدنية التي انهمك معظمها في البزنس على حساب دورها المدني، هيمن تيار الإسلام السياسي، المتناقض بنيويا مع المناخ الديمقراطي، على الجسم المنتخب رغم خسارته للانتخابات عبر تكتيكات مختلفة تتعلق بصياغة قانون انتخابات يخدمه، أو عبر المجموعات المسلحة، والإعلام التعبوي، والإغراء والابتزاز والاغتيالات، مثلما كان يفعل النظام السابق لفرض أطروحته.

ومن جديد عادت القبيلة في مواجهة هذا التيار، ولتملأ الفراغ في غياب التيارات المدنية الفاعلة عبر إجراء المصالحات الاجتماعية للحفاظ على السلم الاجتماعي، أو عبر الدخول في تحالفات عسكرية لمواجهة أذرع هذا التيار الفاشي المسلح وجماعاته الإرهابية، دون أن تتخلى بيانات اجتماعاتها على الدعوة للعودة إلى المسار السياسي للدولة المدنية (وهذه المرة الثانية التي تتحالف فيها القبائل في غياب البدائل ضد فاشية غازية).

حين نجرد كل السلطات التي تصدرت المشهد في هذه العشرية وآليات وصولها للسلطة، نجد أن انتخابات مجلس النواب لم يكن فيها للقبيلة دور بارز رغم إلغاء آلية القوائم، وانتخاب عقيلة صالح رئيسا للبرلمان كان عن طريق أعضاء مجلس النواب الذي يشكل فيه الأغلبية أعضاءٌ من الغرب والجنوب ولم تكن القبلية منطقيا وإحصائيا وراء هذا الانتخاب.

السلطات التي نتجت عن الاتفاق السياسي في الصخيرات، السراج وباقي رؤوس المجلس وما سمي حكومة الوفاق الوطني، لم يكن للقبيلة دور فيها.

قائمة المنفي وادبيبة لم تصل عبر أي تدبير قبلي، ولكن كان وراءها رجال الأعمال أو المال السياسي. وهي الأجسام التي تصدرت المشهد وأخفقت في الرسو بليبيا على بر الأمان والشروع في تأسيس دولة، ورغم ذلك تظل التهمة موجهة للقبلية جزافا كمشجب علّقت عليه النخب الفاشلة إخفاقاتها المتتالية.

غير أنه بمجرد أن ظهر فراغ سياسي ولم تستطع الأحزاب الهشة ملء هذا الفراغ، ما عدا ذراع الإسلام السياسي، لا أقول عادت القبلية، ولكن عادت الجهوية والمحاصصة الإقليمية، والتي تحفزها أسباب أخرى تاريخية واجتماعية وإدارية، لكن لا يمكن أن نخلط بين الجهوية والقبلية، فالشرق مثلا يتكون من قبائل من جميع أنحاء ليبيا، بينما المقاطعة أو الانقسامات داخل مجلس النواب، كانت وراءها في الغالب أسباب أيديولوجية في الأساس وظفت فيما بعد المشاعر الجهوية.

وحين أقول أيديولوجيا، أعني الإسلام السياسي المنظم بكل أذرعه، وهو التيار الذي هاجم بضراوة القبيلة والجيش منذ البداية لأنه يراهما العائقين امام مشروعه في التمكين الذي فشلوا فيه عبر الانتخابات، واستطاعت وسائل إعلامهم وجيوشهم الإلكترونية أن تؤثر في قطاع واسع (حتى من بين المثقفين)، عبر استخدامهم لهذه اللافتات كمسببات تقف عائقا أمام الدولة المدنية، بينما تيارهم هو صُلب النظام الأبوي التراتبي الذي يشكل عائقا حقيقيا أمام الديمقراطية (وحتى مصطلح الدولة المدنية دخل القاموس السياسي كبديل للدولة الدينية أو الكنسية التي كانت مسيطرة في أوروبا).

ونهج الإسلام السياسي نفسه النهج الذي تبناه القذافي في بداية طرح أيديولوجيته، حيث تحول اصطلاح ا(لقبلية) إلى ما يشبه الشتيمة ثم التهمة، وأيديولوجيا الإسلام السياسي فعلت المثل، وكلاهما عاد في النهاية لمحاولة خلق تحالفات قبلية للحفاظ على السلطة.

وفي الحالتين كان من يمثل القبائل في تحالفها مع السلطة بعض الانتهازيين أو الميليشيات غير المحسوبة على قبائلها، والظرف دائما مرتبط بهيمنة السلاح والمال الفاسد، وهو ظرف تراجعت فيه القبيلة حتى عن ممارسة دورها القديم في المصالحة والحفاظ على السلم الاجتماعي.

لا يمكن بناء طوابق سياسية أو مدنية إلا فوق أرضية اجتماعية درسناها وفهمنا تحولاتها ومدى استعدادها لهضم استحقاقات الدولة الجديدة، لتكون هذه المتغيرات حافزا لبناء دولة مدنية وليست عقبة ترمي بنا لليأس من المستقبل.

ولعل عالم الإنترنت الذي دخل كل الجيوب المعزولة مثلما دخل الموبيل جيوب الفلاحين ورعاة الماشية، يبني نوعا جديدا من العلاقات، ووعيا مختلفا يجب أن ننتبه له ونُسخّره لخدمة أحلامنا في أن نكون جزءا من العصر، فكل مشترِك في منصة تواصل اجتماعي أصبح أصدقاؤه في هذه المنصة من أصقاع الأرض هم قبيلته التي يتواصل معها ويتابع أخبارها يوما بيوم.

أما ربط الاستقطاب الجهوي، وما تمخض عنه من مركزية، أو دعوات لنظام فيدرالي، أو نزوع متطرف لتوجهات انفصالية، فهو أمر معقد عابر للقبيلة ومرتبط بشجون تاريخية وثقافية وجغرافية طاعنة في الزمن، كان محور الجدال إبان تأسيس الدولة الليبية بداية الخمسينيات، وكان منبعا للمخاوف للنظام السابق الذي كان يعتبر شرعيته نابعة من الحفاظ على الوحدة الوطنية، وحذّر من تقوض هذه الوحدة إذا ما أطيح به.

كما كان هاجسا خفيا يعكر صفو ثورة فبراير برزت في مواجهة وسواسه مقولات وهتافات وشعارات وحدوية متحمسة، من ضمنها مقولة ليبيا قبيلة واحدةالتي انتشرت على كل الجدران بجانب لا للقبلية، بل أن القذافي جعل من ليبيا قبيلة واحدة ليكون شيخها، غير أن الهواجس السابق ذكرها لم تختفِ حتى في ظل الغزل المتبادل بين الأقاليم والمدن الرئيسة، وكانت تبتلعها في البداية حمى ثورية تسعى لنزع ليبيا من مخالب النظام السابق.

ومع انتهاء أعراض هذه الثمالة الثورية، بدأت هذه الهواجس تعمل وتنشط من جديد مثلما حصل في فترات تغيير أو انتقال أو تأسيس سابقة، لذلك يجب أن نعرف أن ليس للجهوية أو الإقليمية علاقة بالقبيلة أو القبلية، ومن ناحية أخرى لن يجدي إنكارها، لكن يجب التعامل معها بإستراتيجية مناسبة، تفرغها في دستور توافقي وتشريعات وقوانين تخفف من غلوائها، لأن مبدأ الانصهار الوطني لا يمكن أن يتحقق إلا مع إنفاذ ميثاق وطني يضمن التعايش واللامركزية ويتيح الفرص للجميع، وإطلاق برامج تنمية مكانية مستدامة، وبناء جهاز إداري فعال لهذه الخصوصيات التي يتميز بها المجتمع الليبي، بما فيها الإثنيات التي مازالت تُقصَى من المشهد في سياق إقصاء التعددية كمبدأ يضمن التعايش الليبي والمشاركة.

فتح فضاء يستوعب التعددية وهذه المكونات التي تنضج مع الوقت، وفحص المتغيرات العميقة في المجتمع، وإدماجها في متطلبات العصر، أفضل من تخوينها أو شتمها أو وضعها خلف الأداة النافية (لا).

____________________

المصدرمنصة القانون والمجتمع في ليبيا

مقالات مشابهة