علي محمد نوح 

منذ أن دخلت البعثة الأممية إلى ليبيا، حملت معها شعار «دعم العملية السياسية» حسب قرار مجلس الأمن رقم 2009.

غير أن هذا الشعار، الذي يبدو للوهلة الأولى بريئًا، صار في الواقع مظلة تتسلل عبرها مبادرات، ومسارات تفاوضية متلاحقة أدت إلى تشظي الخريطة السياسية، وتكريس مراحل انتقالية لا تكاد تنطفئ حتى تشتعل من جديد.

ولعل أخطر ما ترتّب على هذه التدخلات هو إضعاف المسار الدستوري، وجر البلاد إلى بدائل تفاوضية تُدار خارج النصوص القانونية الواضحة التي أنتجتها الهيئة التأسيسية المنتخبة.

بداية:

الدستور… وثيقة سيادية لا تُعاد كتابتها على طاولات الفنادق، الدستور ليس نصًا ثانويًا يُعاد تشكيله مع تبدّل اللحظة السياسية.

إنه عقد وطني كتبه الليبيون عبر هيئة منتخبة، تتمتع بشرعية مباشرة من الشعب.

وأي محاولة لفتح هذا العقد تحت ضغط «الحلول السريعة»، أو وفق مقترحات تُطبخ خارج البلاد، إنما تُحول الدستور من وثيقة تأسيس إلى ورقة تفاوض.
وهذا أمر يطال قلب السيادة ومسار بناء الدولة ذاته.

إن الإصرار المتكرر من بعض الأطراف الدولية على «تعديل» أو «إعادة صياغة» مشروع الدستور تحت عنوان «التوافق»، يتجاهل أن التوافق الحقيقي هو ما يُنجزه الليبيون عبر مؤسساتهم الشرعية، لا عبر موائد تفاوضية تتغيّر بتغيّر المبعوثين.

لا شك أن المسارات البديلة… إنتاج دائم لمراحل انتقالية كمقترح الحوار المهكيل في الواقع دفعت البلاد ثمنًا باهظًا لمسارات سياسية طارئة:

كل مسار يُفتح بلا أساس دستوري ينتج مرحلة انتقالية جديدة، وكل مرحلة انتقالية تُعيد إنتاج الانقسام، وكل انقسام يُعيد البلاد إلى نقطة الصفر.

من هنا، يصبح تشكيل مبادرات ومجموعات ولجان «موازية» — مهما كانت عناوينها — خروجًا عن الطريق الذي رسمته الشرعية، الانتخابية، وعن المسار الوحيد الذي يكفل نهاية حقيقية للانتقال: الدستور.

من جهة أخرى جاء دور البعثة الأممية … دعما لا تجاوز دورها، المرسوم لها عبر قرارات، وتوصيات الأمم المتحدة، وبالتالي لا أحد ينكر أهمية الدور الدولي في مساندة الدول الخارجة من أزمات.

غير أنّ الدعم لا يعني توجيه القرار الوطني، ولا يجيز لأي بعثة أن تحلّ محل المؤسسات المنتخبة أو أن تضع بدائل عنها.

ومتى تحوّلت البعثة من «مساعِد» إلى «مقرِّر»، ومن «مُيسِّر» إلى «صانع مسارات»، فإنها تنزلق من إطار الدعم إلى التدخل المباشر في السيادة السياسية.

وهذا ما ينبغي أن يقف عنده الليبيون صفًا واحدًا حماية لحقهم في كتابة دستورهم بمعاييرهم، لا بمعايير الوسطاء.

إذًا المطلوب … احترام المسار الدستوري لا استبداله، إن مشروع الدستور الذي أنجزته الهيئة التأسيسية — رغم ما رافقه من نقاشات وخلافات — يظل الوثيقة الوحيدة المنتَجة بإرادة انتخابية مباشرة.

وفتح الباب أمام صيغ بديلة، أو محاولة تصنيع «دساتير انتقالية»، لا يعني إلا إطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام.

المطلوب واضح:

ـ احترام اختصاص الهيئة المنتخبة.
ـ طرح مشروع الدستور على الشعب ليقول كلمته.
ـ وقف كل المسارات التفاوضية الموازية التي تُبقي ليبيا معلقة في الفراغ.

الشاهدإن احترام السيادة لا يتحقق بالشعارات، بل بالالتزام الصارم بأن الدستور شأن ليبي خالص، وأن أي محاولة لإعادة هندسته خارج الإرادة الوطنية ليست دعما بل تعطيلًا لميلاد الدولة.

وليبيا، وهي على أعتاب لحظة مفصلية، بحاجة إلى صوت واحد يقول:

الدستور أولًا … لأنه الأساس الذي تبنى عليه الدولة، لا الورقة التي تُبدلها البعثة كلما تغيّر المبعوث.

________________

مقالات مشابهة