عبدالله الكبير
مؤسسة القضاء التي حافظت على حيادها واتحادها إزاء الانقسام الخطير الذي أصاب كل مؤسسات الدولة، تم جرها أيضا في مسار الانقسام المتعمد بسبب إجراءات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، للنيل من حيادها ورفع رقابتها عن العبث الذي يمارسه باسم مجلس النواب، ومنع تدخلها لوقف انتهاكاته الجسيمة للإعلان الدستوري.
البداية كانت بإصداره قانون تأسيس محكمة دستورية يكون مقرها مدينة بنغازي في عام 2023، مخالفا بذلك الإعلان الدستوري الذي يحدد صلاحيات مجلس النواب كونه برلمان مؤقت، تتحدد مهمته التشريعية بسن القوانين وإصدار القرارات التي تدفع نحو إنهاء المرحلة الانتقالية، أو التي تتطلبها طبيعة المرحلة، ولا يتجاوز إلى ما ينبغي تركه للدستور الدائم.
فبنية المؤسسات في نظام الدولة وعلى رأسها القضاء، لا تملك أي سلطة تشريعية مؤقتة الخوض فيها، بل ينظمها دستور متوافق عليه يتم إقرارها باستفتاء عام نال موافقة أغلبية الثلثين كما ينص الإعلان الدستوري،
المبعوثة الأممية حنه تيته أدركت خطورة العبث بأخر خط دفاع ظل صامدا في وجه عمليات تقسيم مؤسسات الدولة، محافظا على وحدة البلاد بقضاء موحد عصي على التقسيم، وما صرحت به في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن كان أقرب إلى نعي ئالحصن الأخير أمام تفكك الدولة وانهيارها.
وهذا بعض ما جاء في الإحاطة حول مؤسسة القضاء: ” النظام القضائي الليبي الذي ظل على مدى التاريخ موحدا إلى حد كبير، رغم التحديات السياسية المطولة، مع وجود الدائرة الدستورية للمحكمة العليا في طرابلس كأعلى هيئة قضائية، يشهد الآن انقساما متزايدا مما ينذر بتداعيات خطيرة على وحدة البلاد”
وبعد سردها للتحركات ذات الطابع السياسي للنيل من وحدة القضاء والأحكام المعترضة من محاكم هي دون المحكمة العليا في نظام السلطة القضائية، قد ضربت وحدته في مقتل، أشارت إلى الصورة الحالية التي تبدو عليها مؤسسة القضاء.” أصبحت هناك الآن ولايات متنافسة وأحكام قضائية متضاربة وتناقضات قضائية “.
ولما تحركت المحكمة العليا عبر الدائرة الدستورية للتصدي لهذا العبث، انتفض العابثون ومضوا في محاولاتهم النيل من مؤسسة القضاء، في إصرار عجيب على تفكيك نظام عمل السلطة القضائية.
رفض عقيلة صالح حكم المحكمة ببطلان قانون تأسيس محكمة دستورية، ومضى في تشكيلها بعد أن وجد من يقبل أن يكون عضوا فيها، كما رفض حكم المحكمة العليا بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء وفقا لقواعد المحكمة وقرارات الجمعية العمومية للقضاء، وكذلك لم يقبل رئيس مجلس القضاء غير الشرعي بالحكم، وقرر الانتقال بمجلسه إلى بنغازي، بينما لم ترضخ المحكمة العليا لكل الضغوطات وعمليات الابتزاز الرخيصة، للتراجع عن أحكامها الباتة والنهائية وغير القابلة للطعن أو الاستئناف عليها.
من أخطر الدعوات والتي رفضتها المحكمة العليا في موقف تاريخي يسجل لها، هو دعوتها لقبول وساطة بينها وبين مجلس النواب، وأخرى مع المجلس الأعلى للقضاء الملغي بحكم المحكمة، لأن القبول يعني ضمنا تشكيك المحكمة في صحة وسلامة وشرعية أحكامها، وكان موقفها الصلب برفض أي تشكيك في سلامة أحكامها كونها سلطة مستقلة تراقب عمل السلطات الأخرى للتصدي لأي تجاوزات دستورية، هو الموقف الصحيح والوحيد؟
فلا خيار أمامها لصون هيبة القضاء سوى رفض إخضاع أحكامها للتشكيك، ومن ثم المراجعة والقبول بحلول وسط، وكأننا إزاء خلاف سياسي بحت لا اعتداء على القضاء وهيبته.
إن المحكمة العليا بدائراتها الدستورية هي المرجعية العليا النهائية للرقابة الدستورية على كل القوانين والتشريعات، وما تصدره من أحكام بعد مداولات مطولة من مستشاريها لا ينبغي مطلقا تجاوزها، أو الالتفاف عليها، أو الطعن فيها.
فهي الضامن لاستمرار دولة القانون، وتأكيد الفصل بين السلطات، وسمو أحكامها فوق كل السلطات الأخرى، كما أن عدم التقيد بأحكامها وتنفيذها يعني فتح الباب على مصراعيه للفوضى، وانهيار كل المرجعيات القانونية للدولة.
لذلك فمساندتها ودعمها في مواجهة السلطات المتغوّلة عليها، ليس ترفا يمكن تأديته كلما سمح الوقت، بل بات ضرورة تسبق أي استحقاقات أخرى، والنخب السياسية في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني هي أول من يتعين عليه التصدي لهذا الواجب.
____________
