عبد الله الكبير

كيفما كانت الصورة النهائية لحرب أمريكا وكيان الاحتلال على إيران، فإن أثرها سيغطي العالم كله بدرجات متفاوته، لن يكون ثمة فرد في هذا العالم لن يتأثر بها ولو في سلعة فقدها بضع أيام، أو مبلغ إضافي دفعه مقابل الوقود، أو تعطل سفر كان ينوي القيام به بسبب إلغاء رحلة الطيران، الخ.
لأن العالم تحول بالفعل إلى قرية واحدة، تتداعى لبعضها وتتأثر كل شعوبها بكل الأحداث الجارية في ربوعها وخاصة حالة الحرب. أثر الفراشة بات حقيقة لا تقبل أي شك، فالحدث في الخليج، يكوي بصواريخه و مقاتلاته شعوب المنطقة، ولكن العالم كله يتوجع ويصرخ من تعطل حركة النفط والغاز المسال من مواقع الإنتاج إلى البلدان المستهلكة، وانقطاع سلاسل الإمداد في التجارة العالمية عبر البحار.
الحرب هي أقصى ذروة في الصراع البشري، لم يخلو منها أي عصر من العصور البشرية القديمة والوسيطة والمعاصرة، ولم يفلت المنخرطون فيها من التأثيرات العميقة لنتائجها.
التاريخ البشري في مجمله هو تاريخ المعارك والحروب، أهم الملاحم الأدبية الخالدة كانت قصائد طويلة عن الحرب مثل ملحمة جلجامش والإلياذة لهوميروس والإنياذة لفرجيل.
فالحرب صورة من صور العلاقات الدولية، إلى جانب الدبلوماسية والتحالفات والإعلام والتعبئة، وهي امتداد للسياسة بوسائل عنيفة، كما يرى كارل فون كلاوس فيتز، وسبب رئيس في تقدم الحضارة الإنسانية، أغلب الاختراعات والاكتشافات والابتكارات والصناعات هي ثمار تطور أشكال الصراع والحروب، يتم تحويلها بعد استنفاد غرضها العسكري إلى المجال المدني.
في العصور القديمة لم تكن الحرب تهم غير المشاركين فيها والمرتبطين بهم لقرابة ومصير أو مصلحة، وقد لا يسمع سكان إقليم ما بحرب طاحنة تجرى في إقليم مجاور، إلا بعد شهور طويلة، وربما يتفاجؤون بنازحين أو مهاجرين يقتحمون أرضهم فرارا من حرب ما، بسبب بعد المسافات بين مناطق المعمور، وبدائية وسائل الاتصال والمواصلات في تلك العصور.
وقد تنتهي حرب بين فريقين وبعد زمن طويل تندلع مرة أخري، ومازال خبر الحرب الأولى لم ينتشر في المحيط غير البعيد عن ساحة الحرب.
فالأخبار لا تطير عبر الأثير في ثوان كما هو الحال اليوم، لا وجود لمراسلين وإعلاميين ولا صحف وإذاعات وفضائيات، كانت أخبار الأحداث الكبيرة كالحروب تنتقل بين الأقاليم والبلدان بشكل عرضي مع القوافل التجارية:
-
تاجر القافلة هو أول مراسل صحفي ينقل الأخبار وينشرها بين الناس،
-
أما الثاني فكان السفير الدبلوماسي الساعي بتبادل المصالح بين مملكتين، فيخبر مرسله بما شاهده ووقف عليه أو سمعه في سفارته،
-
وحل الجاسوس في المرتبة الثالثة؟
فبنشوء البلدان والممالك، وسعيها إلى التوسع دخلت في صراعات مميتة مع بعضها، ولما كانت المعلومات عن قوة العدو واستعداداته عنصرا حاسما في الصراع، نشأت مهنة الجاسوسية لجمع كل معلومات تساهم في تحقيق النصر.
في العصور الحديثة أصبح نقل الأخبار وظيفة مستقلة أساسية متخصصة، تتولاها مؤسسات إعلامية ضخمة، منظمة بقوانين ولوائح صارمة، ولم تعد وظيفة هامشية ملحقة بتاجر أو سفير أو جاسوس.
خلال التاريخ الإنساني الطويل تطورت الحرب وفق علماء السياسة والتاريخ عبر ستة أجيال، من الحجارة والسلاح الأبيض، مرورا بالسيوف والرماح والدروع إلى المنجنيق والقلاع ثم البارود والمدفع والطيران المقاتل والأساطيل البحرية وصولا إلى المسيرات والصواريخ الذكية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.
و انقسم مفهوم الحروب من الحرب التقليدية بين دولتين أو عدة دول، إلى الحرب الباردة، الحرب الشاملة، الحرب المحدودة، الحرب الوقائية، الحرب غير المتكافئة، الحرب الهجينة، حرب العصابات، الحرب الأهلية، الخ.
مع البارود والبنادق والمدافع أصبحت الأسلحة أكثر فتكا، وزادت معدلات الضحايا خارج ميادين القتال، لأن القصف تخطى حدود ميادين النزال بين المقاتلين إلى الكتل السكانية والمنشآت المدنية في المدن، ما استدعى عقد المعاهدات والاتفاقيات بين الأمم للاحتكام إليها منعا للتجاوز، واعتبر التعدي على غير المقاتلين جريمة حرب.
ولكن الالتزام ظل محدودا، فكل الجيوش لها نصيبها من الانتهاكات وخرق القوانين الدولية وكافة المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكلات.
في كل الحروب هناك طرفان معتدي ومعتدى عليه، ومن يملك القوة يفرض سرديته بينما يحجب غبار المعارك رواية الضعيف. يبتكر المعتدي الذرائع ويسوقها في قالب دعائي فاقع الألوان ليبرر عدوانه، يشيطن الضحية ويوجه لها تهما خطيرة ويحملها مسؤولية انزلاق الأوضاع إلى خيار سعى المعتدي إلى تجنبه.
لا يحتاج فهم السبب الرئيس لاندلاع الحرب الصهيو–أمريكية على إيران إلى مستويات رفيعة من الذكاء، أوكفاءة عالية في التحليل، فقط كل ما عليك أن تفعله هو أن تطرح جانبا كل الأسباب المعلنة للتمويه والخداع:
-
منع إيران من صنع قنبلة نووية.
-
إزالة تهديد وشيك للمصالح الأمريكية.
-
القضاء على برنامج صاروخي يهدد الحلفاء.
-
إسقاط النظام الدكتاتوري ونشر الديمقراطية
-
مساعدة الشعب على استعادة حريته وحكم نفسه بنفسه.
فالحقيقة هي حرب من أجل الهيمنة و نهب الثروات ، وحرمان إيران من نيل استقلال حقيقي وممارسة سيادة حقيقية على مقدراتها خارج الهيمنة الأمريكية.
هل سمع أحدكم النائب الأمريكي ليندسي غراهام يقول: فنزويلا وإيران لديهما %31 من احتياطيات النفط العالمية، سيكون لدينا شراكة استحواذ على %31 من الاحتياطيات النفطية المؤكدة وهذا كابوس للصين.
__________
