
في كواليس السياسة الليبية، يتردد سؤالٌ لا يجرؤ أحد على طرحه علناً، لكنه يظل الهاجس الأكبر الذي يحكم الحسابات السرية للفاعلين المحليين والدوليين:
ماذا يحدث لو غاب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عن طرابلس، وخليفة حفتر عن بنغازي، في وقت متقارب ولأي سبب كان؟
وبحسب مقال للكاتب الصحفي طارق القزيري طالعته “عين ليبيا”، ليست هذه الفرضية ترفاً نظرياً، بل هي ملامسة لواقع دولة لا تُدار بمؤسسات مكتملة، بل عبر “كاريزما” وظائفية لشخصيتين تتجاوز صلاحياتهما الفعلية حدود مناصبهما الرسمية.
معضلة طرابلس: الدبيبة و”حلقة الوصل” الثلاثية
تحت عنوان “ليبيا.. السؤال المدوي والمطموس: ماذا لو غابت القيادات؟”، يرسم المقال صورة للدبيبة تتجاوز كونه رئيساً لحكومة تدير ميزانية، ليظهره كـ”مهندس توازن” معقد يمسك بخيوط ثلاثة مستويات متداخلة:
-
المستوى الدولي: إدارة الاعتراف الأممي والتعامل مع الشركاء الغربيين والإقليميين.
-
المستوى السيادي: التحكم في المؤسسات التي تمر عبرها عائدات النفط وقنوات الإنفاق العام.
-
المستوى الأمني: احتواء التشكيلات المسلحة عبر مزيج من التفاهمات السياسية والمالية.
إن غياب الدبيبة، وفقاً للقزيري، لا يعني مجرد فراغ إداري، بل “انقطاع مفاجئ” في الدائرة الكهربائية التي تربط هذه المستويات، خاصة وأن أزمة المصرف المركزي في 2024 واشتباكات مايو 2025 كشفت عن هشاشة مفرطة؛ حيث يمكن لنزاع بسيط على “توقيع مالي” أن يشل الرواتب ويخنق الاقتصاد في أيام معدودة.
معضلة برقة: حفتر والمرجعيات الأربع المتنافسة
على الطرف الآخر، لا يبدو خليفة حفتر قائداً عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل هو “المرجعية الضابطة” التي تمنع أربع دوائر نفوذ من الاصطدام ببعضها البعض:
-
الدائرة العائلية: بقيادة صدام حفتر، الطامح لفرض أمر واقع بقوة الميدان.
-
الحرس العسكري القديم: الذي يمثل المؤسسة العسكرية التقليدية.
-
الشرعية البرلمانية: المتمثلة في المستشار عقيلة صالح وحصانته الدستورية.
-
الحلفاء الإقليميون: الذين يراقبون استقرار المنطقة الشرقية بحذر.
ويحذر المقال من أن غياب خليفة حفتر قد لا يفجر الشرق فوراً، لكنه يفتح “صندوق باندورا” للخلافة؛ فصدام حفتر رغم قوته الميدانية، لا يملك بالضرورة صك القبول من القاهرة، ولا مباركة القبائل الكبرى، ولا غطاء عقيلة صالح القانوني.
فزان.. الخاصرة الرخوة والتهديد العابر للحدود
بينما يتركز الصراع البصري على طرابلس وبنغازي، يشير القزيري إلى أن “فزان” هي الساحة الأسرع انفلاتاً. حدود مفتوحة، وشبكات تهريب، ووجود عسكري أجنبي، وارتباط عضوي بحرب السودان؛ كل هذه العوامل تجعل من الجنوب الليبي قنبلة موقوتة يرتفع ثمن نزع فتيلها مع كل يوم يمر دون بناء مؤسسي حقيقي.
السيناريو الكابوس: “الاختناق الوطني”
الخطر الأكبر، كما يراه الكاتب، ليس في غياب أحد القطبين، بل في “غيابهما معاً”. حينها لن تواجه ليبيا أزمتين منفصلتين، بل “اختناقاً وطنياً متعدد المراكز”:
-
شلل في جهة الصرف بطرابلس.
-
ضغوط في جهة الإيراد النفطي بالهلال.
-
انفلات أمني شامل في الجنوب.
في هذه اللحظة، ستتحول المؤسسات السيادية كالمصرف المركزي والموانئ من “مرافق دولة” إلى “ساحات صراع” للبقاء.
الخلاصة: أسئلة بقاء لا أسئلة سياسة
يختم القزيري مقاله بتصحيح المسار الذهني للقارئ؛ فالسؤال ليس “هل ستنهار ليبيا؟”، بل هو سؤال إجرائي وجودي:
-
من سيوقع؟
-
من سيصرف؟
-
ومن سيحمي الحدود؟
إن بقاء ليبيا مرهون بتحويل هذه التوازنات الشخصية إلى آليات مؤسسية، فكل يوم يمر دون هذا التحول هو اقتراب من لحظة يخرج فيها الجواب عن سيطرة الليبيين جميعاً.
*************
السؤال المدوي والمطموس: ماذا لو غابت القيادات ؟
طارق القزيري
– السؤال الذي لا يطرحه أحد علناً لكن الجميع يحسب حسابه سراً: ماذا يحدث لو غاب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عن طرابلس، والمشير خليفة حفتر قائد القيادة العامة للقوات المسلحة عن بنغازي، في وقت متقارب، لأي سبب كان؟
ليست المسألة نظرية. ليبيا اليوم لا تُدار بمؤسسات مكتملة بل بشخصيتين تؤديان وظائف تتجاوز مناصبهما الرسمية بكثير.
الدبيبة ليس مجرد رئيس حكومة ينفذ ميزانية، بل مهندس توازن سياسي معقد:
-
يدير العلاقة بين الشرعية الدولية التي تمنحها حكومته الاعتراف الأممي
-
وتعامل الشركاء الغربيين والإقليميين،
-
والمؤسسات السيادية التي تمر عبرها عائدات النفط والإنفاق العام،
-
والتشكيلات المسلحة التي يتطلب احتواؤها مزيجاً من التفاهمات السياسية والأمنية والاقتصادية.
غيابه لا يعني فقط فقدان رئيس حكومة، بل انقطاع حلقة الوصل بين هذه المستويات الثلاثة التي لم تتحول بعد إلى آليات مؤسسية مستقلة عن شخصه.
أزمة المصرف المركزي في 2024 أثبتت أن مجرد النزاع على التوقيع المالي يشلّ الرواتب ويخنق الاقتصاد خلال أيام. واشتباكات مايو 2025 أثبتت أن التوازن المسلح في العاصمة أهش مما يبدو.
والمشير حفتر بدوره ليس قائداً عسكرياً تقليدياً بل المرجعية التي تمنع أربع دوائر متنافسة من الاصطدام: الدائرة العائلية وعلى رأسها صدام حفتر، والحرس العسكري التقليدي، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح بغطائه الدستوري، والحلفاء الإقليميون والدوليون.
غيابه لا يفجر الشرق فوراً لكنه يفتح سؤال الخلافة. صدام يملك القوة الميدانية لفرض أمر واقع سريع، لكنه لا يملك بالضرورة قبول القاهرة ولا رضا القبائل الكبرى ولا غطاء عقيلة صالح.
وبينما ينشغل الجميع بطرابلس وبنغازي، فزان هي الساحة الأسرع انفلاتاً: حدود مفتوحة، شبكات تهريب عابرة، وجود عسكري أجنبي، ورابط مباشر بحرب السودان. كل أسبوع يمر دون معالجة يرفع كلفة استعادة الدولة لهذا الجنوب.
السيناريو الأخطر ليس غياب أحدهما بل غيابهما معاً. عندها لا نكون أمام مجموع أزمتين بل أمام اختناق وطني متعدد المراكز: شلل في جهة الصرف بطرابلس، ضغط في جهة الإيراد النفطي بالهلال، وانفلات في الجنوب.
المصرف المركزي والموانئ النفطية يتحولان من مؤسسات دولة إلى ساحات صراع.
ليس دقيقا التساؤل في هذا الصدد عن هل ستنهار ليبيا. فالسؤال المنطقي والأكثر واقعية: من يوقّع؟ من يصرف؟ من يحمي الموانئ؟ ومن يضبط الحدود؟
هذه ليست أسئلة سياسة. هذه أسئلة بقاء. وكل يوم يمر دون تحويل التوازنات الشخصية إلى آليات مؤسسية حقيقية، هو يوم نقترب فيه من لحظة يخرج فيها الجواب من يد الليبيين جميعاً.
___________
البوسطة