الحبيب الأسود

وجود أكثر من مائتي ضابط أوكراني في قواعد غرب ليبيا يعكس صراع النفوذ الدولي ويحوّل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
لا أعتقد أن هناك من المراقبين من فوجئ بنتائج التحقيق الاستقصائي لإذاعة فرنسا الدولية، الذي كشف وجود عدد من المقاتلين الأوكرانيين في قواعد بغرب ليبيا تابعة لحكومة الوحدة المنتهية ولايتها برئاسة المهندس عبد الحميد الدبيبة.
في الثالث من آذار/مارس الماضي، اتهمت موسكو الأوكرانيين وأجهزة المخابرات البريطانية بمهاجمة ناقلة النفط الروسية “أركتيك ميتاغاز” قبالة سواحل ليبيا. تُعد هذه السفينة، التي كانت محمّلة بالغاز الطبيعي المسال في طريقها إلى بورسعيد بمصر، جزءًا من “أسطول فانتوم” الروسي المصمم للالتفاف على العقوبات.
أغلب المصادر أكدت أن زوارق أوكرانية مسيّرة انطلقت من سواحل ليبيا لاستهداف الناقلة الروسية بالقرب من المياه الإقليمية المالطية. الأمر جعل السفينة، التي كانت تحمل 100 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، تفقد قدرتها على الدفع والطاقة، ما أدى إلى اندلاع حريق وانفجار، فيما نجا جميع أفراد الطاقم الثلاثين.
إصابة “أركتيك ميتاغاز” فسحت المجال أمام المراقبين لفهم ما يدور في مدن الساحل الغربي الليبي، التي تدار من قبل أمراء حرب وقادة مليشيات محسوبين على سلطات تسعى إلى تكريس تحالفات غير قابلة للتفسير إلا باللعب على حبل التناقضات، كسبًا للوقت وبحثًا عن شرعية دولية مترهلة تضمن إبقاء الأوضاع على ما هي عليه لسنوات قادمة.
تقرير إذاعة فرنسا الدولية أكد أن قوات نظامية أوكرانية كانت بالفعل وراء استهداف الناقلة الروسية من سواحل غرب ليبيا، ونقل عن مصادر من طرابلس أنه تم نشر أكثر من 200 ضابط وخبير عسكري من الجيش الأوكراني بالاتفاق مع حكومة الدبيبة، في قواعد رئيسية من بينها أكاديمية القوات الجوية بمصراتة، التي توجد بها كذلك قوات تركية وإيطالية، بالإضافة إلى القيادة الأميركية لأفريقيا (أفريكوم)، في هذه المنطقة الشاسعة.
ويوجد أيضًا مركز استخباراتي بريطاني. كذلك يوجد أوكرانيون داخل قاعدة مجهزة بالكامل لإطلاق المسيرات الجوية والبحرية في مدينة الزاوية، على بعد حوالي 50 كم شمال العاصمة، بالقرب من مجمع مليتا النفطي، أحد أكبر المجمعات النفطية في ليبيا.
ما تسعى إليه سلطات طرابلس هو توجيه رسالة مضمونة الوصول إلى موسكو، مفادها أن وجود القوات الروسية في مناطق سيطرة قوات المشير خليفة حفتر بشرق ووسط وجنوب البلاد يقابله وجود قوات أوكرانية في المنطقة الغربية، كتأكيد على صراع النفوذ الذي ترغب بعض الأطراف المحلية في تكريسه على أرض الواقع، ليس خدمة لليبيا وإنما للمصالح الشخصية والأسرية والفئوية والجهوية المرتبطة بالسلطة والثروة، مع استثناء سيادة الدولة وكرامة المجتمع من أجنداتها.
في آب/أغسطس الماضي، دعا النائب العام الصديق الصور إلى فتح تحقيق عاجل وجمع الاستدلالات بشأن معلومات وردت من مناطق الجنوب، تفيد بحصول بعض حركات المعارضة الأفريقية على طائرات مسيّرة من منشأ أوكراني، وسط شبهات بتورط جهات عسكرية ودبلوماسية في تسهيل وصول تلك المعدات عبر إحدى الدول الشقيقة.
وأكد أن مكتب النائب العام يتعامل مع هذه المعلومات بجدية بالغة، إذ ستشمل التحقيقات تتبع مسارات الدعم اللوجستي وتحديد الأطراف المتورطة، سواء داخل ليبيا أو خارجها، مع الإشارة إلى أنه في حال ثبوت صحة هذه المعلومات، ستتم إحالة الملف بالكامل إلى المحاكم الدولية المختصة، لمقاضاة كل من يثبت تورطه في انتهاك القوانين الدولية أو تهديد الأمن الإقليمي.
في الشهر ذاته، تمكن مسلحون من جهاز “قوة الردع الخاصة” من إسقاط ثلاث طائرات استطلاع مسيّرة أوكرانية الصنع، كانت تحلّق فوق قاعدة معيتيقة الجوية، وهو ما اعتُبر نقطة تحول في ظل اتساع نذر المواجهة في العاصمة طرابلس بين الردع والدبيبة.
تبين لاحقًا أن تلك المسيّرات جرى تهريبها إلى ليبيا عبر وسطاء في أذربيجان، في صفقة تضمنت ست طائرات، وهو ما اتفق مع ما ورد في تقرير نشرته مجلة “أجانب” الجزائرية من معطيات عن حصول حكومة الدبيبة على طائرات مسيّرة من صنع أوكراني، في إطار تعاون تقني غير معلن بين طرابلس وكييف.
وأوضحت المجلة أنه تم نقل بعض هذه الطائرات عبر الأراضي الأذرية، بمساعدة خبراء أوكرانيين مختصين في تشغيل وصيانة الطائرات المسيّرة، دون أن يصدر أي إعلان رسمي بشأن هذا التعاون.
المسألة تتخذ أبعادًا خطيرة، لاسيما بعد إصابة ناقلة النفط الروسية قبالة السواحل الليبية، حيث تضع البلاد على كف عفريت بتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وخاصة إذا تعلق الأمر بحركة الملاحة في البحر الأبيض المتوسط وما قد تواجهه من مخاطر، في ظل حرص واضح من كييف على إلحاق الأذى بالروس في الداخل الليبي ولو من خلال دعم المليشيات والجماعات الإرهابية والانفصالية، كما جرى ويجري في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وغيرها من الدول.
بعد 30 يومًا من استهداف “أركتيك ميتاغاز”، قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري الليبية إن ناقلة الغاز الروسية التي تحمل على متنها أطنانًا من المحروقات أصبحت خارج السيطرة في عرض البحر، بعد فشل جهود عملية جرها والتحكم فيها.
وحذّرت السلطات من أن الناقلة باتت تشكل خطرًا على الملاحة البحرية، داعية جميع السفن إلى الابتعاد عن موقعها لمسافة لا تقل عن 10 أميال بحرية، مع الالتزام بأقصى درجات الحذر، والإبلاغ الفوري عن أي تطورات، خصوصًا في حال حدوث تسربات أو انبعاثات غازية.
في ظل هذه المستجدات، سيكون على سلطات غرب ليبيا توضيح موقفها من وجود القوات الأوكرانية على أراضيها، والكشف عن نص الاتفاق أو القانون الذي تم اعتماده لاستقبال تلك القوات في بلد يحتاج إلى الأمن والاستقرار لا إلى مزيد من الشحن والتجاذبات والعبث بخصوصيات الجغرافيا السياسية لخدمة مصالح هذا الطرف أو ذاك.
وقد تكون حكومة الدبيبة مطالبة أكثر من غيرها بذلك، أما رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي فإن موقفه وصل إلى القيادة الروسية مع توضيح شامل نقله شقيقه سامي إلى موسكو قبل أيام.
_______________
