أسامة علي

بدأ يطفو على السطح بشكل غير مسبوق صراع أجنحة متنامٍ بين أولاد اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر في توقيت حساس تقود فيه واشنطن جهوداً لتوحيد السلطة في ليبيا ما يطرح تساؤلات جدية عن مستقبل تماسك هذا المعسكر الذي ظل لسنوات يُدار بقبضة مركزية صارمة.

ويبدو أن الخلافات، التي كانت تجري في الكواليس لفترة طويلة قد باتت علنية في ظل غياب لافت لأي موقف معلن من حفتر نفسه.

ويتمحور الصراع داخل معسكر خليفة حفتر حول ثلاثة أقطاب رئيسية، بين أولاده، وعلى رأسهم صدام الذي يشغل موقع نائب القائد العام ويُنظر إليه على أنه خليفة محتمل لوالده، وخالد الذي يتولى رئاسة الأركان العامة، وبلقاسم الذي يدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار، الذراع الاقتصادية الأبرز للمعسكر.

ورغم أن صدام رسّخ نفوذه عسكرياً وسياسياً، وخصوصاً عبر سيطرته على القوات البرية وتمثيله لوالده في المحافل الدولية وتوقيع اتفاقيات عسكرية، إلا أن شقيقيه اندفعا للتموضع في مجالي الاقتصاد والمؤسسة العسكرية، ما خلق توازناً جديداً داخل السلطة بشكل مكتوم، تفجّر أخيراً في شكل تنافس محتدم.

وفي آخر ملامح هذا الصراع، قال صدام حفتر في منشور عبر حساباته على منصات التواصل، إنه تلقى اتصالاً هاتفياً من مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، أمس الأربعاء، تناول خلاله التحضيرات العسكرية المتعلقة بالجزء الذي تستضيفه ليبيا من تمرين فلينتلوك 2026″، الذي تنظمه أفريكومفي سرت منتصف الشهر الجاري بالاشتراك بين قوتين من معسكري غرب وشرق البلاد.

وأشار صدام إلى أن الاتصال تطرق كذلك إلى تعزيز التكامل العسكري والأمني على المستوى الوطني، إضافة إلى مناقشة ما وصفه بـالتقدم المحرز في مسار توحيد ميزانية الدولة الليبية، في إشارة واضحة إلى تقدم المسار الذي تقوده واشنطن لإعادة تشكيل بنية السلطة في ليبيا.

وعقب منشور صدام، خرج شقيقه خالد حفتر في تصريحات تلفزيونية، أعلن فيها رفضه لما وصفه بـالترتيبات السياسية المدعومة بأجندات خارجية، معتبراً أن تدهور الأوضاع في ليبيا هو نتيجة مخرجات سياسية غير ناجحةلم تضع مصلحة المواطن في الاعتبار.

وشدد خالد على أن الأطروحات الحالية لا تختلف عن المسارات السابقة التي لم تحقق نتائج ملموسة، داعياً إلى حلول حقيقية وواقعيةبعيدة عما اعتبره مبادرات تكرس الفساد وتطيل أمد الأزمة.

ويُعَدّ هذا التباين العلني بين الشقيقين امتداداً لخلافات أعمق داخل بنية السلطة التي يديرها حفتر، فقد سبق أن نشر شقيقهما بلقاسم حفتر بياناً، أعلن فيه رفضه لمخرجات اجتماع انعقد في تونس الأسبوع قبل الماضي، بين ممثلين عن قيادة والده وآخرين عن الحكومة في طرابلس، مؤكداً أن نتائج الاجتماع غير ملزمة له“.

وشكل اجتماع تونس محطة أساسية في تفجر الخلافات بين أولاد حفتر. فعلى الرغم من أنه خُصص لمناقشة آليات تنفيذ الاتفاق التنموي الموحد، الموقَّع بين مجلسي النواب والدولة في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي برعاية أميركية، بهدف إنشاء ميزانية موحدة للدولة، إلا أن أهميته كانت في كونه سيمهد للقاء آخر في واشنطن سيُناقَش خلاله ترتيبات متقدمة لبناء سلطة موحدة من قيادة حفتر والحكومة في طرابلس.

رسائل تحدٍّ

وحمل منشور صدام حفتر الأخير في مضمونها رسائل تحدٍّ واضحة لإخوته، فحديثه عن التقدم المحرز في مسار توحيد ميزانية الدولةيعكس إصراره على الدفع نحو إقرار ميزانية موحدة عبر مسار مفاوضات تونس، بما يمهد أيضاً للانتقال إلى مستوى سياسي أوسع يستهدف تشكيل سلطة موحدة.

ويعزز هذا إشارته إلى مناقشة التحضيرات العسكريةلتمرين فلينتلوك 2026″، في ظل حصر واشنطن المشاركة الليبية على قوة نخبة تابعة له وأخرى من حكومة الوحدة الوطنية، ضمن مسعى لبناء نواة عسكرية مشتركة بين الطرفين، وهو ما يعكس عزمه على المضي في انخراطه المباشر في تنفيذ الرؤية الأميركية لإعادة تشكيل موازين القوى في البلاد.

ويقوم التصور الأميركي، الذي يقوده بولس منذ توليه الملف الليبي في إدارة الرئيس دونالد ترامب، على إحداث اتصالات بين الشخصيات الأكثر نفوذاً في شرق البلاد وغربها، في ثلاثة مستويات:

  • أولها، اقتصادي يشمل بناء ميزانية موحدة ضمن اتفاق تنموي مشترك،
  • وثانيها عسكري يقوم على تشكيل قوة عسكرية مشتركة من معسكري شرق البلاد وغربها، من المنتظر أن تُجري أول تمريناتها المشتركة في سرت منتصف الشهر الجاري،
  • وثالثها سياسي لبناء سلطة مشتركة بين القادة في طرابلس وبنغازي.

ومنذ إطلاقه المفاوضات المباشرة بين طرابلس وبنغازي، خص بولس اللقاءات بصدام حفتر وإبراهيم الدبيبة، المستشار الخاص لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.

وجرت اللقاءات في روما في سبتمبر/ أيلول الماضي، وباريس في يناير/ كانون الثاني الماضي، وأخيراً في تونس الأسبوع قبل الماضي، فيما يُنتظر أن يجري اجتماع جديد أكثر صلةً بتوحيد السلطة في واشنطن في وقت لاحق الشهر الجاري.

محاولة احتواء

وفي محاولة لاحتواء الوضع، كثفت الولايات المتحدة من تحركاتها، حيث زار القائم بأعمال السفارة الأميركية في ليبيا جيريمي برنت بنغازي قبيل اجتماع تونس، والتقى بكل من بلقاسم وخالد، وبحث معهما تنفيذ الاتفاق التنموي وتوحيد المؤسسات، بينما أجرى بولس اتصالاً مع بلقاسم عقب اجتماع تونس، ركّز على ضرورة توحيد الميزانية، دون أن تظهر مؤشرات واضحة على نجاح هذه الجهود في رأب الصدع.

وسبق أن كشفت مصادر ليبية لـالعربي الجديدعن الخلافات البارزة بين أولاد حفتر، موضحةً أن الصراع يدور بالأساس على النفوذ ومراكز القرار داخل بنية سلطة والدهم اللواء المتقاعد، حيث يتهم بلقاسم شقيقه صدام بمحاولة تقويض دوره عبر إنشاء أذرع تنموية موازية تنافس صندوق الإعمارالذي عزز من موقعه في السلطة، ومحاولة تجفيف منابع تمويله عبر السعي للاتفاق المباشر مع الحكومة في طرابلس على إنشاء ميزانية موحدة بمعزل عنه.

كذلك يتهم خالد شقيقه صدام بالسعي للانفراد بتمثيل المعسكر خارجياً، وصولاً إلى بناء علاقات مع الولايات المتحدة لرعاية بناء قوة مشتركة مع الحكومة في طرابلس، ما يتيح له تعزيز نفوذه داخلياً وخارجياً.

وفيما تشير المعطيات إلى اصطفاف واضح لكل من بلقاسم وخالد في مواجهة شقيقهما صدام، تبدو الخلافات داخل العائلة أوسع في جبهات أخرى أقل ظهوراً، إذ يدور توتر موازٍ بين صدام وشقيقه الآخر صلاح، الذي يُعرف بانتمائه إلى التيار السلفي المدخلي وإشرافه على تشكيلات مسلحة تدير عدداً من السجون في شرق البلاد.

واتخذ صدام خطوات عملية للحد من نفوذ شقيقه صلاح من خلال نقل العقيد أسامة الدرسي، المقرب منه، من رئاسة جهاز الأمن الداخلي إلى رئاسة جهاز الشرطة القضائية، بالتزامن مع إطلاق مشروع لإعادة تأهيل السجون بقيادة الدرسي، في مسعى لإعادة هيكلة هذا الملف وسحب السيطرة من التشكيلات المدخلية.

وفي ظل هذه التطورات، تبدو قدرة حفتر الأب على ضبط إيقاع المعسكر محل تساؤل، خصوصاً مع غيابه عن إظهار موقف واضح من هذا الصراع، وتجلى ذلك خلال محاولته إظهار صورة من التماسك العائلي خلال ظهور علني جمعه بأبنائه الثلاثة خلال زيارة لمشاريع تابعة لصندوق الإعمار الثلاثاء الماضي، إلا أن المشهد بدا أقرب إلى محاولة لاحتواء أزمة متفاقمة، أكثر من كونه تعبيراً عن وحدة حقيقية.

____________

مقالات مشابهة