نبيل العالم
ليبيا في 2026، يا سادة، ليست في أزمة عابرة كما يقول البعض، ولا في مرحلة انتقالية قصيرة كما يردّد البعض الآخر.
ما يحدث في الحقيقة شيء آخر تماماً: إعادة تشكيل بطيئة لبنية الدولة تجري أمام أعيننا، وفيها تتشابك السياسة والسلاح والمال والأيدي الخارجية الكثيرة. والتاريخ يعلّمنا، لمن يقرأ التاريخ طبعاً، أن مثل هذه الأوضاع لا تنفرج من تلقاء نفسها، بل تجمّد على هيئة توازن هش يطول أمده. ولهذا فمن يقرأ ليبيا اليوم بقراءة المؤسسات الرسمية البالية فقط، فهو إما واهم أو متعمد للتضليل.
ليبيا الحقيقية ليست في الأوراق، بل في موازين القوة على الأرض.
سياسياً، الحكاية معروفة للقاصي والداني:
حكومتان، وأحياناً ثلاث، حسب من تحب أن تعدّه، كل واحدة منهما تدّعي تمثيل الدولة، ولا واحدة منهما تستطيع أن تبسط سلطتها على شبر واحد خارج نطاق نفوذها.
لقد عاشت الصومال شيئاً مشابهاً في تسعينياتها فذابت دولتها المركزية، ولم يبقَ منها إلا اسم على ورق وأمراء حرب يتقاسمون مدنها. الفرق بيننا وبين الصومال (ولله الحمد) أن مؤسساتنا السيادية ما زالت قائمة، ولكن المصيبة، وأي مصيبة، أن هذه المؤسسات نفسها قد تشطّرت؛ مالية مزدوجة، وأمن مزدوج، وإدارة مزدوجة.
فأيّ قرار وطني يُتخذ في بلد يحكمه نظامان متوازيان؟
وأيّ معنى تبقّى لكلمة «دولة»؟
عسكرياً، نحن لسنا في حرب شاملة، صحيح، ولكن هل نحن في سلام؟ كلا والله. ما نحن فيه شيء غريب:
ردع متبادل لا يستقر، لا أحد يقدر على الحسم، ولا أحد يجرؤ عليه، لأن الإرادة الدولية ذاتها، ولاحظوا معي العبارة: «منقسمة على نفسها». وإخواننا في لبنان عاشوا مثل هذا الوضع قرابة خمس عشرة سنة، حتى جاءهم الحل من الخارج تحت اسم «اتفاق الطائف»، له ما له وعليه ما عليه.
أما عندنا، فالميدان مزدحم بالكتائب المسلحة، تحمل ولاءات لقبيلتها أو لجهتها، ونادراً ما تحمل ولاءً لوطنها. وكانت تُؤسَّس باسم تحرير الوطن، فأصبح أكثرها، إن لم يكن أغلبها، طرفاً اقتصادياً قبل أن يكون طرفاً سياسياً، أي أن بقاءها مرتبط ببقاء الفوضى.
لأن الفوضى مصلحة لهؤلاء، فلا تنتظروا منهم، للأسف، أن يتعاونوا في إنهائها.
أما اقتصادياً، فلليبيا ميزة، لو أحسنّا استثمارها لَكُنّا بألف خير، لا يملكها لا الصومال ولا أفغانستان:
النفط. هذا الذهب الأسود هو الذي منع الدولة الليبية من السقوط الكامل، صحيح، ولكنه، يا للمفارقة العجيبة، هو نفسه وقود الانقسام بيننا.
كان النفط يمكن أن يكون نقطة الاتفاق الوحيدة الممكنة بين الفرقاء، فأصبح أداة صراع، يتنازع المتنازعون على عوائده ويوظّفونه في مهاتراتهم السياسية. والنتيجة يا سادة: دولة قائمة شكلاً، تُدار مواردها كأنها بلدان متفرقة لا يجمعها جامع.
هذا في الحقيقة هو معنى أن يصبح المال نقمة بدلاً من أن يكون نعمة.
وهنا نأتي إلى الجرح الحقيقي ألا وهو العامل الخارجي:
لا تستهينوا به، فهو ليس عاملاً ثانوياً كما يحاول البعض أن يصوّره، بل ربما هو الذي يُثبّت كل ما سبق.
ليبيا اليوم ليست ساحة صراع داخلي فقط، بل هي طاولة جلس عليها الكل: إقليميون ودوليون، كل واحد بحساباته ومصالحه، ومصالحنا نحن للأسف خارج الحساب. وكل طرف ليبي تجده، إن نقّبتَ قليلاً، متكئاً على ظهير خارجي، يموّله أو يسلّحه أو يوفّر له الغطاء السياسي.
ولهذا يطول الحسم وتتأخر التسوية. واليمن منذ 2011 يعطينا الدرس نفسه: عندما تتضارب مصالح الإقليم على بلد، تتحول أزمته السياسية المحدودة إلى حرب طويلة منخفضة الحدة، تأكل الأخضر واليابس.
على ضوء كل هذا، فمن يبشّركم بانفراج قريب، فاطلبوا منه الدليل.
السيناريو الأرجح في المدى المنظور، ودعونا نكون صرحاء مع أنفسنا ولو لمرة، هو استقرار هشّ يطول أمده. ليبيا لن تنهار، لا تخافوا، ولكنها أيضاً لن تتحول إلى دولة موحّدة مستقرة، فلا تتأمّلوا.
ستظل المؤسسات منقسمة، وستظل الحكومتان قائمتين، وسيظل العنف تحت سقف الحرب الشاملة. ويظن كثيرون أن هذا السيناريو هو الأقل خطورة، وهنا الخطأ القاتل، فهو في الحقيقة الأكثر استنزافاً، لأنه يقتل التنمية ببطء كالسرطان، ويُكرّس اقتصاداً موازياً واسعاً، يأكل من القانوني، ويُسقط ما تبقّى من ثقة المواطن البسيط في دولته. وهل بقي للمواطن الليبي ثقة أصلاً؟ هذا سؤال آخر..
وعلى المدى الأطول، يبدو أن الطريق مفتوح أمام ثلاثة احتمالات لا أكثر، والرابع لا وجود له، فلا تتعبوا أنفسكم بالبحث.
أولها أن يتدخل الخارج، كعادته في كل بلد عربي مأزوم، ويفرض تسوية سياسية تقاسم السلطة بين الأطراف، على غرار ما حدث في لبنان بعد الطائف. هذا الاحتمال ممكن نظرياً، ولكنه يتوقف على توافق دولي قبل توافق ليبي، وهذا التوافق الدولي، فيما أرى، ليس قريباً.
والاحتمال الثاني أن يخرج علينا طرف قوي، لا أدري من أين، يستطيع الحسم العسكري ويفرض شرعيته على البقية، وهذا صعب اليوم بحكم التوازن القائم، ولكنه يصبح وارداً إذا تغيّرت المعادلة الخارجية فجأة، أو إذا اختلّت بنية أحد الأطراف من الداخل، وكلاهما ممكن، فلا تستبعدوا شيئاً في زماننا هذا.
أما الاحتمال الثالث، وهذا هو الأخطر والذي أخشاه، فهو أن يستقر الانقسام نفسه ويصبح أمراً واقعاً.
ليبيا حينها لن تنقسم رسمياً، لأن أحداً لن يتجرّأ على الإعلان، ولكنها فعلياً تتحوّل إلى كيانين أو ثلاثة، تتعايش جنباً إلى جنب دون اعتراف رسمي بالانفصال.
وهذا يا سادة هو الموت البطيء للدولة الليبية.
وفي خلاصة كل هذا، ليبيا اليوم ليست في طريق واضح نحو حل، بل في حالة تجميد للصراع مع بقاء أسبابه على حالها، وكأنّنا نجمّد التفاحة الفاسدة، فتظل فاسدة عند ذوبانها. والتاريخ، وهو معلم العقلاء، يقول إن مثل هذه الحالات لا تستمر إلى ما لا نهاية، صحيح، ولكنها أيضاً لا تُحلّ بسرعة.
ما يحسم اتجاه ليبيا في النهاية، أمران اثنان لا ثالث لهما: قدرة الأطراف الداخلية على تنازلات حقيقية، وليس تنازلات في الإعلام فقط، واستعداد القوى الخارجية للتوافق بدل التنافس فوق رؤوسنا.
ما لم يجتمع هذان العاملان، وأخشى أنهما لن يجتمعا قريباً، فسيبقى المشهد الليبي يدور في الحلقة نفسها، تتغيّر فيه الأشكال ويبقى الجوهر، ويبقى المواطن الليبي البسيط هو الذي يدفع الفاتورة في النهاية.
ولقد صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فهل ترانا نتعظ يوماً؟
والله المستعان.
____________
