عبد الله الكبير

من جديد تلوح المبعوثة الأممية حنه تيته بتبني نهج بديل لتحريك العملية السياسية، بعد اقرارها بفشل مجلسي النواب والدولة في تنفيذ أول خطوتين في خارطة الطريق.

الأولى التوافق على شاغلي المواقع الشاغرة في مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات، أو إعادة تشكيل مجلس الإدارة، وكانت المعضلة الأساسية في هذا الملف رئاسة المفوضية، والأخرى الأكثر صعوبة فهي التوافق على قوانين الانتخابات.

لجأت المبعوثة إلى تشكيل اللجنة المصغرة التي اجتمعت الأيام الماضية في روما، وحسمت ملف مجلس إدارة مفوضية الانتخابات، بتقاسم تسمية الأعضاء بين مجلس النواب ومجلس الدولة، بينما يقترح النائب العام تسمية قاضيا مشهود له بالنزاهة رئيسا المفوضية.

ولكن الحسم السريع في ملف المفوضية لن يكون متاحا في ملف قوانين الانتخابات لأن الخلاف حول شروط الترشح للانتخابات الرئاسية بالغ العمق، فشلت كل محاولات اللجان المشتركة بين مجلسي النواب والدولة في تجاوزه.

التصريح المتكرر باعتماد نهج بديل لا يعني فقط اليأس من قدرة المجلسين بل ربما حتى من اللجنة المصغرة 4+4، رغم نجاحها في التوافق حول توسيط النائب العام لاقتراح شخصية من مؤسسة القضاء لتولي رئاسة مفوضية الانتخابات، إلا أنها غير واثقة فيما يبدو على قدرة اللجنة على حسم ملف القاعدة القانونية للانتخابات، لأن اجتماع اللجنة القادم سيكون هذا الثلاثاء بتونس.

تيته لم تنتظر حتى عقد الاجتماع لترى إن كان التوافق سيقع أم لا، وبدأت في محاولة اقناع الأطراف الدولية الفاعلة في مجلس الأمن لدعم الخيار البديل، فخلال لقاء جمعها مع وزير الخارجية الفرنسي قالت تيته أن هناك احتمال للحاجة إلى نهج بديل لتحريك العملية السياسية.

هذه التوطئة هي البداية الفعلية لحشد الدعم في مجلس الأمن، وإقناع الأعضاء الدائمون بتبني هذا الخيار البديل، وعدم رفع الفيتو في وجهه، والبداية كانت بفرنسا، لأن تفعيل البدائل بالنسبة للبعثة يعني تجاوز المؤسسات القائمة

فالبديل سيكون إما حوار موسع يضم طيفا سياسيا وعسكريا واجتماعيا على غرار ملتقى تونس جنيف، يمثل فيه مجلسا النواب والدولة بعدد محدود لكل منهما، ربما تكون نواته شخصيات مختارة من الحوار المهيكل، أو العودة إلى مقترحات اللجنة القانونية، واعتماد أحد الخيارات الثلاثة الأخرى. انتخابات برلمانية فقط أو الاستفتاء على مسودة الدستور أو تشكيل هيأة تأسيسية

لا خلاف على أن طريق أحد الخيارات الثلاثة أقل صعوبة، على مستوى التنفيذ، من خيار الانتخابات الرئاسية، إذ لا يستلزم المسار مفاوضات حول القاعدة القانونية، كما هو الحال في خيار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة.

في الخيار الثاني يمكن أن يعتمد قانون انتخابات المؤتمر الوطني أو مجلس النواب، وفي الخيار الثالث مسودة الدستور جاهزة تنتظر موعدا لتنفيذ الاستفتاء.

وفي الخيار الأخير يمكن اعتماد آلية لاختيار أعضاء هيأة تأسيسية، ومنح فرصة المشاركة في الاختيار باقتراح بعض الأسماء لمجلسي النواب والدولة ولكن العقبة التي تحول دون اعتماد أحد هذه الخيارات هي الدول المنخرطة في الأزمة، لأنها تخشى خسارة مصالحها إذا اطيح بأطراف السلطة الحالية.

ومن دون وجود ضمانات باستمرار هذه المصالح إذا تولت قيادة البلاد سلطة جديدة تملك الشرعية الانتخابية المحلية، ولن تكون بحاجة إلى مساندة إقليمية ودولية لممارسة مهامها

لذلك تتوجه المبعوثة الأممية إلى الأطراف الرئيسية الفاعلة وفي مقدمتها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لحشد الدعم لخطوة الخيار البديل، مع عدد استبعاد أي مقترحات أخرى قد تتقدم بها البعثة.

الحوار المهيكل أوصى في ختام الجزء ما قبل الأخير من أعماله في ملف الحوكمة، بتأجيل ملف الدستور الدائم واعتماد دستور مؤقت لمرحلة ما قبل الانتخابات، وهذا خيار مريح للبعثة يجنبها الصدام مع الأطراف الرافضة أو المتحفظة على مسودة المشروع الحالية.

نتائج مشاورات الحوار المهيكل، حسبما ورد في منشور البعثة على منصاتها الرئيسية، تضمن نقاطا مهمة يمكن البناء عليها في ملف السلطة التنفيذية، باعتماد منهج توزيع السلطة بمنح السلطات المحلية قدرا أكبر من الصلاحيات، لتعزيز الديمقراطية، مع رقابة فاعلة للميزانيات المعتمدة للمجالس البلدية

وهذا المقترح بالذات يراعي البنية المتسعة للانتشار السكاني، ويخفف من حدة الصراع على السلطة، ويحجم الفساد والنهب للأموال العامة

إذا أمام البعثة خيارات عدة تستدعي دقة التصويب والتدقيق لاختيار النهج الأسهل والأكثر قابلية للتنفيذ في بيئة معقدة بسبب تراكم الأزمات وتعدد الفاعلين.

___________

مقالات مشابهة