صلاح الهوني

في ليبيا، ليس النفط مجرد قطاع اقتصادي، بل هو جوهر الاقتصاد نفسه. وأصبحت المعركة على من يسيطر على وزارة النفط وكيلاً عن صراع أكبر: هل تحكم ليبيا بالمؤسسات أم بالقوة السياسية المجردة؟

في قلب هذه المواجهة يقف محمد عون، مهندس مخضرم تحول إلى وزير، أمضى العامين الماضيين في كفاح لإثبات شرعيته ضد رئيس وزراء مصمم على تهميشه.

منذ عام 2024، أصدرت المحاكم الليبية أربعة أحكام متتالية تؤكد أن عون هو الوزير الشرعي، وأبطلت تعيين خليفة عبد الصادق، نائب عينه رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة.

صدرت الأحكام عن محاكم استئناف وحتى عن المحكمة العليا، مما لم يترك مجالاً للبس. ومع ذلك، رفض رئيس الوزراء تنفيذ الأحكام، وهو تحدٍ يصفه عون بأنه ازدراء للأحكام القضائية“.

هذا ليس مجرد خلاف بيروقراطي. تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، يقدر بـ 48.4 مليار برميل، لتحتل المرتبة السابعة بين أعضاء أوبك. في بلد لا توجد به ضريبة دخل ولا قاعدة تصنيعية قوية ولا زراعة منتجة، تشكل الإيرادات النفطية شريان حياة الدولة. من يسيطر على الوزارة يسيطر على الشريان الذي يغذي الأمة.

اندلع الصدام بين الاثنين بسبب رفض عون التوقيع على عقود استكشاف، خاصة في حوض غدامس، معتبراً أنها غير قانونية. تشير تقارير إلى أن العقود انتهكت الإجراءات القانونية، وعندما قاوم عون، أوقفته جهة الإشراف.

بعد أشهر، أعادت نفس الجهة تعيينه بعد أن برأته من أي مخالفة. وبحلول ذلك الوقت، كان رئيس الوزراء قد عين بالفعل عبد الصادق، واضعاً السلطة التنفيذية في مسار تصادمي مع السلطة القضائية.

كانت المحاكم واضحة وحازمة. ففي حكم تلو الآخر، أعلنت أن تعيين عبد الصادق باطل. ومع ذلك، مضت السلطة التنفيذية قدماً متجاهلة الأحكام. بالنسبة لعون، المسألة ليست كبرياء شخصياً بل مبدأ قانونياً. “جميع القرارات الصادرة عن الوزير غير الشرعي منذ 12 مايو 2024 تعتبر باطلة تماماً وباطلة من الأساس، كما يؤكد.

تمتد الآثار إلى ما وراء حدود ليبيا. تواجه شركات النفط الدولية ومنظمات مثل أوبك معضلة حقيقية: فالعقود الموقعة من وزير ألغيت سلطته معرضة للطعن أمام المحاكم.

حث عون الشركاء الأجانب على التعامل فقط مع الوزراء الشرعيين، محذراً من أن تجاهل الأحكام القضائية يؤدي إلى ترسيخ الأزمة وتقويض مصداقية ليبيا كشريك.

تشير هذه الملحمة إلى مشكلة أعمق. يمكن للسلطة القضائية الليبية أن تصدر أحكاماً واضحة ولكنها تفتقر إلى آليات تنفيذها. في نظام يعاني من ويلات سنوات الانقسام، يمكن للسلطة التنفيذية ببساطة أن تتحدى الأحكام.

هذا التآكل في السلطة المؤسسية يضعف حوافز الكفاءة والنزاهة، ويكافئ أولئك الذين يتجاوزون القواعد ويعاقب أولئك الذين يلتزمون بها.

بالنسبة لعون، كان الصراع شخصياً وسياسياً في نفس الوقتكمهندس تقني بالتدريب، وجد نفسه في مواجهة آلة سياسية قوية: رئيس وزراء، وهيئات رقابية، ونائب يعمل وزيراً، ووسائل إعلام تؤطر الخلاف وفقاً لمصطلحاتها الخاصة.

ومع ذلك، ظل متحدياً. صرح قائلاً: “أنا واثق بنسبة 100% من موقفي، ولن أخاف، وأنا مستعد للمثول أمام أي محكمة في ليبيا.”

إصراره جعله رمزاً غير متوقع. إنه لا يدافع عن منصب فحسب؛ بل يختبر ما إذا كانت ليبيا لا تزال قادرة على الادعاء بأنها دولة قانون. أربعة أحكام لصالحه، ومع ذلك لا يوجد ضمان بالتنفيذ.

إذا اضطر الدبيبة في النهاية إلى الامتثال، فسيشكل ذلك انتصاراً متواضعاً لكنه حقيقي للسلطة القضائية وللفكرة القائلة بأن القانون يمكنه تقييد السلطة. وإلا، فسيؤكد ما يشك فيه العديد من الليبيين بالفعل: أن بنية الدولة القادرة على العمل لا تزال بعيدة المنال.

حالياً، يواصل عون التحدث علناً، موثقاً كل تصريح محذراً من أن الفشل في تنفيذ الأحكام القضائية يحمل مسؤولية مستقبلية. في منطقة أصبح فيها الاستثمار الأجنبي في الطاقة ذا أهمية متزايدة، لم تكن شرعية من يوقع العقود أكثر أهمية من أي وقت مضى.

معركة ليبيا على النفط هي في النهاية مرآة لسؤال البلاد الأعمق منذ عام 2011: هل ليبيا دولة مؤسسات يحكمها القانون، أم فضاء تتقاطع فيه مصالح القوى دون رادع؟

__________

العربي الأسبوعي

مقالات مشابهة