علي العسبلي
لم يكن المشهد الأهم في قضية المُتهم بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية خالد الهيشري، أحد أبرز قياديي “قوة الردع الخاصة” (تعرف حاليًا بجهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة)، هو وصوله إلى لاهاي أو مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية، بل ما أحدثه داخل ليبيا بعد ذلك.
فور ظهور الهيشري داخل قاعة المحكمة، بدا واضحًا أنّ الرسالة وصلت أبعد ممّا كان يتوقّع كثيرون. فجأة، بدأت السلطات والجماعات المسلّحة، شرقًا وغربًا، تتصرّف وكأنّها اكتشفت أهمية القانون وحقوق الإنسان. ظهرت أحاديث عن “مراجعة أوضاع المحتجزين“، وتحرّكت لجان هنا وهناك، وبدأت بعض الجهات تحاول تحسين صورتها أو إبعاد نفسها عن ملفات الانتهاكات التي ظلّت لسنوات جزءًا طبيعيًا من المشهد الليبي.
في شرق ليبيا، جرى الإعلان عن الإفراج عن معتقلين من سجن قرنادة، النسخة الشرقية من سجن معيتيقة، في محاولة لتقديم ذلك باعتباره لفتة إنسانية، بالتزامن مع تحرّكات ولجان لمراجعة أوضاع بعض المُحتجزين وزيارات لمرافق احتجاز كان الاقتراب منها سابقًا شبه مستحيل.
وفي غرب البلاد، شهد سجن معيتيقة تحسّنًا نسبيًا ومؤقتًا في أوضاع بعض المحتجزين، إلى جانب زيادة الزيارات المحلية والدولية وفتح ملفات كان يُتجنّب الاقتراب منها لسنوات، بما في ذلك ملفات لمحتجزين تعرقلت إجراءات الإفراج عنهم أو إعادتهم إلى بلدانهم.
ورغم أنّ معظم هذه الخطوات تبدو أقرب إلى محاولات احتواء للضغط الناتج عن تصاعد الحديث عن المُساءلة الدولية، أكثر من كونها تحوّلًا حقيقيًا، فإنّها تعكس بوضوح حجم القلق الذي خلقته قضية الهيشري داخل دوائر السلطة والجماعات المسلّحة.
قد تبدو هذه الخطوات محدودة وشكلية، وهي كذلك بالفعل إلى حدّ كبير، لكنها تكشف شيئًا مُهمًا: مجرّد رؤية متهم بجرائم خطيرة من داخل المنظومة المسلّحة الليبية وهو يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية كان كافيًا لإثارة الذعر والقلق داخل أروقة السلطة في ليبيا وبين جنبات أمراء الحرب وقادة الجماعات المسلّحة، صغارًا كانوا أم كبارًا. وهذا بحدّ ذاته تطوّر لافت في بلد تعايش طويلًا مع ثقافة الإفلات الكامل من العقاب.
وفي الجهة المقابلة، كان للمشهد أثر مختلف تمامًا على كثير من الضحايا وعائلاتهم والمجتمعات المُتضرّرة التي عاشت سنوات تحت سطوة الجماعات المسلّحة. بالنسبة لكثيرين، لم يكن ظهور الهيشري في لاهاي مجرّد مشهد عادي بُثّ على شاشات التلفزيون، بل لحظة انتظروها طويلًا شعروا فيها للمرّة الأولى منذ سنوات أنّ المحاسبة ليست شيئًا مستحيلًا.
المفارقة أنّ المشهد نفسه، الذي خلق ارتياحًا نسبيًا لدى الضحايا، كان كافيًا لإثارة القلق داخل دوائر السلطات والجماعات المسلّحة. وهذا وحده يكشف حجم الخلل الذي وصلت إليه ليبيا، حين أصبح مجرّد ظهور متهم أمام المحكمة حدثًا استثنائيًا يُعيد ترتيب مشاعر الخوف والطمأنينة داخل المجتمع.
ولم يأتِ هذا القلق من فراغ. فعلى مدى أكثر من عقد، لم تكن المشكلة في ليبيا غياب تطبيق القوانين أو ضعف المؤسسات العدلية أو الإرادة السياسية للمحاسبة فحسب، بل أيضًا غياب أيّ شعور حقيقي بأنّ أحدًا قد يُحاسب فعلًا على ما اقترفه.
تعايشت السلطات المُتعاقبة والجماعات المسلّحة المتحالفة معها في الشرق والغرب مع القضاء الليبي باعتباره ليس سلطة رابعة، إنّما مؤسسة يمكن الضغط عليها أو الالتفاف حولها أو تعطيلها عند الحاجة.
ومع الانقسام السياسي وانهيار مؤسسات الدولة، تحوّلت بعض هذه الجماعات تدريجيًا من أطراف خارجة عن القانون إلى قوى قادرة على ف
لهذا، في تقديري، لم يكن الخوف الحقيقي يومًا من القضاء المحلي، بل من العدالة الدولية. فداخل ليبيا، تعرف هذه الجماعات كيف تُدار الأمور: من يمكن تهديده، ومن يمكن الضغط عليه، وأيّ القضايا يمكن دفنها بالتسويات أو الصفقات أو حتى السلاح. أما في لاهاي، فالصورة مختلفة تمامًا. هناك، تفقد كلّ هذه الأدوات جزءًا كبيرًا من قيمتها.
يتحوّل الشخص الذي اعتاد التحكّم في مصائر الناس إلى متهم يجلس داخل قاعة محكمة يستمع إلى سرد علني لما ارتُكب باسمه أو بأوامره، بينما تُعرض صورته أمام العالم بوصفه شخصًا مطلوبًا للعدالة، لا باعتباره “الأفندي” أو “الحاج” أو “الشيخ“، أو طرفًا نافذًا في توازنات السلطة الليبية.
وهنا تحديدًا تكمن رمزية قضية الهيشري وتأثيرها الردعي.
صحيح أنّ المحكمة الجنائية الدولية تعاني من مشاكل كبيرة، وصحيح أنّها تعرّضت خلال السنوات الماضية لضغوط سياسية وعقوبات أميركية، خصوصًا منذ مجيء إدارة ترامب، كما أنّ عملها في ليبيا واجه عراقيل هائلة من السلطات في الشرق والغرب على حدّ سواء.
لم يُسمح للمُحقّقين بالوصول بحرية إلى كثير من مسارح الجرائم، وواجهت المحكمة صعوبات كبيرة في مقابلة الضحايا والشهود داخل ليبيا، فضلًا عن التهديدات الأمنية التي تمثّلها الجماعات المسلّحة لأي جهد حقيقي في تحقيق مستقل.
ورغم كلّ ذلك، تمكّنت المحكمة من تحقيق ما عجزت عنه مؤسسات كثيرة داخل ليبيا: إعادة فكرة الخوف من المحاسبة إلى المشهد.
قد لا تكون المحكمة قادرة على إنهاء الإفلات من العقاب في ليبيا، وقد لا تستطيع وحدها تفكيك بنية الإجرام التي تشكّلت خلال السنوات الماضية، لكنها نجحت على الأقل في توجيه ضربة رمزية ونفسية مهمّة لفكرة الحصانة المُطلقة التي اعتادت عليها الجماعات المسلّحة وكلّ من يتشبّثون بالسلطة في ليبيا.
ولهذا يبدو القلق الحالي داخل بعض دوائر السلطة مفهومًا. فالمشكلة بالنسبة لهذه الجماعات ليست في قضية الهيشري وحدها، بل في احتمال أن تتحوّل المحاسبة إلى مسار مستمر لا إلى محاكمة واحدة استثنائية معزولة. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأيّ منظومة قائمة على الإفلات من العقاب.
____________
