علي العسبلي

الاسم الرسمي المعتمد اليوم هو دولة ليبيا. ليست مملكة ولا جمهورية ولا إمارة، بل فقط دولة.

كلمة عامة وفضفاضة، وكأنها وُضعت لإغلاق النقاش لا لفتحه. دولة، ونقطة، ونهاية السطر. لا تسأل عن التفاصيل.

لكن قبل أن نسأل إن كانت ليبيا دولة أم لا، علينا أولاً أن نتفق على معنى الدولة نفسه، لأن خلافنا في العادة يبدأ من التسمية ويتوقف عندها. هكذا نحن، سطحيون جداً.

فكرة الدولة، بمعناها الحديث، ليست شيئاً وُجد منذ الأزل. فقد عاش البشر قروناً في قبائل ومجموعات، يحكمهم الأقوى أو الأقرب أو الأقدر على فرض نفسه. وظهرت الدولة عندما قررت المجتمعات، بعد حروب وفوضى طويلة، أن ترك السلاح والقرار بيد الجميع يعني حرباً لا تنتهي. فظهرت السلطة المركزية، والحدود، والقانون، وتحول العنف من ممارسة فردية إلى احتكار باسم كيان واحد يُفترض أنه يمثل الجميع.

بمعنى أبسط، لم توجد الدولة لتكون زعيماً قوياً، بل لتقيّد الأقوياء، لا لتخيف المواطن، بل لتضع حدوداً لمن يملك القوة. ولهذا لا تُقاس الدولة بعدد الوزارات والسفارات، بل بقدرتها على توحيد القرار، وجعل القانون فوق الأشخاص.

حتى كلمة دولة نفسها تحمل شيئاً من المفارقة. ففي اللغة العربية، يرتبط أصلها بالتداول والتغيّر؛ فـ دالت الأيامأي تقلبت، والدولة هي ما ينتقل من يد إلى يد. سلطة تدور، والدور آتٍ على الجميع، أو هكذا يُفترض. فالدولة، في أصلها اللغوي، لا تعني الاستقرار كما نتخيل.

وفي لهجتنا الشعبية، لم يكن لمعنى الدولة أي صلة باللغة العربية. كنا نقولها عن الشخص الواصل، صاحب النفوذ، الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، وينهي مصالحه دون الوقوف في الطوابير. “هذا دولة؛ أي إنه فوق النظام، لا جزء منه. لطالما كانت الدولة في وعينا الجمعي شخصاً، لا كياناً.

وحين ننقل هذا المفهوم إلى السياسة، تصبح الصورة أوضح قليلاً. كيف يمكن الحديث عن دولة بينما هناك أكثر من حكومة متنافسة، وأكثر من جيش متنازع، ومراكز قرار متشرذمة؟ لا توجد دولة في العالم تُدار بهذه الطريقة.

لدينا دولة على الورق، وهناك عدة دول صغيرة وهشّة على الأرض، تتصارع وتتفاوض وتدّعي الشرعية على بعضها بعضاً في الوقت نفسه.

لم يعد الانقسام مجرد أزمة مؤقتة، بل تحول إلى أسلوب حكم. حكومات تتبدل شكلياً، وأجسام سياسية تولد وتموت، وشرعيات تُستعمل عند الحاجة. وفي خلفية هذا المشهد العشوائي: سلاح، وعنف، وانتهاكات، وفساد، وفوضى، ومواطن لا يعرف فعلياً إلى أي دولة ينتمي، وما هي الدولة المسؤولة عنه.

ليبيا اليوم ليست دولة طبيعية يمكن أن يتفق عليها الجميع، بل كيان هلامي، رخْو، وغير واضح المعالم

وفوق ذلك كله، ما زلنا نعيش بمنطق القبيلة والعائلة والمنطقة والجهة، تماماً مثل الإنسان القديم. ولم تعد هذه مجرد مكونات اجتماعية، بل تحولت بدورها إلى أدوات سلطة ونفوذ وتقاسم مصالح.

الموارد تُقسَّم، والمناصب تُوزَّع، والولاءات تُشترى، والصراعات تُدار بهذه المعايير. يكفي أن تكون من عائلة حفتر أو عائلة الدبيبة حتى تُفتح لك أبواب لن تُفتح لغيرك.

لهذا، فإن ليبيا اليوم ليست دولة طبيعية يمكن أن يتفق عليها الجميع، بل كيان هلامي، رخْو، وغير واضح المعالم. لا يوجد اتفاق على نظام الحكم، ولا على شكل الدولة، ولا اسمها، ولا رسمها، ولا حتى على معنى الدولة نفسها.

نتحدث عن دولة بينما لا يوجد دستور، ولا ما يجمع الناس سوى اتفاقات شكلية وهدن هشّة قابلة للانفجار في أي لحظة.

لدينا حكومات هنا وهناك، لكن ليس لدينا حكم. لدينا وزارات، لكن بلا سياسات. لدينا قوانين، لكنها لا تُطبَّق إلا على من لا حصانة له. أما من يملك السلاح أو النفوذ أو المال، أو من ينتمي لعائلة فلان أو علاّن، فالقانون يتوقف عنده.

أكثر من عقد مرّ على هذا التيه. عشر سنوات ونيف من الانتظار، والتجريب، وتدوير الفشل، ومحاولة إقناع أنفسنا بأن ما نعيشه مجرد مرحلة انتقاليةطالت قليلاً.

وأخشى ما أخشاه أن ما يحدث الآن ليس طريقاً نحو الدولة، بل نحو تقسيم بطيء وغير معلن. ليس حتى انفصالاً واضحاً أو مشروعاً سياسياً صريحاً يمكن مناقشته، ولا شيئاً يشبه نماذج تقرير المصير التي عرفها العالم، بل كيانات أمر واقع، وحدود غير مرئية، وسلطات وعائلات تُدار من وراء الحدود. وحلم الدولة يختفي تدريجياً من الواقع، ويبقى فقط حِبراً على الورق.

_____________

مقالات مشابهة