خالد محمود

على السطح، يبدو أن ليبيا حققت اختراقاً تاريخياً.

ولأول مرة منذ أكثر من عقد، تم إقرار ميزانية وطنية موحدة قيمتها 190 مليار دينار (حوالي 30 مليار دولار). ويأتي هذا في وقت ارتفع فيه إنتاج النفط إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عشر سنوات، ليصل إلى 1.43 مليون برميل يومياً.

ومع ذلك، لم تهدّئ هذه المؤشرات الإيجابية من تحذيرات متزايدة من أن الاقتصاد الليبي يتحول تدريجياً إلى اقتصاد مشوّه، يغذيه الإنفاق الريعي والفساد الهيكلي والتهريب المنظم، وكلها تستمر تحت ظل الانقسامات السياسية والمؤسسية المستمرة.

انتصارات مالية

مع توقيع الميزانية الموحدة في أبريل/نيسان الماضي، وإقرارها من قبل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، تم تخصيص الأموال للمرتبات والدعم والتنمية والنفقات التشغيلية.

وصف محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى هذه الخطوة بأنها تقدم نحو الاستقرار المالي والوحدة الوطنية، وإعلان واضح عن قدرة ليبيا على تجاوز خلافاتها عندما تكون هناك رؤية موحدة لمستقبلها“.

وقد تم الترويج لهذا الإنجاز على نطاق واسع كدليل على استعادة الاستقرار النسبي في قطاع النفط، العمود الفقري للاقتصاد الليبي.

غير أن هذا التعافي لا يزال هشاً للغاية. فهو مرتبط بشكل مباشر بتفاهمات أمنية وسياسية قصيرة الأجل ومتقلبة، إلى جانب الهشاشة المترددة للشبكة الكهربائية والبنية التحتية النفطية.

الاعتماد المفرط على عائدات النفط يترك الاقتصاد الليبي عرضة لأي اضطراب أمني مفاجئ أو انخفاض عالمي في أسعار النفط.

في هذا السياق، يحذر البنك الدولي من أن الاعتماد المفرط على عائدات النفط، دون إصلاحات مؤسسية هيكلية، يعرّض البلاد لدورات متكررة من الهشاشة وعدم الاستقرار، خاصة في ظل الضعف المزمن لهيئات الرقابة وتشابك المصالح الاقتصادية بعمق الذي يربط مختلف الفصائل والجماعات المسلحة.

الاقتصاد المشوّه

على الرغم من ارتفاع عائدات النفط، تتصاعد التحذيرات الأُممية من أن ليبيا تتجه نحو نموذج متحول للـاقتصاد المشوّه“. فالإنفاق العام يتضخم بوتيرة تفوق بكثير القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفعلي، بينما تستمر القطاعات غير النفطية في الانكماش. والنتيجة هي دولة تعتمد بشكل متزايد على الدعم الحكومي والتحويلات الرسمية.

في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي، حذرت هانا تيتيه، القائمة بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، من الغياب التام لرؤية تنموية وطريق سياسي مسدود. وأشارت إلى وجود اقتصاد مشوّهيعتمد كلياً على المحسوبية وشراء السلم الأهلي المؤقت من خلال التوسع العدواني في الإنفاق الاستهلاكي.

تخصص الميزانية الجديدة 37 مليار دينار للمرتبات والأجور العامة، إلى جانب 37 مليار دينار أخرى للدعم. وبالإضافة إلى المرتبات والتكاليف التشغيلية للحكومات المتنافسة، تلتهم هذه البنود النصيب الأكبر من الميزانية.

كما خُصّص 18 مليار دينار للمنح العائلية والبدلات. ويعكس هذا النمط اقتصاداً ريعياً مستمراً صُمم لشراء الولاءات السياسية والاجتماعية بدلاً من بناء نموذج اقتصادي منتج ومستدام. ونتيجة لذلك، يظل الاستثمار الإنتاجي الحقيقي مقيداً بشدة.

هذا الإنفاق غير الحكيم يستنزف الاحتياطيات الاستراتيجية للدولة، تاركاً ليبيا بالكامل تحت رحمة تقلبات أسواق الطاقة العالمية وأي إغلاقات قسرية قد تفرضها الجماعات المسلحة على الحقول والموانئ النفطية في أي لحظة.

هنا يكمن التناقض الصارخ: فعلى الرغم من تحسن الإيرادات، لا تزال الخدمات العامة الأساسية مثل الكهرباء والرعاية الصحية والبنية التحتية في حالة انهيار.

وفي الوقت نفسه، يستمر التضخم في الارتفاع وتتدهور القوة الشرائية، مما يثبت أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة موارد. إنها في الأساس أزمة حوكمة وإدارة وتوزيع للثروة.

جرح الـ 20 مليار دولار النازف

أحد أخطر أعراض هذا التشوه الاقتصادي هو نظام دعم الوقود. فما كان المقصود منه أن يكون شبكة أمان اجتماعي تحمي الفئات الضعيفة، تحول إلى اقتصاد موازٍ ضخم — بقرة حلوبتستغلها شبكات الفساد العابرة للحدود والمهربون والميليشيات المسلحة.

وفقاً لتقرير استقصائي، تصاعد تهريب الوقود في ليبيا ليصبح أزمة وطنية كبرى ومشروعاً ضخماً لجني الأرباح غير المشروعة يديره جهات سياسية وأمنية مرتبطة بالدولة، مما يكلف البلاد خسائر فادحة تتجاوز 20 مليار دولار بين عامي 2022 و2024″.

في السياق نفسه، أكدت مجموعة الأزمات الدولية أن السلطات الليبية تشتري الوقود بعملة صعبة من الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة، فقط لتبيعه محلياً بأسعار اسمية مدعومة بشدة.

ثم تعترض الجماعات المسلحة هذا الوقود وتنقله وتهربه عبر البحر الأبيض المتوسط والحدود البرية لإعادة بيعه بأسعار السوق السوداء الدولية. وفقاً لديوان المحاسبة الليبي، فإن فاتورة استيراد الوقود المتصاعدة تستهلك الآن ما يقرب من 40% من إجمالي عائدات النفط.

يمثل هذا نزيفاً منهجياً ومستمراً يفرغ الميزانية الموحدة من قيمتها التنموية المقصودة، محولاً إياها بدلاً من ذلك إلى آلية لتمويل كيانات موازية.

كما يكشف كيف أصبحت شبكات التهريب مرتبطة بشكل مباشر بشخصيات نافذة داخل المؤسستين الأمنية والسياسية، مما يوفر مصدراً مستداماً لتمويل الجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي.

إدامة الانقسام

وبعيداً عن دفاتر الأرصدة المالية، يرى محللون جيوسياسيون أن ميزانية الـ 190 مليار دينار ليست أكثر من فخ سياسيصُنع بدقة، يعمل على ترسيخ الانقسام وإضفاء الطابع المؤسسي عليه بدلاً من حله.

إن التدفق المفاجئ لهذه الكميات الهائلة من السيولة يضعف بشكل مباشر أي حوافز لدى النخب الحاكمة المتنافسة في الشرق والغرب لتقديم تنازلات حقيقية نحو تسوية شاملة أو الانتخابات التشريعية والرئاسية المؤجلة منذ فترة طويلة.

تحذر دراسات دولية من أن طفرة النفط يمكن أن تتحول بسهولة إلى عامل يكرّس اقتصاد الحرب، ويقوي شبكات الفساد والميليشيات المسلحة على حساب الاستقرار المؤسسي.

أشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن التدفقات الضخمة لعائدات النفط تقلل من حوافز الأطراف المتنافسة للوصول إلى تسوية سياسية دائمة، لأن استمرار الانقسام يسمح للنخب المسلحة والسياسية بالاستفادة من اقتصاد الحصص والاحتفاظ بالسيطرة على موارد الدولة.

إن تدفق الأموال وتوزيع بنود الميزانية على أساس الحصص يوفر للكيانات الموازية وميليشياتها التابعة الموارد اللازمة للحفاظ على الوضع الراهن.

فبدلاً من استخدام الميزانية كأداة ضغط دولية لفرض إصلاحات هيكلية وسياسية، تم تحويلها إلى مظلة مالية لتمويل شبكات النفوذ وشراء ولاء أمراء الحرب والفصائل المسلحة.

وبالتالي، يُحذّر الخبراء من أن التدفق غير المنقطع لأموال النفط، في غياب تسوية سياسية شاملة، سيعمل بشكل فعال على ترسيخ اقتصاد ريعي مسلح“. في ظل هذا النظام، تصبح السيطرة على مؤسسات الدولة وحقول النفط جزءاً من معادلة تقاسم السلطة بين الفصائل المتنافسة، بدلاً من أن تكون خطوة نحو بناء دولة مستقرة.

هدنة مالية

لا شك أن اعتماد ميزانية موحدة يُعد خطوة رمزية مهمة، لكن الخطر الأكبر لا يكمن في حجمها، بل في كيفية إدارتهافبدلاً من أن تكون بوابة لإعادة بناء الدولة، فإنها تخاطر بأن تصبح أداة جديدة لتغذية شبكات النفوذ والمحسوبية بين مراكز القوى في الشرق والغرب.

وبدون إصلاحات جذرية لنظام الدعم، وبدون توحيد حقيقي للمؤسسات الأمنية والمالية، قد تتحول ميزانية 2026 من فرصة لإنقاذ الدولة إلى مجرد هدنة مالية“. قد تؤجل فقط الانفجار الحتمي التالي، وتعمق إدمان ليبيا الشديد على الريع النفطي، وتبعد الاستقرار الحقيقي إلى ما هو أبعد من المتناول.

___________

مقالات مشابهة