عبدالله الكبير

مسار آخر محتمل تعلنه المبعوثة الأممية في إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن، في إطار سعيها لإحداث اختراق في الأزمة الليبية.
فبعد إخفاق المحاولة الأولى عبر مجلسي النواب والدولة، وعدم التقدم، حتى موعد الإحاطة، في المحاولة الثانية عبر اللجنة المصغرة 4+4، والذي لم يحقق ما تصبو إليه البعثة حتى الآن إذ قالت تيته في إحاطتها: “أحرز الاجتماع المصغر بعض التقدم، بيد أنه ما يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به “.
ومع فرضية عجز الاجتماع المصغر على تجاوز الخلاف حول القوانين الانتخابية، تخطط السيدة تيته للذهاب إلى لجنة حوار سياسي موسع، مؤملة أن يحقق ما أخفقت فيه المسارات السابقة.
وهذا البديل الذي سبقت أن أشارت إليه في أكثر من مناسبة، يحتاج إلى دعم قوي وواضح من مجلس الأمن، لكي يترجم على أرض الواقع، من دون إهمال الصعوبات الداخلية الأخرى في معايير اختيار المشاركين، ومدى اتساع تمثيلهم لمختلف القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية.
بالتوازي مع مبادرة البعثة الأممية وجهودها في رسم مسار مقبول إلى الانتخابات، تعود مبادرة مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي ترمب إلى واجهة المشهد، بعد تصريحات بولس الأخيرة المنشورة على صفحات فايننشال تايمز، عن رؤيته لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية بتولي إبن حفتر رئاسة المجلس الرئاسي وبقاء الدبيبة رئيسا للحكومة، وكان المتغير الأبرز هو صدور بيان عن معسكر حفتر يعلن قبوله للمبادرة وانفتاحه على مناقشة تفاصيلها، ولكن جبهة الرفض لها في الغرب الليبي ما تزال قائمة.
وقبل إعلان تيته لإحاطتها بساعات قليلة صدرت عن مجلس الرئاسات الثلاث( المنفي وعقيلة وتكالة) وثيقة المبادئ الوطنية التي تؤكد على الملكية الليبية للحل السياسي والتعهد بمعالجة القاعدة الدستورية للانتخابات بناء على مخرجات لجنة 6+6 وما تم التوافق عليه في اجتماع الرئاسات الثلاث في 10 مارس 2024 أحمد أبوالغيط برعاية الأمين العام الجامعة العربية، وتحديد موعد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية لا يتجاوز 17 فبراير العام المقبل.
الوثيقة المفاجئة كانت ردا صريحا وواضح على مبادرة بولس، والدافع الرئيس لها هو استشعار أطرافها بأنها تقصيهم أو تهمش دورهم في المشهد السياسي، فالمنفي سيخسر موقعه لصالح صدام حفتر، وعقيلة وتكالة ومجلسيهما لن يكون لهما دور في العملية السياسية حاضرا ومستقبلا، بعد تقاسم السلطة بين الطرفين الفاعلين شرقا وغربا، رغم رفض أو تحفظ الأخوة حفتر، خشية فقدانهم امتيازاتهم إذا ذهبت السلطة إلى شقيقهم، وهم يريدون أن يكونوا شركاء قدم المساواة في السلطة والنفوذ، لا أن يجمع أحدهم كل السلطات في يده.
تبدو كل المبادرات تدور في نفس الدائرة منذ سنوات، فطريق التغيير الحقيقي عبر المسار الدستوري أو الانتخابات النيابية يتجنبه الجميع، البعثة والمجتمع الدولي والأطراف المحلية، والمجاهرة بالدعوة للاستفتاء على مسودة الدستور من رئيس الحكومة ليست سوى رسالة طمأنة للأطراف السياسية والعسكرية والاجتماعية الداعمة له، خاصة مع عدم إعلانه موقفا واضحا من مبادرة بولس، التي لا يستطيع الجهر برفضها لأنه سيضع نفسه في خانة الرافض للحل السياسي.
أما الشعب الليبي صاحب المصلحة الحقيقية في إقرار دستور يوحد البلاد ويحافظ على السيادة الوطنية، فهو غائب وغير فاعل في الحراك السياسي، وهذا الغياب خلف فراغا هائلا تمددت فيه القوى الدولية والإقليمية، وباتت البلاد نهبا للصراع والتنافس.
الموقف الدولي من الأزمة الليبية ما يزال متباينا، وقد تجلى هذا في كلمات مندوبي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، فبينما تقف الدبلوماسية الأمريكية خلف صفقة بولس، يظهر التحفظ الأوروبي في الرؤية البريطانية.
أما روسيا فهي تقف على النقيض من مبادرة بولس، وتشير بإيجابية إلى وثيقة المجالس الثلاثة، إذ قالت المندوبة الروسية “نؤمن بأن أكثر المسارات قابلية للنجاح هي تلك التي تنفذ من خلال المؤسسات الليبية القائمة وتتماشى مع الاتفاقيات المبرمة “.
هذا التباين في المواقف الدولية لا يساعد تيته على إحراز أي تقدم في تنفيذ مبادرتها، فهي بحاجة إلى مساندة حقيقية للضغط على الأطراف الفاعلة حتى تقع الاستجابة، ولعل الفرصة الأخيرة لها هي طرح آلية الحوار السياسي الموسع في إحاطتها المقبلة، كبديل يمكن أن ينجز ما عجزت عنه المسارات السابقة.
___________
