عمر الليبو
ليبيا تواجه أزمة ثقة متكررة فالشعارات الكبرى لم تُترجم إلى نتائج ملموسة والمواطن ما زال ينتظر سلطة سياسية موحدة تُنهي الانقسام وتعيد بناء الدولة.
هذا السؤال لم يعد مجرد طرح نظري، بل أصبح معضلة يومية يعيشها الليبيون منذ أكثر من عقد من الزمن. فقد مرّت البلاد بأزمات متلاحقة، وكلما اشتدت الأزمة ظهر أمام الليبيين حل جديد يحمل عنوانًا كبيرًا وشعارًا جميلاً، لكنه في كثير من الأحيان لم يكن نهاية للأزمة، بل بداية لأزمة أخرى بشكل مختلف.
منذ سقوط النظام السابق عام 2011، جُرّبت في ليبيا معظم الصيغ السياسية الممكنة؛ من المجالس الانتقالية إلى الحكومات المؤقتة، ومن الاتفاقات الأممية إلى الحكومات المنبثقة عن الحوارات السياسية، ومن محاولات تقاسم السلطة إلى مبادرات توحيد المؤسسات.
وعلى الرغم من اختلاف الأسماء والمرجعيات، بقيت النتيجة واحدة: سلطات متعددة، وشرعيات متنافسة، ومواطن ينتظر دولة لم تكتمل بعد. هذا التراكم من التجارب يجعل السؤال اليوم أكثر إلحاحًا: هل تكمن الأزمة فعلًا في غياب الحلول، أم في ترتيب أولوياتها؟
قيل إن الحل يكمن في توحيد الميزانية، ثم قيل إن المطلوب هو توحيد الجيش، ثم قيل إن المؤسسات هي التي يجب أن تتوحد، وتكرر الحديث عن المصالحة الوطنية وتوحيد القرار ورفع المعاناة الاقتصادية وتحسين الخدمات، وصولًا إلى الانتخابات التي يُفترض أن تمنح الليبيين فرصة لاختيار من يحكمهم.
كل هذه العناوين تبدو صحيحة في ظاهرها، ولا أحد يرفضها، لكن المشكلة ليست في جمال الشعارات بل في من يحملها وفي الطريقة التي تُدار بها وفي النتائج التي تترتب عليها بعد كل مرحلة.
هنا يبرز سؤال الثقة في السلطة.
- من هي الحكومات التي جاءت أصلًا من أجل تحقيق هذه الوعود؟
- من هي الجهات التي قالت إنها ستنهي الانقسام وتوحد المؤسسات وتخفف معاناة المواطن وتمهد للانتخابات؟
- ماذا أنجزت وماذا أخفقت في إنجازه؟
- ولماذا بقي المواطن الليبي يسمع الوعود نفسها بينما تتغير الوجوه أحيانًا وتبقى الأزمة كما هي؟
ثم يأتي السؤال الأهم:
- من هي السلطة الجديدة التي نريد أن نثق بها اليوم لتفعل ما عجز غيرها عن فعله بالأمس؟
- هل نعيد التجربة نفسها مع الأشخاص أنفسهم والعقلية نفسها والتحالفات نفسها ثم ننتظر نتيجة مختلفة؟
- وهل يمكن أن نبني دولة موحدة بأدوات سياسية أثبتت السنوات أنها جزء من الانقسام؟
- وهل يمكن أن نطلب من المواطن الليبي أن يمنح ثقته من جديد لمن لم يحافظوا عليها في المرات السابقة؟
إن ليبيا لا تحتاج إلى شعار جديد فقط، بل تحتاج إلى بداية صحيحة. هذه البداية لا يمكن أن تكون بتوحيد المال أو السلاح قبل أن نعرف من يملك القرار السياسي ومن يتحمل المسؤولية ومن يخضع للمحاسبة.
البداية يجب أن تكون من توحيد السلطة السياسية أولًا، لأن الميزانية مهما كانت موحدة تحتاج إلى سلطة واحدة تحدد الأولويات وتراقب الإنفاق، والجيش مهما كان موحدًا في الاسم يحتاج إلى سلطة سياسية شرعية مدنية يخضع لها، لا أن يكون هو بديلاً عنها، والمؤسسات مهما رُفعت فوقها لافتة التوحيد لن تعمل لصالح المواطن إذا بقي القرار موزعًا بين حكومات ومراكز نفوذ وأطراف تتقاسم الدولة بدلًا من أن تبنيها.
منذ عام 2014 دخلت ليبيا في مرحلة انقسام غير مسبوق، حيث تعددت الحكومات والبرلمانات وتوزعت المؤسسات المالية والأمنية، وأصبح كل مشروع إصلاحي رهينة للتجاذبات وكل مبادرة وطنية أسيرة للتحالفات الخارجية.
حتى المبادرات الدولية، من اتفاق الصخيرات إلى مؤتمر برلين، لم تستطع أن تفرض مسارًا موحدًا لأنها اصطدمت بغياب سلطة سياسية واحدة قادرة على التنفيذ.
الاقتصاد الليبي، رغم الثروة النفطية الهائلة، يعكس هذا الانقسام بوضوح، فميزانية الدولة بقيت محل نزاع بين الحكومات المتوازية، والإنفاق العام تحول إلى أداة سياسية لتثبيت النفوذ بدلًا من أن يكون وسيلة لتقديم الخدمات.
المواطن الليبي، الذي يعيش في بلد يملك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، يجد نفسه في مواجهة أزمات كهرباء ووقود وغلاء معيشة لأن القرار السياسي موزع والمحاسبة غائبة.
الجيش الليبي، الذي يفترض أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، أصبح بدوره انعكاسًا للانقسام، فبدلًا من أن يخضع لسلطة سياسية واحدة تحول إلى أذرع متوازية تخضع لتحالفات محلية وإقليمية.
هذا الواقع جعل الحديث عن توحيد الجيش شعارًا فارغًا، لأن أي جيش موحد يحتاج أولًا إلى سلطة سياسية شرعية مدنية تحدد العقيدة العسكرية وتراقب الأداء.
المصالحة الوطنية والانتخابات هما أيضًا عناوين جميلة، لكنهما يظلان بلا معنى إذا لم تُبنَ على أساس سياسي موحد، فالمصالحة تحتاج إلى سلطة واحدة تضمن تنفيذ الاتفاقات، والانتخابات تحتاج إلى حكومة واحدة تشرف عليها وتضمن نزاهتها، ومن دون ذلك تتحول المصالحة إلى بيانات شكلية والانتخابات إلى مغامرة قد تعيد إنتاج الانقسام بدلًا من إنهائه.
لقد فشلت كل العناوين السابقة لأنها لم تنطلق من أساس صحيح. توحيد الميزانية فشل لأن المصرف المركزي منقسم ولكل طرف أولوياته الخاصة، وتوحيد الجيش فشل لأن العقيدة العسكرية غابت والولاءات القبلية والإقليمية طغت، وتوحيد المؤسسات فشل لأن السلطة السياسية نفسها منقسمة والمؤسسات انعكاس لها، والمصالحة الوطنية بقيت شعارًا لأن الأطراف لم تتفق على سلطة واحدة تضمن التنفيذ، والانتخابات تأجلت مرارًا لأن غياب سلطة سياسية موحدة جعلها مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ويمكن الاستفادة من تجارب دول خرجت من انقسامات مشابهة.
- ففي البوسنة والهرسك احتاج بناء المؤسسات إلى اتفاق سياسي حسم أولًا سؤال الشرعية قبل إعادة هيكلة الدولة،
- وفي ليبيريا وسيراليون لم تبدأ إعادة بناء الجيش والأجهزة الأمنية إلا بعد تشكيل سلطة سياسية معترف بها داخليًا وخارجيًا،
- بينما أظهرت تجارب دول أخرى أن محاولة إصلاح المؤسسات قبل حسم سؤال السلطة لم تؤدِّ إلا إلى إطالة عمر الأزمة.
هذه التجارب لا تقدم وصفات جاهزة لليبيا، لكنها تؤكد حقيقة واحدة: الدولة تُبنى من أعلى هرم الشرعية إلى بقية المؤسسات، وليس العكس.
لقد أثبتت التجربة الليبية أن الأزمة ليست أزمة أفكار، بل أزمة ترتيب للأولويات. فكل المبادرات التي بدأت من توحيد المؤسسات أو الجيش أو الميزانية اصطدمت في النهاية بالحقيقة نفسها: لا توجد مؤسسة تستطيع أن تكون موحدة إذا كانت السلطة التي تقودها منقسمة.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل المبادرات ليس كيف نوحد الجيش أو الميزانية، بل كيف نبني سلطة سياسية واحدة تمتلك الشرعية والقدرة على اتخاذ القرار والمساءلة. عندها فقط يصبح توحيد المؤسسات نتيجة طبيعية، لا مشروعًا مؤجلًا.
فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بتسلسل منطقي يبدأ بالشرعية، ثم ينتقل إلى المؤسسات، وينتهي بالتنمية والاستقرار.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي أن يستخلصها الليبيون بعد أكثر من عقد من التجارب المتعثرة: أن توحيد السلطة ليس بندًا من بنود الحل، بل هو الشرط الذي يجعل كل الحلول الأخرى ممكنة.
__________
