عمر الليبو

الفشل في ليبيا أصبح منظومة متكاملة، تشترك فيها حكومات ومؤسسات ومراكز نفوذ ومصالح مالية وتحالفات خارجية، أكثر مما هو مسؤولية طرف واحد.

في ليبيا، لا يغادر الفشل المشهد؛ بل يعود كل مرة بوجه جديد، واسم جديد، ووعد جديد. وكلما طُرحت مبادرة للخروج من الأزمة، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا يُطلب من الليبيين أن يمنحوا فرصة جديدة لمن امتلكوا السلطة سابقًا ولم ينجحوا في إنقاذ البلاد؟

ليست المشكلة في الدعوة إلى توحيد السلطة أو إنهاء الانقسام أو الوصول إلى انتخابات حقيقية، فهذه أهداف يتفق عليها الجميع. المشكلة أن يتحول الحل إلى بوابة لعودة من أخفقوا في إدارة الدولة، وكأن الذاكرة الوطنية لا تتسع لكل ما حدث في الكهرباء والمال العام والأمن والانتخابات.

من وعد؟ ومن حكم؟ ومن كانت بيده السلطة؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق؟ هذه ليست أسئلة موجهة ضد الشرق أو الغرب أو الجنوب، بل ضد عقلية سياسية واحدة تقوم على إعادة تدوير الفشل وتقديمه في كل مرة على أنه مشروع إنقاذ جديد. ولعل ملف الكهرباء يقدم المثال الأكثر وضوحًا.

فالكهرباء في ليبيا ليست مجرد خدمة عامة، بل مرآة لحالة الدولة نفسها. وعندما تنقطع باستمرار، فإنها تكشف أزمة حكم وإدارة قبل أن تكشف أزمة إنتاج.

وفي اجتماع زليتن الأخير، تحدث رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة عن فشل إدارة الشركة العامة للكهرباء وعن الفساد وعودة الأزمة، وكأن الحكومة تقف خارج دائرة المسؤولية.

غير أن الواقع القانوني يقول غير ذلك. فقرار مجلس الوزراء رقم (760) لسنة 2021 أعاد تشكيل الجمعية العمومية للشركة العامة للكهرباء، وجعل رئيس مجلس الوزراء رئيسًا لها.

صحيح أنه لا يدير التفاصيل الفنية، لكنه يتحمل المسؤولية السياسية والرقابية العليا. ومن ثم لا يكفي أن ينتقد الإدارة التنفيذية، بل يصبح مطالبًا بالإجابة عن سؤال بديهي: من راقب؟ ومن حاسب؟ ولماذا استمرت الأزمة رغم الوعود المتكررة؟

ولا يتعلق الأمر بالدفاع عن إدارة الشركة، فهي بدورها مطالبة بالمساءلة، لكن المعيار يجب أن يكون واحدًا؛ فلا يجوز تحميل المدير التنفيذي وحده مسؤولية الإخفاق وإعفاء السلطة السياسية التي كانت تمتلك صلاحيات الإشراف والتوجيه.

كما أن التحسن النسبي الذي شهدته الشبكة في السنوات الأولى لا يمكن نسبته بالكامل إلى الحكومة الحالية، لأن جزءًا من القدرات الإنتاجية التي دخلت الخدمة كان نتيجة مشاريع بدأت قبل توليها السلطة، في غرب طرابلس ومصراتة وطبرق. ومن ينسب لنفسه لحظات النجاح، عليه أيضًا أن يتحمل مسؤولية الفشل.

فالإنجاز الحقيقي لا يقاس بافتتاح محطة أو إعلان مشروع، بل ببناء منظومة قادرة على الاستمرار والصيانة ومواكبة الطلب المتزايد. وهنا تصبح الأرقام أكثر بلاغة من الخطابات.

فديوان المحاسبة أشار إلى أن تعاقدات الشركة العامة للكهرباء تجاوزت 16  مليار دينار خلال عام 2021 وحده، بينما تخطت العقود التراكمية بين عامي 2001 و2021 أكثر من 35  مليار دينار، ومع ذلك استمر تأجيل الصيانات واستمر العجز في الإنتاج وارتفاع الفواقد.

كما تظهر بيانات مصرف ليبيا المركزي استمرار الإنفاق الضخم على القطاع؛ إذ بلغت مخصصات الشركة نحو 11.7 مليار دينار عام 2023 بين ميزانية عادية واستثنائية، ونحو 7.4  مليار دينار عام 2024، إضافة إلى أكثر من 4.3  مليار دينار خلال عام 2025.

هذه الأرقام لا تعني أن جميع الأموال ذهبت إلى إنشاء محطات جديدة، فهناك نفقات تشغيل وصيانة ورواتب ووقود. لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا: ما الذي تحوّل منها فعلًا إلى قدرة إنتاجية مستقرة؟ ولماذا بقيت الأزمة تتكرر كل صيف وكل شتاء رغم هذا الإنفاق؟

وتزداد الصورة غموضًا مع تداول أرقام أكبر من قبل شخصيات سياسية وبرلمانية. فقد تحدث عضو في مجلس النواب عن إنفاق يقارب 90 مليار دينار، بينما قدّر آخرون الإنفاق منذ عام 2021 بأكثر من 100  مليار دينار، يرتفع إلى أكثر من 200  مليار إذا أضيفت تكاليف الوقود والمبادلات النفطية.

قد لا تمثل هذه الأرقام حقائق رقابية نهائية، لكنها تكشف الحاجة إلى الشفافية. فالمطلوب ليس الدخول في جدل حول ما إذا كان الرقم 90 أو 100 أو 200 مليار، بل إصدار كشف رسمي موحد يوضح حجم الإنفاق الحقيقي، وما خُصص للمشروعات، وما أُنفق على التشغيل والوقود، وما الذي أُنجز بالفعل على أرض الواقع.

فالقضية لم تعد قضية كهرباء فقط، بل قضية مساءلة سياسية. وإذا كانت السلطة التي أخفقت بالأمس تطلب اليوم فرصة جديدة باسم الحل، فمن حق الليبيين أن يسألوا أولًا: لماذا لم تنجح حين كانت تمتلك السلطة الكاملة؟ ومن دون إجابة واضحة عن هذا السؤال، سيظل الخوف قائمًا من أن يتحول كل مشروع إنقاذ جديد إلى مجرد فصل آخر في إعادة إنتاج الأزمة نفسها.

تقدم التجارب الإقليمية معيارًا واضحًا لقياس كفاءة الإنفاق في قطاع الكهرباء. فقد أنجزت مصر، بالشراكة مع شركة سيمنس، ثلاث محطات عملاقة أضافت نحو 14.4  غيغاواط إلى الشبكة الوطنية بكلفة قاربت 6 مليار يورو. ووفق هذا المعيار، فإن توفير قدرة إضافية تتراوح بين  3و4 غيغاواط في ليبيا كان سيكلف، حتى مع احتساب ظروف الانقسام والتحديات الأمنية، ما بينو4 مليارات دولار.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: إذا كانت التصريحات المتداولة تتحدث عن إنفاق عشرات المليارات على قطاع الكهرباء، فلماذا بقيت ليبيا عاجزة عن تأمين هذا الهامش الآمن من الإنتاج؟

ففي عام 2023 بلغت القدرة التشغيلية نحو 8.2  غيغاواط، بينما تجاوز الطلب في أوقات الذروة 9 غيغاواط، ومع الأعطال ونقص الوقود تتراجع القدرة المتاحة لتعود البلاد إلى دوامة طرح الأحمال كل صيف وكل شتاء.

المشكلة ليست في حجم الأرقام وحدها، بل في غياب الوضوح. المطلوب ليس تضخيم الإنفاق أو التقليل منه، وإنما نشر كشف رسمي يجيب عن أسئلة بسيطة: كم صُرف فعلًا؟ وكم ميغاواط أُضيفت إلى الشبكة؟ وما حجم الإنفاق على التشغيل والصيانة والوقود مقارنة بالمشروعات الجديدة؟

فبقاء الليبيين بين أرقام رسمية مجتزأة وتصريحات سياسية متضاربة يعكس أزمة أعمق من أزمة الكهرباء نفسها، وهي أزمة الشفافية.

غير أن الإنصاف يقتضي ألا تتوقف المحاسبة عند طرابلس وحدها. فإذا كانت حكومة الوحدة الوطنية تُسأل عن وعودها، فإن السلطات في الشرق مطالبة بالإجابة أيضًا عن وعود الاستقرار والإدارة الرشيدة.

فمنذ سنوات ترفع المؤسسات التنفيذية هناك شعار التنظيم والسيطرة، لكنها لم تقدم للرأي العام كشفًا واضحًا بحجم الإنفاق على قطاع الكهرباء، ولا نتائج العقود المبرمة، ولا أسباب استمرار الأعطال.

وقد أثبتت الوقائع أن الأزمة ليست حكرًا على غرب البلاد. ففي مايو 2025 شهدت مدن الشرق انقطاعًا واسعًا للتيار بعد خروج محطات عن الخدمة، وتكررت خلال عام 2026 أعطال في طبرق وشمال بنغازي مع الحديث عن نقص الوقود وصعوبات تشغيل الشبكة. وهذا يؤكد أن الخلل بنيوي، ويتجاوز الحكومات والأقاليم إلى طريقة إدارة الدولة نفسها.

والأمر ذاته ينطبق على ملف الأمن. فمن يرفع شعار الاستقرار والسيطرة لا يُحاسب على الشعارات، بل على النتائج.

وقد أظهرت الأحداث المتكررة في الجنوب، من التوترات الحدودية إلى الاشتباكات قرب الحدود مع النيجر، أن الحديث عن السيطرة الكاملة لا ينسجم دائمًا مع الواقع. فالأمن الحقيقي لا يقاس بعدد البيانات العسكرية، بل بقدرة الدولة على حماية المواطنين وتأمين الحدود وفرض سيادة القانون.

كما أن تركّز السلطة داخل دوائر ضيقة أو عائلات أو مراكز نفوذ يعيد إنتاج المشكلة ذاتها. فالليبيون لم يرفضوا حكم الفرد عام 2011 ليجدوا أنفسهم أمام نماذج مشابهة بأسماء مختلفة. الدولة لا تُبنى حين تختفي المؤسسات خلف الأشخاص، ولا حين تُستبدل المحاسبة بالولاء.

لقد أصبح الفشل في ليبيا منظومة متكاملة، تشترك فيها حكومات ومؤسسات ومراكز نفوذ ومصالح مالية وتحالفات خارجية، أكثر مما هو مسؤولية طرف واحد.

ولذلك فإن توحيد السلطة السياسية يجب ألا يكون مجرد جمع لهذه الأطراف تحت سقف واحد، بل بداية لإنهاء أسلوب إدارة المرحلة الانتقالية الذي سمح بإعادة تدوير الأزمات.

ليبيا لا تحتاج إلى سلطة موحدة بالاسم فقط، بل إلى سلطة محددة المهمة والمدة، خاضعة للرقابة والمساءلة، يكون هدفها توحيد المؤسسات، وحماية المال العام، وتهيئة الانتخابات، ووضع السلاح تحت سلطة الدولة المدنية.

ولهذا، فإن القاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة بسيطة وعادلة: من امتلك الفرصة وأخفق، لا ينبغي أن يعود إلى الليبيين بوصفه الحل. فالدول لا تتقدم بإعادة تدوير الفشل، بل بتجديد الثقة على أساس الكفاءة والمسؤولية والمحاسبة.

____________

مقالات مشابهة