زايد هدية 

بين الخطط الحكومية الطموحة والمشروعات التي تتقدم ببطء يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الطاقة المتجددة أن تنقذ البلاد من أزمتها المزمنة؟

***

تمتلك ليبيا واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي عالمياً، لكنها لا تزال تعتمد بصورة شبه كاملة على النفط والغاز لتوليد الكهرباء، في مفارقة تجعل أزمة الطاقة مرتبطة بإدارة الموارد أكثر من ندرتها.

على رغم امتلاكها واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، لا تزال ليبيا تعتمد بصورة شبه كاملة على النفط والغاز لتوليد الكهرباء، فيما تتكرر ساعات طرح الأحمال وتتزايد الضغوط على الشبكة العامة.

وبين الخطط الحكومية الطموحة والمشروعات التي تتقدم ببطء، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الطاقة الشمسية أن تنقذ ليبيا من أزمة الكهرباء المزمنة؟

طاقة غير مستغلة

حين ترتفع درجات الحرارة في الصيف الليبي إلى مستويات قياسية، يتكرر المشهد ذاته كل عام، انقطاعات طويلة للكهرباء ومحطات توليد تعمل عند حدودها القصوى، واستهلاك متزايد للغاز الطبيعي والوقود السائل لتغطية الطلب، بينما تمتد فوق البلاد واحدة من أغنى الثروات الطبيعية غير المستغلة، الشمس.

وتحدث المهندس بالشركة العامة للكهرباء جمال محمد، عن الطاقة الشمسية المتاحة لتوليد الكهرباء، بالقول إن ليبيا تتمتع بما يعادل 3200  و3500 ساعة سطوع شمسي سنوياً، ويبلغ متوسط الإشعاع الشمسي اليومي بين 6 و8 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع، فيما يصل في بعض مناطق الجنوب إلى أكثر من 1.8 كيلوواط/ساعة للمتر المربع يومياً، وهي معدلات تضعها ضمن أفضل المواقع عالمياً لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية“.

وأضاف، مع كل ذلك، فإن مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء لا تزال شبه معدومة مقارنةً بحجم الإمكانات، لأن ليبيا لا تزال تعتمد بصورة تكاد تكون كاملة على الغاز الطبيعي والنفط في إنتاج الكهرباء، الذي تجاوز 34.6 ألف غيغاواط/ساعة، بينما لم تتجاوز مساهمة مصادر الطاقة المتجددة سوى 8 غيغاواط/ساعة فقط، أي نسبة ضئيلة للغاية مقارنةً بالإنتاج الكلي. كذلك يعتمد إنتاج الكهرباء على الغاز الطبيعي بنسبة تقارب 67 في المئة، بينما يأتي نحو 33 في المئة من النفط ومشتقاته“.

هذا الاعتماد الكلي على النفط والغاز يجعل منظومة الكهرباء رهينة لتوافر الوقود، وأي اضطرابات في إمدادات الغاز أو عمليات الصيانة أو الإغلاقات النفطية تنعكس مباشرةً على ساعات الإطفاء، ويزداد الضغط مع الارتفاع المستمر في الطلب المحلي نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والاعتماد شبه الكامل على أجهزة التكييف خلال أشهر الصيف.

الشمس وميزات أخرى

من جانبها، تؤكد هيئة الطاقات المتجددة الليبية أيضاً أن البلاد تمتلك واحداً من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، إذ يتراوح بين 7.1 كيلوواط/ساعة للمتر المربع يومياً على الساحل، ويصل إلى 8.1 كيلوواط/ساعة في المناطق الجنوبية، وهو ما يجعل الطاقة الشمسية الخيار الأكثر جدوى لإنتاج الكهرباء مستقبلاً.

ولا تقتصر الميزة على الإشعاع الشمسي فقط، بل تشمل أيضاً المساحات الصحراوية الشاسعة القريبة من خطوط النقل الكهربائي، وانخفاض الكثافة السكانية في مناطق عدة، ما يقلل تكاليف إنشاء المحطات العملاقة.

ويرى خبراء الطاقة أن هذه المعطيات تمنح ليبيا فرصة للتحول من مستهلك كبير للغاز في إنتاج الكهرباء إلى دولة تستطيع توجيه كميات أكبر من الغاز للتصدير، بما يعزز الإيرادات العامة.

وبيّنت تقارير دولية أجريت في السنوات الماضية في هذا السياق، أنه على رغم الإمكانات الهائلة المتوافرة من الطاقة الشمسية البديلة، لا يواكب الاستغلال الحقيقي لهذه الثروة إلى الآن المستويات الدولية في هذا المجال التي باتت قريبة من الاعتماد الكلي على الطاقة البديلة لإنتاج الكهرباء، خصوصاً في الدول التي تشابه ليبيا في الطبيعة الجغرافية والمناخ.

وبحسب تقارير سابقة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي سيبلغ الاعتماد على الطاقات المتجددة لإنتاج الكهرباء بحلول عام 2028، 90 في المئة على مستوى العالم.

وتشير التقارير إلى أن وضع ليبيا يُعتبر جيداً لاستغلال هذا المورد الجديد، نظراً لموقعها في قلب حزام الشمس، حيث أن سنة واحدة من الإشعاع الشمسي على كل كيلومتر من الأرض تنتج طاقة تعادل 1.5 مليون برميل من النفط الخام.

ومع ذلك، وفي الوقت الذي يشهد فيه جيرانها تقدماً سريعاً بهذا المجال، لا يزال نظام الطاقة الكهربائية في ليبيا يعتمد بشكل حصري على الهيدروكربونات التي تستهلك 11 مليون طن من معادل النفط بدلاً من بيع هذا المورد في السوق الدولية في ظل الأسعار المرتفعة.

أهداف طموحة وتنفيذ بطيء

بدأت هذه الدعوات لاستغلال الطاقة البديلة والمتجددة تلقى استجابةً لدى السلطات الليبية وإن كانت بطيئة، فخلال السنوات الأخيرة أعلنت السلطة أكثر من خطة لرفع مساهمة الطاقة المتجددة.

وتستهدف الاستراتيجية الوطنية المعلنة للطاقة المستدامة حتى عام 2035 الوصول إلى نحو 4 غيغاواط من قدرات الطاقة المتجددة، منها نحو 3.3 غيغاواط من الطاقة الشمسية، إضافة إلى قرابة 600 ميغاواط من طاقة الرياح، مع تحسين كفاءة استهلاك الكهرباء بما يوفر نحو 16,926 غيغاواط/ساعة، أي ما يعادل خفض الاستهلاك بنحو  17.5 في المئة.

كذلك تستهدف الخطط الحكومية أن تصل مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إلى نحو 22 في المئة من إنتاج الكهرباء بحلول عام 2030، وهو هدف يتطلب استثمارات ضخمة وتسريع تنفيذ المشروعات المتوقفة.

لكن الفجوة لا تزال كبيرة بين الأهداف والواقع، إذ لم تدخل معظم المشروعات الكبرى مرحلة التشغيل التجاري حتى الآن.

مشروع السدادة .. الرهان الأكبر

يعد مشروع محطة السدادةالشمسية أبرز مشروعات الطاقة المتجددة في ليبيا إذ تبلغ القدرة المخططة للمشروع 500 ميغاواط، ويجري تنفيذه بالشراكة بين المؤسسة العامة للكهرباء وشركة توتال إنرجيز، ويضم نحو 1.2 مليون لوح شمسي، مع توقعات ببدء التشغيل التجاري خلال عام 2026 بعد استكمال المراحل التحضيرية.

ويمثل المشروع أول اختبار حقيقي لقدرة ليبيا على تنفيذ محطات شمسية عملاقة مرتبطة بالشبكة العامة، ويُنظر إليه باعتباره حجر الأساس لمشروعات أكبر خلال السنوات المقبلة.

إلى جانب السدادة، أعلنت السلطات عن مجموعة من المشروعات في الكفرة، وبني وليد، وتاورغاء، وتاجوراء، إضافة إلى برامج لنشر أنظمة الطاقة الشمسية في المباني الحكومية والإنارة العامة والمناطق النائية، إلى جانب خطط لتوسيع الاعتماد على الأنظمة اللامركزية في المناطق البعيدة من الشبكة الكهربائية.

ومع أهمية هذه المشاريع، فإنها لا تزال محدودة مقارنةً بحجم الطلب الذي يتجاوز آلاف الميغاواطات خلال ذروة الصيف.

أسباب التعثر

على رغم وفرة الموارد الطبيعية، اصطدمت مشاريع الطاقة الشمسية في ليبيا بعدد من العقبات، عدد المهندس جمال محمد، أبرزها قائلاً إن في مقدمة هذه التحديات، يأتي الانقسام السياسي الذي انعكس على تعدد الجهات المشرفة على قطاع الكهرباء والطاقة، إلى جانب تعقيد إجراءات التعاقد والاستثمار.

كذلك أدى تذبذب الإنفاق العام خلال السنوات الماضية إلى تأجيل عدد من المشروعات، بينما أثرت الأوضاع الأمنية في بعض المناطق على قرارات الشركات الأجنبية“.

وتابع، من بين التحديات أيضاً ضعف البنية التحتية لشبكات النقل والتوزيع، إذ إن إدخال كميات كبيرة من الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية يتطلب تحديث الشبكة وإنشاء محطات تحويل جديدة وأنظمة تحكم ذكية، إضافةً إلى أن غياب منظومات التخزين الكهربائي يمثل تحدياً إضافياً، لأن الطاقة الشمسية تنتج الكهرباء نهاراً فقط، بينما يبلغ الاستهلاك ذروته في ساعات المساء“.

مكاسب اقتصادية مضافة

لا ينظر الخبراء، في السنوات الأخيرة، إلى الطاقة الشمسية باعتبارها مجرد وسيلة لتقليل ساعات طرح الأحمال، بل باعتبارها مشروعاً اقتصادياً متكاملاً.

وبيّن أستاذ الاقتصاد علي جمعة الفوائد الاقتصادية لمشاريع إنتاج الطاقة البديلة، مبيناً أن كل ميغاواط تنتجه الطاقة الشمسية يعني تقليل استهلاك الغاز الطبيعي المستخدم في محطات الكهرباء، وهو ما يسمح بتوجيه كميات أكبر للتصدير أو للصناعات البتروكيماوية ذات القيمة المضافة“.

وأشار إلى أنه يمكن أن تسهم المشروعات الكبرى في توفير آلاف فرص العمل خلال مراحل الإنشاء والتشغيل والصيانة، إضافةً إلى جذب استثمارات أجنبية في مجالات تصنيع الهياكل المعدنية والكابلات والمحولات والخدمات الهندسية، وفي المدى البعيد، يمكن للطاقة الشمسية أن تخفض كلفة إنتاج الكهرباء، خصوصاً مع الانخفاض المستمر في أسعار الألواح الشمسية عالمياً“.

هل تصبح ليبيا مصدراً للطاقة النظيفة؟

وسلط الأستاذ علي جمعة الضوء على نقطة أخرى يمكن استثمارها من خلال انتاج الطاقة البديلة في ليبيا بما يتجاوز الحاجات المحلية، خصوصاً مع تنامي الاهتمام الأوروبي بالطاقة النظيفة، وهنا تبرز ليبيا كأحد المرشحين لإنتاج الكهرباء الخضراء والهيدروجين الأخضر مستقبلاً.

وأوضح أن الاستراتيجية الوطنية للطاقة المستدامة تشير إلى أن موقع ليبيا الجغرافي وبنيتها التحتية الحالية يمنحانها فرصة للتحول إلى مركز إقليمي لتجارة الكهرباء والغاز والهيدروجين باتجاه أوروبا وأفريقيا، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أولاً بناء سوق كهرباء مستقرة داخل البلاد، لأن تصدير الطاقة لن يكون ممكناً في ظل استمرار العجز المحلي“.

__________

مقالات مشابهة