أسامة رمضاني

عندما تسود الظلمة غرفتك فجأة، تكتشف بسرعة كيف أن عالمك كله رهين الكهرباء.

لسبب ما، لا يمكنك التعود على انقطاع التيار الكهربائي حتى إن حصل كل يوم تقريبا لفترات تطول وتقصر.

بسرعة ندرك أن الضوء المتوهج من المصباح الكهربائي جزء بسيط من استعمالات واسعة لم يكن يتخيلها توماس إديسون عام 1879 عندما اخترع المصباح.

إديسون وبقية النوابغ الذين اكتشفوا أو طوروا مختلف استعمالات الكهرباء، من بنجامين فرانكلين الى ألساندرو فولتا، ومايكل فاراداي ونيكولا تسلا، جميعهم توصلوا إلى تطبيقات من هذا الاختراع لكن لا أحد منهم كان يتوقع كل الإمكانات الهائلة التي سيجلبها.

عندما تسود الظلمة غرفتك فجأة، تكتشف بسرعة كيف أن عالمك كله رهين الكهرباء.

لكل شخص عالمه الخاص والطريقة التي يبدأ بها يومه. يبدأ يومي ويتجسم العالم من حولي عندما أضغط على زر الكمبيوتر فيستجيب لندائي.

بدون الكهرباء، يصبح الكمبيوتر مجرد قطعة أثاث عادية، لا تختلف كثيرًا عن المكتب الذي يستند إليه.

عندما يختفي الكهرباء تختفي اكتشافات وثورات علمية وتكنولوجية عديدة غيرت حياتنا من خلال الكمبيوتر.

مهما فعلت واستنجدت بالبطاريات التي تغذي الكمبيوتر المحمول فإن انقطاع الكهرباء سوف ينهي معظم المشاريع التي كانت ستشغل يومك أو على الأقل يؤجلها إلى حين يعود التيار.

عليك أن تنسى غوغل، بينغ، ياهو وبقية محركات البحث، حتى تلك التي تعول على الذكاء الاصطناعي. وكذلك تختفي من الوجود جميع وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله من أخبار وشائعات ونقاشات تملأ الدنيا وتشغل الناس.

انقطاع الكهرباء يحول جهاز تلفازك إلى مجرد شاشة صامتة معلقة على الحائط.

عندما ينضب مخزون بطاريات أجهزتك المحمولة، من هواتف وآيبادات وغيرها، تراودك نفس المشاعر التي تراود البحار الذي تتحطم سفينته أو الطيار الذي تسقط طائرته فوق جزيرة نائية معزولة عن العالم.

في عزلتك القسرية، تتساءل كيف كان البشر الآخرون يعيشون ويعملون قبل أن تصبح الأجهزة التي تعمل بالكهرباء لا غنى عنها في البيوت والمكاتب.

لو كنت تعيش في الستينيات، لربما كنت ستتواصل مع الأقارب أو الأصدقاء أو الجيران كي تشاركهم معاناتك.

تغيرت الأمور كثيرا منذ ذلك الوقت. خذ تونس كمثال. عند استقلال البلاد عن فرنسا عام 1956، كان التيار الكهربائي يصل إلى حوالي 100 ألف شخص من أصل 3.7 مليون نسمة.

كان للغروب والشروق ومصابيح الزيت معاني أخرى أيامها. وكان التواصل المباشر بين الأفراد أكثر أهمية في حياة الناس من الآلات والأسلاك وتوابعها.

الأغلب أنك لن تحاول الاتصال بجارك الذي لا تعرف حتى اسمه لتسأل عن أحواله بعد انقطاع الكهرباء.

سوف تنتظر عودة التيار من أجل الاطلاع على تلك الأحوال من خلال تعاليق أعضاء مجموعة الفيسبوك التي تشترك فيها مع بقية سكان الحي.

في الأثناء سوف تستنبط لنفسك هوايات جديدة لتعوض عن الهاتف المحمول والآيباد وتتكيف مع الظلام والحرارة. سوف تعيد اكتشاف اختراعات قديمة كالكتب والصحف الورقية، اختراعات لا تنفذ شحناتها.

لكنك تعرف أيضا أن الشركات التي تُجبر على إغلاق أبوابها والأطباء المنشغلين باحتمال نفاذ الأكسجين عن مرضاهم ليس لهم ترف التكيف مع أوضاع بعثرت مسلماتهم.

في النهاية، ليس لك من خيار سوى انتظار القرار الذي سيتخذه موظف شركة الكهرباء الحكومية بإدراج منطقة عملك أو سكناك ضمن الأماكن المحظوظة التي ستستعيد كهرباءها.

عندما يحدث ذلك، فإن أول شيء يلفت انتباهك هو الصوت التي يحدثه المكيف عندما يستأنف دفعه للهواء البارد. فجأة يصبح ذلك الصوت الذي كنت تجده مزعجًا موسيقى عذبة تشنف آذانك.

ولست وحدك في ذلك. فالاختراع الرائع لجهاز التكييف من قبل ويليس كاريير في عام 1902، لم يعد رمزا للمكانة الاجتماعية وحكرا على الموسرين. بدونه تصبح دول بأكملها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا غير قابلة للعيش. أوروبا نفسها تكتشف ذلك اليوم.

وعودا إلى مثال تونس، يلاحظ المرء كيف أصبح جهاز التكييف في البلاد ضرورة بالنسبة للجميع أمام ارتفاع درجات الحرارة مع تغير المناخ في المتوسط. وبواسطة القروض الصغرى وخطط الدفع المؤجل، يسعى حتى أصحاب الدخل المتواضع إلى الحصول على جهاز تكييف لبيوتهم أو أماكن عملهم. وجميع سكان تونس البالغ عددهم 12 مليون نسمة مرتبطون اليوم بالشبكة الكهربائية. أكثر من نصفهم يمتلكون أجهزة تكييف. والبقية يسعون إليها من أجل تخفيف وطأة الصيف القائظ.

وذلك مؤشر على أن انقطاع التيار الكهربائي، وإن تكرر، لن يغير من نمط الحياة في المنطقة ولن يلغي تطلع المواطن إلى ظروف معيشية أقل قسوة من الظروف التي تحملتها الأجيال التي سبقته.

سوف ينتظر الناس عودة التيار لاستئناف حياتهم بشكل طبيعي. ولن تصبح الشموع مجددا جزءا من الحياة العادية مهما طال الانقطاع.

_________

مقالات مشابهة