نعمان البوري

شهدت ليبيا صيفاً من الفوضى والسخط هدّد في بعض الأحيان بإسقاط الحكومة الحالية.

  • انقطاعات كهرباء متزايدة ومستمرة منذ شهر يونيو.

  • أربعة انقطاعات كهرباء إقليمية، بما فيها ثلاثة في غضون يومين.

  • هجمات بطائرات مسيّرة مسلحة على مستودعات الوقود ومحطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه.

  • عجز الحكومة أو عدم رغبتها في تحديد أو تسمية مرتكبي الهجمات بالطائرات المسيّرة.

  • تسببت انقطاعات الكهرباء في توقف عدة مرات لجميع آبار مياه النهر الصناعي — مما أدى إلى قطع ضخ المياه مؤقتاً عن جميع أنحاء البلاد.

  • تحويل الحكومة للكهرباء من القطاعات الصناعية والتجارية إلى المستخدمين المنزليين، لتجنب الاضطرابات الاجتماعية.

  • طوابير طويلة في محطات الوقود لأن المحطات التي لا تملك مولدات كهرباء أو ديزل لتشغيلها غير قادرة على ضخ الوقود.

  • ارتفاع حاد في أسعار الديزل في السوق السوداء واختفاء الديزل من السوق مع تحول البلاد بأكملها إلى استخدام المولدات.

  • المليارات التي أنفقت على قطاع توليد الكهرباء في السنوات الأخيرة، كما أكد رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة في نوبته الغاضبة الأخيرة خلال اجتماع مجلس الوزراء — بسبب فشل الشركة العامة للكهرباء في حل مشكلة انقطاعات الكهرباء.

  • عقود من الدعم الحكومي المهدر لقطاع الكهرباء.

  • إقالة رئيس الشركة العامة للكهرباء أمس نتيجة انقطاعات الكهرباء.

  • محاولة استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي الأسبوع الماضي.

  • ارتفاع سعر صرف الدينار الليبي في السوق السوداء إلى أكثر من 9 دنانير للدولار.
    كل هذه الأمور، وغيرها، أدت إلى صيحات شعبية عالية تطالب بتغيير القيادة في الشركة العامة للكهرباء، ومصرف ليبيا المركزي، والحكومة وأجهزتها الأمنية.

غير أنه في مقالته الأخيرة، يتساءل نعمان البوري، المصرفي السابق والرئيس التنفيذي الحالي لشركة تكنولوجيا مالية،: هل المشكلة حقاً في الأشخاص، أم في النظام الذي يعملون ضمنه؟

«أعتقد أن أحد أكبر الأخطاء التي لا نزال نرتكبها في ليبيا هو الاعتقاد بأن تغيير الأشخاص سيغير الواقع تلقائياً.

نقيل مسؤولاً ونعيّن آخر. نغيّر مجلس إدارة، أو نشكّل حكومة جديدة، أو نستبدل محافظاً بآخر — ثم نتوقع نتائج مختلفة.

لكننا ننسى أن نسأل السؤال الأهم:

هل المشكلة حقاً في الأشخاص، أم في النظام الذي يعملون ضمنه؟

الحقيقة أن جزءاً كبيراً من أزمة ليبيا اليوم ليست مجرد أزمة أفراد. إنها أزمة نظام مؤسسي وتشغيلي صُمّم — أو تطور على مر السنين — بطريقة تجعله غير قادر على إنتاج نتائج سليمة باستمرار.

في ظل هذا النظام، حتى الشخص الجيد والصادق والكفء سيجد صعوبة بالغة في تحقيق الكثير.

ليس لأنه لا يريد الإصلاح، بل لأن قواعد اللعبة نفسها لا تسمح له بذلك.

النظام أقوى من الفرد

عندما تعمل مؤسسة ما بإجراءات معقدة، ومسؤوليات غير واضحة، وصلاحيات متداخلة، ومساءلة ضعيفة، ورقابة غير كافية، وتضارب في المصالح، يصبح من الصعب للغاية على أي شخص أن يعمل بفعالية.

وفي النهاية، يحدث أحد أمرين:

إما أن يستسلم الفرد للنظام ويتكيف معه، أو أن يحاول مقاومته فيجد نفسه معزولاً وغير قادر على تنفيذ ما يعتقد أنه صواب.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

النظام المختل لا يفسد الناس بالضرورة لأنهم فاسدون. بل يمكنه أن يدفع حتى الأشخاص الطيبين إلى التكيف مع قواعده فقط من أجل البقاء والعمل ضمنه.

لهذا السبب، فإن استبدال فرد واحد داخل نظام مكسور قد يعطي المجتمع انطباعاً بأن شيئاً قد تغير، بينما في الواقع لم يتغير شيء جوهري.

المشكلة ليست ببساطة في من يجلس على الكرسي

علينا أن نتوقف عن اختزال أزمة ليبيا في السؤال التالي:

من هو الشخص المناسب؟

ونبدأ بالسؤال:

هل النظام الذي سيعمل فيه هذا الشخص مصمم بالفعل ليسمح له بالنجاح؟

إذا كان الجواب لا، فحتى أفضل شخص في العالم سيكافح لتحقيق تغيير ذي معنى.

نحن بحاجة إلى إعادة النظر جذرياً في كيفية عمل مؤسسات دولتنا:

  • كيف تُتخذ القرارات؟

  • من لديه السلطة لاتخاذها؟

  • من يُحاسب عندما تسوء الأمور؟

  • كيف تُقاس النتائج؟

  • كيف يتم اختيار القادة؟

  • كيف تتم التعيينات؟

  • كيف تُدار الأموال العامة؟

  • كيف يتم منع تضارب المصالح؟

  • كيف تُنفذ القوانين؟

  • وكيف نضمن الاستقلال المؤسسي والشفافية؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في صلب أي مشروع إصلاحي جاد.

لا يمكنك إصلاح نظام مكسور باستخدام نفس الأدوات

لا يمكننا أن نتوقع من النظام نفسه الذي أنتج الفشل أن يصلح نفسه دون تغيير القواعد التي يعمل بها.

الإصلاح الحقيقي لا يعني ببساطة استبدال الأشخاص. بل يعني إعادة تصميم المؤسسات نفسها.

نحتاج إلى نظام يمكّن الأشخاص الطيبين من النجاح، ويجعل الفساد أكثر صعوبة، ويجعل القرار الصحيح أسهل في اتخاذه، ويضمن أن يفهم المسؤولون أن لقراراتهم عواقب وأنهم سيُحاسبون على أدائهم.

نحتاج إلى الابتعاد عن نظام يقوم على الأفراد والعلاقات والنفوذ، نحو نظام يقوم على القانون والمؤسسات والكفاءة والشفافية والمساءلة.

لا نحتاج إلى “رجل صالح” داخل نظام سيء

حتى أفضل القادة سيواجهون قيوداً خطيرة إذا كانت المؤسسة التي يقودونها لا تعمل بشكل سليم.

ولهذا السبب، فإن الاعتماد على “منقذ” يمكن أن يكون خطيراً؛ فهو ببساطة يعيد إنتاج المشكلة نفسها.

لا نحتاج إلى بطل خارق.

نحتاج إلى نظام يمكن موظفاً عادياً وكفؤاً من القيام بعمله بشكل صحيح.

هذه هي قوة الدول والمؤسسات الناجحة.

الدولة الناجحة لا تعتمد على عبقرية وزير معين، أو محافظ، أو مدير.

إنها تعتمد على حقيقة أن المؤسسة نفسها تعمل، بغض النظر عمن يشغل الكرسي.

ليبيا بحاجة إلى إعادة تصميم، وليس مجرد استبدال

إذا أردنا حقاً تجاوز الأزمة، فيجب أن ننتقل من سياسة “تغيير الأشخاص” إلى شيء أكبر بكثير:

إعادة تصميم الدولة الليبية والطريقة التي تعمل بها مؤسساتها.

نحتاج إلى مؤسسات ذات مسؤوليات واضحة، وقرارات مبنية على البيانات، وقادة يُختارون على أساس الجدارة، ومؤشرات أداء واضحة، ومساءلة حقيقية، ورقابة فعالة، وإدارة مالية شفافة، وقضاء مستقل يحظى بالاحترام والتنفيذ.

عندها فقط سيكون لتغيير الأشخاص أثر حقيقي.

استبدال الأشخاص مع الإبقاء على نفس القواعد والإجراءات ومراكز النفوذ وآليات اتخاذ القرار هو، في أفضل الأحوال، تغيير للوجوه — وليس تغييراً للواقع.

الخلاصة

ليبيا لا تعاني ببساطة من نقص في الأشخاص الجيدين؛ ليبيا تعاني من نظام لا يسمح للأشخاص الجيدين بالعمل بفعالية.

لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست ضد فرد واحد، أو مسؤول واحد، أو حكومة واحدة.

المعركة الحقيقية هي ضد نظام بأكمله يحتاج إلى إعادة بناء.

إذا أصلحنا النظام، سيكون الأشخاص الجيدون قادرين على النجاح.

إذا تركنا النظام دون تغيير، فسينتهي به الأمر إلى التهام شخص تلو الآخر.

لا نحتاج فقط إلى تغيير من يحكم ليبيا — بل نحتاج إلى تغيير الطريقة التي تُحكم بها ليبيا.

من هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي

***

نعمان البوري هو مصرفي ليبي بارز، شغل منصب رئيس مجلس إدارة مصرف السّراي للتجارة والاستثمار الخاص. وهو حالياً رئيس مجلس إدارة “تداول”، الشركة الرائدة في قطاع التكنولوجيا المالية في ليبيا.

__________

مقالات مشابهة