تحليل مستقل يكشف أن أساليب التزوير شملت التلاعب بقاعدة بيانات السجل المدني لتسهيل التجنيس غير القانوني للحصول على وظائف عامة ورواتب ودعم حكومي.

تزوير الجنسية أحد أساليب التوطين غير الشرعي

كشفت السلطات الليبية عن وقائع تزوير في بيانات الأحوال المدنية طالت العشرات خلال الأيام الماضية، حصل خلالها مئة وسبعة وثلاثون شخصاً على أرقام وطنية يسرت لهم الانتفاع بحقوق المواطنة دون حق، في قضية واحدة ضمن ملف ضخم يتعلق بالفساد في السجلات المدنية.

وقالت النيابة العامة أن التحقيقات خلصت إلى وجود شواهد أن ثمة أرقام وطنية استندت إجراءات منحها على معلومات مزورة نسّق فعل إدراجها أحد موظفي المكتب؛ لغرض تحصيل منافع مادية غير مشروعة.

غير أن هذه الواقعة ليست منفصلة عن سلسلة من عمليات التزوير إذ رصد تحليل مستقل أعدته مؤسسة “صحراء إنتليغنس” البحثية، ما وصفه بحجم هائل من التزوير المتسلسل والممنهج في نظام السجلات المدنية الليبي، كاشفا أزمة تتجاوز تزوير الوثائق الفردية إلى التلاعب بالبنية الرسمية للسجل المدني و”تصنيع هويات” تبدو قانونية داخل النظام نفسه.

وبحسب التحليل، الذي حمل عنوان “تزوير الجنسية النظامي في ليبيا: تحقيق قائم على البيانات”، فإن مراجعة 66 منشورا رسميا صادرا عن مكتب النائب العام الليبي حتى أبريل/نيسان 2026، أظهرت أن الأزمة تطال أكثر من 4 آلاف فرد و10 آلاف و620 أسرة، فيما تواجه 278 ألفا و969 ملف جنسية خطر التزوير.

ويغطي التحقيق فترة تمتد 43 عاما، من 1982 إلى 2025، رغم أن معظم القضايا كُشفت خلال الفترة بين 2024 و2026، بينما تعود بعض عمليات التلاعب إلى تسعينيات القرن الماضي.

وأبرز أنماط التزوير، إدخال سجلات غير قانونية إلى قيود الأسر عبر إضافة أجانب أو إنشاء عائلات وهمية داخل النظام المدني الرسمي. كما شملت الأساليب التلاعب بقاعدة بيانات السجل المدني لتسهيل التجنيس غير القانوني، وتزوير الهوية للحصول على وظائف عامة ورواتب ودعم حكومي، إلى جانب وجود شبكات تجارية منظمة تبيع الجنسية والهوية، فضلا عن استغلال وثائق أرشيفية قديمة جرى تعديلها.

وارتبط استمرار هذه العمليات بخمس ثغرات رئيسية في المنظومة، منها عدم انتقال ملكية الشيفرة المصدرية للنظام بالكامل إلى الدولة، وغياب خادم مستقل لتدقيق التعديلات، وعدم وجود نظام موافقات متعدد المراحل على إدخال البيانات وتغييرها. كما أشار إلى استمرار الاعتماد على المصادقة اليدوية على الوثائق، والتأخر في إغلاق سجلات المتوفين، بما يسمح باستغلال هويات مرتبطة بأشخاص فارقوا الحياة.

وتتجاوز خطورة الظاهرة الجانب الإداري، لتشمل الأمن الوطني ونزاهة الانتخابات والمال العام. إذ يمكن للهويات المزورة أن تستخدم في التسجيل الانتخابي والحصول على الدعم والرواتب والخدمات، أو في عمليات التهريب والجريمة المنظمة والتهرب من العقوبة. كما أن غياب آليات التحقق المتبادل وضعف التنسيق بين المؤسسات يسهل انتقال التزوير بين عدة مكاتب ومناطق.

وتم رصد حالات مرتبطة بأجانب من جنسيات متعددة، مع تسجيل أكبر عدد من الحالات المرتبطة بمصريين، ثم تشاديين وتونسيين ومغاربة، إضافة إلى ماليين ونيجيريين. وفي إحدى القضايا، وردت أسماء 225 ماليا في ملف يتعلق بنقل قيود بين مكاتب مدنية في أوباري وهون وسوكنة.

لكن التقرير شدد على أن العنصر الداخلي يمثل مفتاحا أساسيا لفهم الأزمة، بعد توقيف 10 موظفين في السجل المدني، بينهم رؤساء مكاتب وأقسام وموظفون إداريون ومتخصصون في تقنية المعلومات.

ورصد التحليل مؤشرات على وجود “سوق سوداء” للهوية الليبية، إذ تراوحت الأسعار الموثقة بين 600 و70 ألف دينار، بينما سجلت قضايا أخرى رشاوى ومنافع مالية بعشرات الآلاف من الدنانير والدولارات.

وتكشف الخريطة الجغرافية، التي شملت 149 إشارة موزعة في أنحاء ليبيا، أن الظاهرة ذات نطاق وطني، مع بروز بنغازي وطرابلس وسبها وسرت كمراكز رئيسية للقضايا والتحقيقات، وامتداد الحالات من الجنوب إلى شرق البلاد وغربها.

وأخطر ما في الأزمة هو الانتقال من تزوير الوثائق إلى “تصنيع الهوية”، أي التلاعب بالسجل الرسمي لإنتاج هوية قانونية جديدة، وهو ما يهدد الثقة في مؤسسات الدولة وسيادة القانون. وللمواجهة، اقترح خمسة مسارات للإصلاح تشمل نقل ملكية الشيفرة المصدرية إلى الدولة، وإنشاء نظام مستقل لتدقيق البيانات، وفرض موافقات متعددة على التعديلات، واعتماد شهادات رقمية، وإغلاق سجلات المتوفين آليا، ضمن برنامج مشترك بين النيابة العامة ووزارة الداخلية ومصلحة الأحوال المدنية.

_____________

مقالات مشابهة