صلاح الهوني

ليبيا لا تعاني فقط من مشكلة الشرعية الانتخابية؛ إنها تعاني من مشكلة شرعية القوة.

في ليبيا، يبدو أن الجميع يتحدث عن الانتخابات، فيما يتحدث الواقع عن شيء آخر تماماً. السياسيون يتفاوضون حول القوانين الانتخابية، والبعثة الأممية تدفع نحو جدول زمني جديد، والخصوم يبحثون عن صيغة يمكن أن تجمع مؤسسات الدولة المنقسمة تحت سلطة واحدة.

لكن في مكان آخر من البلاد، بعيداً عن غرف الاجتماعات والبيانات الدبلوماسية، تدور المعركة الأكثر حسماً: من يملك القدرة على حماية النفط والكهرباء والموانئ وخزانات الوقود وشبكات الطاقة؟

قد يكون هذا السؤال أكثر أهمية من سؤال موعد الاقتراع نفسه.

ففي 6 سبتمبر/أيلول، أُعلن في طرابلس عن القبض على خلية يُشتبه في وقوفها وراء هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت حيوية، بينها خزانات نفط في طرابلس والزاوية ومحطة كهرباء في الزاوية، إضافة إلى منشأة كهرباء جنوب طرابلس.

وبحسب مصدر في وزارة الدفاع بحكومة الوحدة، تضم الخلية ليبيين وأجانب، وكشفت التحقيقات الأولية عن مخطط منظم لاستهداف منشآت حيوية. ولا تزال هذه الاتهامات بحاجة إلى استكمال التحقيقات وإثباتها قضائياً، لكن مجرد انتقال الهجمات من الاشتباك بين الجماعات المسلحة إلى استهداف شرايين الاقتصاد الوطني يكفي لإعادة تعريف السؤال الليبي كله.

فالنفط في ليبيا ليس قطاعاً اقتصادياً مثل غيره. إنه، عملياً، العمود الفقري للدولة. والكهرباء ليست خدمة عامة فحسب، بل شرط لعمل المدن والمستشفيات والمصانع والموانئ ومحطات المياه والاتصالات. ولذلك فإن ضرب منشأة نفطية أو محطة كهرباء لا يعني فقط إلحاق أضرار مادية بمرفق عام؛ إنه اختبار مباشر لقدرة الدولة على الاستمرار.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ليبيا تستعد، مرة أخرى، للحديث عن الانتخابات، بينما يجري اختبار قدرتها على حماية الشروط المادية التي تجعل أي انتخابات قابلة للحياة.

لقد أصبح واضحاً أن المشكلة الليبية لم تعد مجرد خلاف على هوية الرئيس المقبل أو شكل الحكومة القادمة. المشكلة الأعمق هي أن أدوات القوة الفعلية ما زالت موزعة بين مؤسسات رسمية وجماعات مسلحة وشبكات مصالح محلية، فيما تبقى الموارد السيادية عرضة للضغط والابتزاز والتعطيل. وهذا ما يجعل الانتخابات، مهما كانت أهميتها، جزءاً من المشكلة وليس الحل الكامل لها.

فما قيمة انتخاب سلطة جديدة إذا كانت لا تستطيع حماية منشأة نفطية؟

وما معنى حكومة منتخبة إذا كانت محطة كهرباء يمكن أن تتوقف بضربة مسيّرة؟

وما جدوى الحديث عن شرعية صناديق الاقتراع إذا ظلت القوة القادرة على تغيير الوقائع على الأرض خارج مؤسسات الدولة؟

هذه ليست أسئلة نظرية.

في أغسطس/آب، شهدت الزاوية سلسلة غير مسبوقة من هجمات المسيّرات طالت خزانات وقود ومنشآت نفطية ومحطة كهرباء، قبل أن يتسبب هجوم على محطة كهرباء جنوب المدينة في تعطيل جزء كبير من القدرة الكهربائية.

وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط من احتمال اللجوء إلى إعلان القوة القاهرة إذا استمرت الهجمات على البنية التحتية النفطية، بينما اضطرت شركة جنرال إلكتريك إلى سحب فرقها الفنية من محطة الزاوية بسبب المخاطر الأمنية.

ثم جاء هجوم آخر على مستودع للوقود في طرابلس في الثالث من سبتمبر، قبل أن تتوالى التحذيرات من اتساع دائرة استهداف المنشآت الحيويةهذه التطورات تقول شيئاً بالغ الأهمية: الصراع الليبي دخل مرحلة يصبح فيها الاقتصاد نفسه ساحة للسياسة.

في السنوات الأولى بعد سقوط القذافي، كان السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة. ثم أصبح السيطرة على المؤسسات إحدى أدوات الصراع. أما اليوم، فإن المنشأة الاقتصادية ذاتها تتحول إلى ورقة سياسية وأمنية. ومن هنا تصبح حماية النفط والكهرباء أكثر من مهمة أمنية؛ إنها جزء من عملية بناء الدولة.

قد يبدو هذا الكلام غريباً في بلد يستعد، نظرياً، لانتخابات رئاسية وبرلمانية. لكنه في الحقيقة يلامس جوهر الأزمة الليبية. فالصندوق الانتخابي لا يصنع الدولة بمفرده. الانتخابات تمنح الشرعية، لكنها لا تنتج تلقائياً احتكار الدولة للقوة، ولا توحد المؤسسة العسكرية، ولا تمنع الجماعات المسلحة من التحكم في خطوط الإمداد، ولا تضمن استمرار إنتاج النفط وتصديره.

الدولة تبدأ عندما تصبح مواردها العامة ملكاً عاماً بالفعلوهذا هو الاختبار الحقيقي الذي تواجهه ليبيا الآن.

فإذا كان النفط هو المصدر الأساسي الذي يمول الموازنة، فإن السيطرة على منشآته أو تعطيلها تعني امتلاك القدرة على الضغط على الدولة نفسها. وإذا كانت الكهرباء جزءاً من حياة المواطنين اليومية، فإن ضربها يحول الأزمة السياسية إلى غضب اجتماعي مباشر. ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت المنشآت الحيوية أهدافاً ذات قيمة سياسية تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة.

الطائرة المسيّرة التي تضرب خزان وقود لا تريد بالضرورة تدمير الخزان فقط. إنها تقول للدولة: أستطيع الوصول إلى ما يفترض أن يكون تحت حمايتك.

وهذه رسالة أخطر من حجم الانفجار نفسه.

الأكثر إثارة للقلق أن ليبيا تدخل هذه المرحلة في الوقت الذي تحاول فيه الأمم المتحدة إعادة تحريك العملية السياسية. ففي نهاية أغسطس، وقع ممثلون عن المعسكرات المتنافسة اتفاقاً برعاية بعثة الأمم المتحدة يضع خارطة طريق يمكن أن تقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال 24 شهراً، ضمن مسار يستهدف أيضاً معالجة الانقسامات القانونية والمؤسسية وتوحيد السلطة التنفيذية.

لكن الاتفاق السياسي، مهما بدا مهماً، يواجه سؤالاً سابقاً عليه: من سيضمن أن الدولة التي ستنتجها الانتخابات قادرة على حماية نفسها؟

هذه النقطة تحديداً هي التي تجعل النفط اختباراً مبكراً لأي تسوية ليبية.

فالانتخابات الناجحة ليست فقط انتخابات تُجرى في موعدها، بل انتخابات تقبل نتائجها الأطراف الخاسرة. وهذه القاعدة البسيطة تصبح معقدة جداً عندما يمتلك الخاسر المحتمل سلاحاً، أو نفوذاً على منشأة نفطية، أو قدرة على تعطيل الكهرباء، أو شبكات اقتصادية مستقلة عن الحكومة المركزية.

يمكن لليبيا أن تنجح في تنظيم الاقتراع، ثم تفشل في اليوم التالي.

وقد يكون هذا هو السيناريو الذي ينبغي أن تخشاه الطبقة السياسية أكثر من تأجيل الانتخابات نفسه.

ذلك أن ليبيا لا تعاني فقط من مشكلة الشرعية الانتخابية؛ إنها تعاني من مشكلة شرعية القوة. من يملك السلاح؟ من يحمي المنشآت؟ من يفرض القانون؟ من يسيطر على الحدود؟ من يستطيع إيقاف النفط؟ ومن يستطيع أن يعيد الكهرباء؟ ومن يضمن ألا تتحول مؤسسات الدولة إلى غنائم بعد كل انتقال سياسي؟

هذه الأسئلة لا يمكن لصندوق الاقتراع أن يجيب عنها وحده.

والأخطر أن استمرار هذا الوضع يسمح بإعادة إنتاج الاقتصاد السياسي نفسه الذي أطال عمر الانقسام. فكلما أصبحت المنشآت النفطية والكهرباء ومنافذ التوزيع أهدافاً للصراع، أصبح امتلاك القدرة على حمايتها أو تعطيلها مصدراً للقوة. وعندما تصبح القوة الاقتصادية مرتبطة بالقوة المسلحة، يصبح من الصعب بناء مؤسسات مستقلة عن شبكات النفوذ.

لهذا فإن المعركة الحقيقية في ليبيا قد لا تكون بين المرشحين الذين سيظهرون على شاشات التلفزيون في موسم الانتخابات المقبل، بل بين من يريد دولة تحتكر إدارة مواردها، ومن يريد استمرار نظام يستطيع فيه الفاعل المسلح أن يفاوض الدولة من موقع القوة.

وهنا ينبغي أن تتغير الأولويات الدولية أيضاً.

ليس كافياً أن تساعد الأمم المتحدة الليبيين على صياغة القواعد الانتخابية. وليس كافياً أن تضغط القوى الدولية من أجل تحديد موعد للاقتراع. وليس كافياً أن تتوصل الأطراف إلى حكومة جديدة إذا بقيت المنشآت السيادية رهينة التوازنات المحلية.

المطلوب هو أن تصبح حماية البنية التحتية الاقتصادية جزءاً صريحاً من أي تسوية سياسية. قد يكون هذا أكثر أهمية من توزيع بعض المناصب.

فالنفط يجب أن يُعامل بوصفه مؤسسة سيادية لا ورقة تفاوضية، والكهرباء بوصفها خدمة وطنية لا امتيازاً سياسياً، والمنشآت الحيوية بوصفها ملكاً عاماً لا ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات.

وإذا كانت ليبيا تريد فعلاً الانتقال إلى دولة موحدة، فإن أول اختبار لذلك الانتقال ليس في صناديق الاقتراع، بل في قدرتها على جعل خزان النفط آمناً، ومحطة الكهرباء محمية، والميناء مفتوحاً، والمؤسسة الوطنية للنفط بعيدة عن الابتزاز السياسي والعسكري.

المفارقة أن النفط الذي كان يفترض أن يكون سبباً لازدهار ليبيا تحول، طوال سنوات، إلى واحد من أهم مصادر صراعها. والآن يبدو أن المعركة انتقلت إلى مستوى أكثر خطورة: لم يعد الصراع فقط على من يحصل على عائدات النفط، بل على من يستطيع حماية النفط نفسه.

وهنا يصبح السؤال عن الانتخابات أقل بساطة مما يبدو.

فالانتخابات قد تمنح ليبيا رئيساً وبرلماناً وحكومة. لكنها لن تمنحها تلقائياً دولة.

الدولة تبدأ عندما يصبح السلاح تابعاً للقانون، والموارد ملكاً للمؤسسات، والمنشآت الحيوية خارج دائرة الانتقام، والمال العام منفصلاً عن موازين القوة المحلية. وعندما تصبح هذه القواعد قائمة، تصبح الانتخابات وسيلة لتغيير السلطة.

أما قبل ذلك، فقد تتحول الانتخابات نفسها إلى مجرد جولة جديدة في الصراع على الدولةولذلك فإن ما حدث في الزاوية وطرابلس ليس مجرد ملف أمني ينبغي أن ينتهي بالقبض على خلية أو تفكيك شبكة. إنه إنذار سياسي.

فإذا كان بالإمكان استهداف النفط والكهرباء بالمسيّرات اليوم، فما الذي يمنع استهداف مؤسسات الدولة غداً؟ وإذا كانت السلطة عاجزة عن حماية شرايين الاقتصاد، فكيف ستتمكن من حماية نتيجة انتخابية قد ترفضها أطراف مسلحة؟

ليبيا لا تحتاج فقط إلى انتخابات تنتج سلطة جديدة؛ إنها تحتاج أولاً إلى دولة تستطيع أن تجعل نتائج الانتخابات قابلة للحياةولهذا ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة ليس: متى يصوت الليبيون؟ بل: من سيحمي الدولة التي سيصوتون لها؟

___________

مقالات مشابهة