بشار نرش
في مشهد ليبي لا تعوزه المفارقات، لا تبدو الأزمة الراهنة مجرّد خلاف جديد بين شخصيات سياسية، بقدر ما تبدو اختباراً لقدرة منظومة الحكم المؤقتة على الصمود أمام ضغوط التوازنات الدولية الجديدة التي تعيد ترتيب أوراق النفوذ في طرابلس وشرق البلاد.
فالتوتر المتصاعد بين رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يكشف، في جوهره، هشاشة الترتيب الذي جمع الرجلين منذ تشكيل السلطة التنفيذية المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي في جنيف عام 2021، وهو ترتيب قام على تسوية مناطقية وسياسية أكثر مما قام على مشروع حكم متكامل.
ويبدو أنّ التحوّلات المتسارعة في المشهد السياسي الليبي لا تضغط على هذا الترتيب فحسب، بل تهدّد أيضاً بإعادة النظر في التحالف الهش الذي جمع الرجلين، في وقتٍ لم تعد فيه التوازنات التي سمحت بولادة هذه السلطة هي نفسها التي تحكم ليبيا اليوم، بعدما دخلت قوى دولية ومسارات سياسية جديدة على خط إعادة رسم خريطة النفوذ وترتيبات السلطة المقبلة.
ما يتغيّر اليوم ليس مواقع اللاعبين فحسب، بل طبيعة السؤال السياسي نفسه، ففي المرحلة التي أعقبت تشكيل السلطة التنفيذية المؤقتة، كان السؤال حول كيفية إدارة الانقسام والحفاظ على حد أدنى من التوازن بين شرق البلاد وغربها، أمّا اليوم فقد انتقل النقاش إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك القدرة على إعادة تشكيل السلطة، ومن يملك أوراق التأثير الكافية لضمان موقعه في ترتيبات المرحلة المقبلة؟
في هذا السياق، تكتسب التحرّكات الأميركية أخيراً، إلى جانب تفاهمات لجنة “4+4″، أهمية تتجاوز حدود المبادرات السياسية المعتادة، لأنّها تأتي في لحظة يبدو فيها أن إدارة الانقسام لم تعد كافية بالنسبة إلى القوى الدولية المعنية بالملف الليبي، وأنّ المقاربة المطروحة تتجه نحو إعادة هندسة التوازنات نفسها من خلال إيجاد صيغة جديدة تُدخل القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها في ترتيباتٍ تنفيذيةٍ أكثر توحيداً تمهيداً لمسار انتخابي يُفترض أن يُنهي، ولو نظرياً، مرحلة الحكومات الانتقالية المتنافسة.
ومن هذه الزاوية، لا يعود التوتر بين المنفي والدبيبة مجرّد انعكاس لخلاف داخل السلطة التنفيذية، بل يصبح جزءاً من صراع أوسع على موقع كل منهما في المعادلة السياسية التي يجري تشكيلها.
فالرجلان اللذان جمعتهما تسوية جنيف يجدان نفسيهما اليوم أمام حسابات مختلفة، إذ يبدو أنّ الدبيبة يسعى إلى الحفاظ على حضوره في أي سلطة تنفيذية جديدة، مستفيداً من موقعه الحالي وشبكة علاقاته السياسية والأمنية والمالية، في وقت يبدو فيه المنفي معنياً بالحفاظ على دوره داخل ترتيبات سياسية تتجه تدريجياً نحو إعادة صياغة السلطة بعيداً عن الصيغة التي أُنشئ بموجبها المجلس الرئاسي بشكله الحالي.
وهذا ما أظهرته واشنطن أخيراً من خلال انخراطها المتزايد في المسار الليبي، إذ عكست تحرّكات المبعوث الأميركي مسعد بولس مقاربة تربط بين توحيد المؤسسات الليبية وتهيئة الظروف أمام الاستثمارات الأميركية، سيّما في قطاع النفط.
وفي الموازاة، تداولت تقارير صيغاً محتملة لإعادة توزيع السلطة قد تُبقي عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مقابل منح موقع رئاسي رفيع لصدام حفتر.
ولا تتوقف أهمية هذه الصيغة عند حدود إعادة توزيع المواقع بين شخصيات سياسية وعسكرية، بل تطرح سؤالاً أكثر حساسية يتعلق بمن سيبقى داخل معادلة السلطة المقبلة ومن قد يجد نفسه خارجها، سيّما أن بقاء الدبيبة وصعود صدام حفتر يضع موقع محمد المنفي أمام اختبار حقيقي، في ظل ترتيبات قد تعيد رسم مواقع النفوذ داخل السلطة.
وبصرف النظر عن مدى قابلية هذه الصيغة للتحوّل إلى اتفاق نهائي، فإنّ مجرّد طرحها يكشف تحوّلاً مهمّاً في طبيعة المقاربة الدولية للملف الليبي، فلم يعد النقاش يدور فقط حول كيفية الإبقاء على السلطة القائمة وإدارة انقسامها، وإنّما يبدو أنّه يتجه نحو إعادة هندسة هذه السلطة بما يتيح دمج مراكز القوة الفاعلة في الشرق والغرب ضمن صيغة سياسية وتنفيذية أكثر توحيداً.
الأهم في هذا التحوّل أنّ إعادة هندسة السلطة لا تعني بالضرورة إنهاء الانقسام الليبي، بل قد تعني الانتقال من انقسام مكشوف بين حكومتَين ومراكز نفوذ متنافسة إلى صيغة أكثر تعقيداً يجري فيها استيعاب هذه المراكز داخل مؤسسات موحّدة شكلياً، مع الإبقاء على قدر كبير من موازين القوة الفعلية خارجها.
وربما يفسّر هذا طبيعة المقاربة الدولية الراهنة، التي تبدو أقل انشغالاً بإعادة بناء الشرعية السياسية من سعيها إلى إنتاج توازن قابل للإدارة بين القوى التي تملك النفوذ على الأرض، بما يضمن انخراطها في مسار واحد ويفتح الطريق أمام الانتخابات من دون أن تتحوّل الأخيرة إلى جولة جديدة من الصراع على السلطة.
ومن هنا يمكن فهم حساسية مواقع الدبيبة والمنفي وصعود اسم صدّام حفتر في النقاشات المتعلقة بالترتيبات المقبلة، إذ لا تتحدّد أهمية هؤلاء الثلاثة بمواقعهم المؤسّساتية وحدها، وإنّما أيضاً بقدرتهم على تمثيل شبكات أوسع من المصالح والقوى التي يصعب تجاوزها عند بناء أي صيغة جديدة للحكم.
في المحصلة، تبدو ليبيا أمام مرحلة لا يجري فيها تغيير الوجوه والمواقع فحسب، بل إعادة تعريف لقواعد إنتاج السلطة نفسها.
وبينما تدفع القوى الدولية نحو صيغة تستوعب مراكز النفوذ في ترتيبات سياسية وتنفيذية واحدة، يبقى السؤال الأهم ما إذا كان هذا سيقود إلى توحيد الدولة أم إلى توحيد مؤسّساتها شكلياً مع إبقاء القرار موزعاً بين مراكز القوة.
فالمسار المقبل لن يُقاس بعدد الأطراف التي ستجلس إلى طاولة واحدة، وإنما بقدرة الدولة الليبية على أن تصبح هي الطرف الأقوى في المعادلة.
___________