حاورته: نسرين سليمان

الأستاذ محمد معزب رئيس اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة الليبية: مجلس الدولة أعلن موقفه الرافض من اتفاق «4+4» ولجنة «6+6» لها وضع دستوري

***

تدخل الأزمة السياسية الليبية مرحلة جديدة من التجاذب حول الطريق المؤدي إلى الانتخابات، في ظل تعدد المسارات المطروحة لمعالجة الملفات التي ظلت تعرقل الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي، وفي مقدمتها القوانين المنظمة للانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية.

وعاد الخلاف إلى الواجهة بصورة أكبر بعد توقيع اتفاق لجنة الحوار المصغر «4+4» في 30 آب/أغسطس الماضي، إذ دفع الاتفاق بملفي المفوضية والقوانين الانتخابية إلى صدارة المشهد، لكنه في الوقت نفسه أثار جدلا بشأن الجهة المخولة دستوريا وقانونيا بمعالجة هذين الملفين، ومدى تمثيل المؤسسات الليبية في المسار الذي أنتج الاتفاق.

وبينما تحركت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لمتابعة تنفيذ مخرجات «4+4» وحشد الدعم السياسي لها، تمسك المجلس الأعلى للدولة بموقف رافض للمسار، قائلا إنه لم يكن ممثلا في اجتماعات اللجنة، وإن القضايا المتعلقة بالإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية تدخل ضمن اختصاص مجلسي النواب والأعلى للدولة.

وفي المقابل، أعاد اللقاء الأخير بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في أنقرة لجنة «6+6» إلى واجهة المشهد، بعد التفاهم على تفعيلها مجددا لاستكمال العمل على القوانين الانتخابية، وهو ما فتح الباب أمام سؤال بشأن العلاقة بين المسارين، وما إذا كان تحريك «6+6» يعني عمليا العودة إلى الآلية التي أنشأها المجلسان بموجب التعديل الدستوري الثالث عشر، أم أن مسار «4+4» سيستمر بالتوازي معها.

وتعود لجنة «6+6» إلى المرحلة التي أعقبت إقرار التعديل الدستوري الثالث عشر، إذ تشكلت من ستة أعضاء عن مجلس النواب وستة عن المجلس الأعلى للدولة، وتولت إعداد القوانين المنظمة للانتخابات.

وأفضى عملها إلى القانونين رقم 27 لسنة 2023 المتعلق بانتخاب مجلس الأمة، ورقم 28 لسنة 2023 المتعلق بانتخاب رئيس الدولة.

لكن صدور القانونين لم ينه الخلاف حول القاعدة القانونية للانتخابات، وظلت مجموعة من النقاط موضع نقاش بين الأطراف، خصوصا ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية والتشريعية وشروط الترشح وبعض الإجراءات المرتبطة بالطعون والجولة الثانية، فضلا عن القضايا المتعلقة بترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين.

ومع استمرار هذه الخلافات، دخلت اللجنة الاستشارية التي شكلتها البعثة الأممية على خط الأزمة، وقدمت جملة من المقترحات لمعالجة الاختلالات التي ترى أنها تحول دون قابلية القوانين للتنفيذ وقبول نتائج الانتخابات.

إلا أن الانتقال لاحقا إلى مسار «4+4» أعاد طرح إشكالية الاختصاص من جديد، وهي النقطة التي يركز عليها المجلس الأعلى للدولة في اعتراضه الحالي.

وفي الوقت ذاته، لا ينفصل الجدل حول القوانين عن ملف السلطة التنفيذية. فإجراء انتخابات تشمل مختلف أنحاء ليبيا يعيد إلى الواجهة مسألة وجود حكومة موحدة قادرة على بسط سلطتها على كامل البلاد، في ظل استمرار الانقسام التنفيذي، وهو ملف ظل حاضرا في مختلف المبادرات والتفاهمات السياسية خلال السنوات الأخيرة.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، حاورت «القدس العربي» محمد معزب، رئيس اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، للوقوف على موقف المجلس من اتفاق «4+4»، ومستقبل لجنة «6+6»، والنقاط العالقة في القوانين الانتخابية، وملف الحكومة الموحدة، وما أسفر عنه لقاء تكالة وعقيلة صالح في أنقرة.

وفي ما يلي نص الحوار:

القدس: المجلس الأعلى للدولة أعلن اعتراضه على مسار «4+4» منذ مرحلة مبكرة، فيما مضت اللجنة لاحقا إلى توقيع اتفاقها، وحددت مهلة للتعامل مع مخرجاته. أين يقف المجلس اليوم من هذا الاتفاق؟ وهل هناك إمكانية لأن يغير موقفه ويعتمده قبل انتهاء المهلة؟

معزب: المجلس الأعلى للدولة أعلن عن موقفه الرافض من اتفاق «4+4» منذ الإعلان عن تشكيل لجنة «4+4»، عبر إعلانه بتاريخ 26 آب/أغسطس 2026 بأنه لم يكن ممثلا في اجتماعات «4+4».

وأكد المجلس أن الملفات المتعلقة بالإطار القانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تدخل، من وجهة نظره، ضمن الاختصاصات الأصيلة للمؤسسات الليبية المعنية، وهي مجلس النواب ومجلس الدولة.

وبالتالي، فإن موقف المجلس هو دفع مؤسسي يتعلق بالصفة والاختصاص، ويستوجب التعامل معه عند تقييم طبيعة هذا المسار.

القدس: في مقابل مسار «4+4»، عاد الحديث بقوة عن لجنة «6+6» التي سبق أن تولت إعداد القوانين الانتخابية، خصوصا بعد التفاهمات الأخيرة بين مجلسي النواب والدولة. هل تعني العودة إلى لجنة «6+6» عمليا تجاوز مسار «4+4»، أم أن المجلس يرى إمكانية لاستمرار المسارين في الوقت نفسه؟

معزب: لجنة «6+6» هي لجنة شكلت من المجلسين، وأخذت وضعا دستوريا بحسب التعديل الدستوري الثالث عشر، وهي مختصة بإنشاء القوانين الانتخابية لمجلس الأمة، الذي يتكون من غرفتين، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وكذلك  نتخاب رئيس الدولة. وقد أنجزت اللجنة مهمتها بإصدار مجلس النواب القانون رقم 27 لسنة 2023 بانتخاب مجلس الأمة، والقانون رقم 28 لسنة 2023 بانتخاب رئيس الدولة.

إلا أنه بعد صدورهما، صدرت انتقادات واسعة، وبخاصة حول قانون انتخاب الرئيس، وهو ما استدعى دعوة اللجنة مرة أخرى للاجتماع مجددا من أجل معالجة القوانين الانتخابية. كما بادرت البعثة الأممية بتشكيل اللجنة الاستشارية، التي قدمت جملة من التعديلات القانونية التي ساهمت في معالجة هذه القوانين حتى تصبح قابلة للتطبيق وقابلة لقبول نتائجها.

وكان من المفترض أن تباشر لجنة «6+6» عملها في مسألة التعديلات القانونية، ولكن للأسف الشديد، اختارت البعثة مسارا آخر غير مسار لجنة «6+6»، وعهدت إلى لجنة «4+4» بالقيام بهذه المهام.

القدس: إذا كانت العودة إلى «6+6» مرتبطة باستكمال معالجة الإطار القانوني للانتخابات، فما أبرز النقاط التي ما زال المجلس الأعلى للدولة يرى أنها بحاجة إلى تعديل أو تفاهم قبل الذهاب إلى الانتخابات؟ وهل تقلصت بالفعل مساحة الخلاف بعد المقترحات التي قدمتها اللجنة الاستشارية؟

معزب: كما ذكرت سالفا، هناك نقاط عديدة، منها التزامن في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وربط نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإلزامية الجولة الثانية، وغيرها من المسائل المتعلقة، خاصة، بالطعون.

وقد عالجت اللجنة الاستشارية هذه المسائل، وهي مقبولة لدينا إلى حد ما. لكن بقيت بعض المسائل التي لا تزال تحتاج إلى تفاهمات بين أعضاء لجنة «6+6»، مثل ترشح مزدوجي الجنسية وترشح وانتخاب العسكريين، على سبيل المثال.

وحصلت بعض التقاربات بيننا بشأن هذه النقاط، وكنا نعول على عقد لقاء في تركيا بعد اللقاء الذي حدث في أنقرة بين رئيس المجلس الأعلى للدولة ورئيس مجلس النواب، إلا أن هذا اللقاء تم إرجاؤه حتى يومنا هذا ولم يتحقق.

القدس: أحد الملفات التي تعود مع كل حديث عن الانتخابات هو السلطة التنفيذية، خصوصا مع استمرار الانقسام ووجود سلطات متوازية. هل أصبح تشكيل حكومة موحدة تبسط سلطتها على كامل البلاد شرطا أساسيا لإجراء الانتخابات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى حكومة عبد الحميد الدبيبة؟

معزب: بالتأكيد، وجود حكومة موحدة تبسط سيطرتها على كامل التراب الليبي شرط أساسي لإجراء الانتخابات، وكانت هناك عدة خيارات مطروحة لذلك.

القدس: لقاء أنقرة الأخير بين رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح أثار كثيرا من التساؤلات بشأن إمكانية إحياء التفاهم المباشر بين المجلسين. ما الذي توصل إليه الرجلان تحديدا؟ وهل كانت هناك تفاهمات بشأن الحكومة أو إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية لم يعلن عنها حتى الآن؟

معزب: لقاء أنقرة أسفر عن تفاهمات حول المفوضية العليا للانتخابات، وكذلك تفعيل لجنة «6+6» لوضع اللمسات الأخيرة على القوانين الانتخابية، لكن لم ينفذ شيء منها حتى اليوم.

القدس: بالتوازي مع التحرك الأممي والتفاهمات بين المجلسين، برز خلال الفترة الأخيرة حديث عن مبادرة أمريكية جديدة بشأن ليبيا. هل عرضت هذه المبادرة بصورة رسمية على المجلس الأعلى للدولة؟ وهل اطلعتم على تفاصيلها أو على ما تقترحه بشأن المفوضية والقوانين الانتخابية؟

معزب: حتى اليوم لم تصلنا المبادرة الأمريكية بشكل رسمي، ولا نعرف عنها شيئا.
وإذا كان المقصود بها معالجة وضع المفوضية العليا للانتخابات وإجراء التعديلات في القوانين الانتخابية، فهي جزء من خريطة البعثة الأممية التي أعلنت عنها في آب/أغسطس 2025.

القدس: البعثة الأممية تركت الباب مفتوحا أمام الانتقال إلى آلية سياسية أوسع في حال استمرار تعثر المؤسسات في تنفيذ الخطوات المطلوبة. إذا انتهت مهلة اتفاق «4+4» من دون توافق بين مجلسي النواب والدولة وانتقلت البعثة إلى هذه الآلية، فهل يمكن أن يشارك المجلس الأعلى للدولة فيها، سواء بصفته المؤسسية أو عبر أعضاء منه؟

معزب: لا أتوقع أن يكون ذلك بصفة مؤسسية. ويتردد أن البعثة تعمل على جذب أعضاء بصفة فردية في المجلس الأعلى للدولة، وتحصل على موافقتهم بالتوقيع، وتحصل على توقيعات من مجلس النواب كذلك. ومن المعلوم أن ذلك فيه مخالفة دستورية وقانونية، ومخالفة للاتفاق السياسي والأنظمة الداخلية للمجلسين.

القدس: أمام هذا العدد من المسارات، من «4+4» إلى «6+6» وخريطة الطريق الأممية والتحركات الدولية، يبدو المشهد أكثر تعقيدا مما كان عليه قبل أشهر. ما الخطوة السياسية الأقرب التي يمكن أن يتخذها مجلس الدولة؟ وهل ما زلتم تعتقدون أن الوصول إلى الانتخابات خلال المرحلة المقبلة هدف واقعي، أم أن تعدد المسارات أبعد هذا الاحتمال؟

معزب: لو أن البعثة التزمت بخريطة الطريق التي أعلنتها في آب/أغسطس 2025، وعالجت الخلافات بين المجلسين، لوصلنا إلى الانتخابات خلال الشهور الأولى من العام القادم. ولكنها اختارت مسارا آخر خالفت فيه، من وجهة نظرنا، كل القواعد والأسس الدستورية والقانونية، وسلبت المجلسين صلاحياتهما وأعطتها لمؤسسة عسكرية وحكومة تنفيذية.

وكلاهما لا علاقة له بالتشريعات ولا بالتعيينات في الوظائف السيادية، ومستهدفان بالتغيير، وكلاهما يطمح إلى الدخول في الانتخابات القادمة، وهنا حصل ما يسمى بتضارب المصالح.

القدس: بعيدا عن الجدل الحالي حول القوانين الانتخابية، يبقى ملف الدستور والقاعدة الدستورية من أقدم الملفات العالقة منذ سنوات. أين وصل مشروع الدستور من وجهة نظر مجلس الدولة؟ وهل يمكن الذهاب إلى انتخابات رئاسية وتشريعية قبل حسم هذا الملف نهائيا وإجراء الاستفتاء؟

معزب: بالنسبة لمشروع الدستور، فهو منجز منذ عام 2017، وقد أحيل ومعه قانون الاستفتاء إلى المفوضية العليا للانتخابات منذ عام 2021. إلا أن قوى نافذة محلية ودولية أعاقت أي استفتاء يجرى على مشروع الدستور، حتى إلكترونيا، ولا يزال قابعا في أدراج المفوضية منذ أكثر من خمس سنوات.

ويمكن أن تجرى الانتخابات لو أن البعثة تلتزم باختصاصاتها، وتكون بعثة تيسير وليس تسيير، وتكون بعثة دعم وليس بعثة وصاية.

القدس: يبقى ملف المناصب السيادية وتوحيد المؤسسات واحدا من الملفات التي طال أمد التفاوض بشأنها بين مجلسي النواب والدولة. هل تحقق تقدم حقيقي في هذا الملف، وتحديدا في ما يتعلق بالمفوضية العليا للانتخابات، أم أن الخلاف بين المجلسين ما زال يمنع الوصول إلى اتفاق نهائي؟

معزب: المشكلة ليست مع المجلسين، فهذا الملف له لجنة خاصة تسمى لجنة المناصب السيادية، وقد اجتمعت عدة مرات، وبدأت بملف المفوضية العليا للانتخابات، وأنجزت 90 في المئة من موضوعها.

إلا أن البعثة الحالية، كعادتها دائما، تدخلت في الأمر وأنشأت مسارا آخر سمته «4+4»، ثبتت فيه ما تريد وما يريده أحد الأطراف بخصوص المفوضية، واعتمدت القانون رقم 10 لسنة 2014، وهو قانون أصدره المؤتمر الوطني العام، والذي تم بموجبه انتخاب مجلس النواب الحالي.

وهو قانون يحظر مشاركة الأحزاب في الانتخابات القادمة، والتي أجلت مشاركتها إلى ما بعد عامين من الآن، وثبتت السلطات القائمة الحالية، وحولت مؤسسة عسكرية إلى مؤسسة شرعية تتناول القوانين الانتخابية وتعين من تريد في الوظائف السيادية والقيادية.

_______________

مقالات مشابهة