طارق السباعي

أعاد التصديق على اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا فتح ملف التنافس على ثروات شرق المتوسط، وسط اعتراضات يونانية وأوروبية، وتساؤلات بشأن الموقف المصري، الذي يرى المتحدث السابق باسم المجلس الأعلى للدولة الليبي السنوسي إسماعيل، أنه لا ينفصل عن حسابات القاهرة الإقليمية واتفاقياتها السابقة مع اليونان، إذ يرى أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام مكاسب بحرية لمصر والتنفيذ يمهد لاستثمارات جديدة في النفط والغاز.
وفي لقاء خاص مع “عربي21“، قال السنوسي إسماعيل إن ضغوطًا مصرية ربما أسهمت في تأخير تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق منذ توقيعه عام 2019، معتبرًا أن التحولات داخل البرلمان الليبي أتاحت تمريره في نهاية المطاف، لكنه طرح في المقابل تصورًا لافتًا بشأن المصالح المصرية، إذ يرى أن الاتفاق قد يتيح للقاهرة فرصة لاستعادة مساحات بحرية، وربما الحصول على مساحة إضافية تصل إلى نحو 11 ألف كيلومتر مربع.
وبين المصالح الليبية والتركية، والحسابات المصرية، والاعتراضات الأوروبية، يطرح إسماعيل رؤيته لمستقبل الاتفاق، وفرص تحويله من تفاهم سياسي وقانوني إلى مشروعات للتنقيب عن النفط والغاز، وما قد يتركه ذلك من أثر على العلاقات بين شرق ليبيا وغربها.
لماذا تأخر التصديق على الاتفاق منذ 2019؟
ربط إسماعيل توقيع الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا بالسياق السياسي والعسكري الذي كانت تمر به ليبيا عام 2019، حين كانت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج تواجه الحرب في طرابلس وتحتاج إلى دعم عسكري تركي، وقال إن التفاهمات الفنية بشأن ترسيم الحدود تعود إلى عام 2008، عندما توصلت لجنة مشتركة بين البلدين إلى اتفاق، لكنه لم يوقع أو يفعل في ذلك الوقت.
وبحسب إسماعيل، فإن ظروف الحرب دفعت حكومة الوفاق إلى توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بالتوازي مع اتفاق للتعاون الدفاعي، فيما ظل التصديق البرلماني معطلًا لسنوات.
وأضاف أن الضغوط المصرية ربما كانت أحد أسباب تأخر التصديق خلال رئاسة عقيلة صالح لمجلس النواب، قبل أن تتغير الظروف مع تولي قيادة جديدة للبرلمان، إلى جانب دعم القيادة العامة، واقتناع عدد أكبر من النواب بأهمية تحسين العلاقات مع تركيا وفتح المجال أمام الاستثمارات المشتركة.
وشدد إسماعيل على أن تمرير الاتفاق لا يرتبط فقط بالعلاقة مع أنقرة، بل أيضًا برغبة أطراف ليبية في تجاوز قرارات سابقة بمقاطعة تركيا، واستعادة التعاون معها في قطاعات البناء والطرق والاتصالات والتكنولوجيا، إلى جانب الطاقة.
مصر تعترض.. فكيف يمكن أن تستفيد من الاتفاق؟
يرى إسماعيل أن الموقف المصري يحتاج إلى قراءة تتجاوز الاعتراض المعلن، مشيرًا إلى أن القاهرة وقّعت اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية مع اليونان في عام 2020، وهو ما قد يجعلها بحاجة إلى مساحة للمناورة قبل اتخاذ موقف نهائي من الاتفاق الليبي التركي.
وبحسب تقديره، قد يكون الاعتراض المصري مرتبطًا بالحسابات القانونية والسياسية للاتفاقيات السابقة، ورغبة القاهرة في الاحتفاظ بأوراق تفاوضية تتيح لها فتح قنوات للحوار مع تركيا، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الاتفاق الليبي التركي قد يتيح لمصر فرصة لإعادة النظر في بعض المساحات البحرية التي تأثرت بترتيباتها مع اليونان.
وقال إسماعيل إن الاتفاق قد يحد من محاولات احتساب مناطق بحرية انطلاقًا من الجزر اليونانية، بما قد يفتح المجال أمام تفاهمات جديدة تستفيد منها ليبيا ومصر وتركيا، ويطرح في هذا السياق تقديرًا بأن مصر قد تحصل على مساحة إضافية تصل إلى نحو 11 ألف كيلومتر مربع، استنادًا إلى دراسات وورش عمل داخلية في ليبيا.
لكن إسماعيل يقر بأن هذا الرقم لا يمكن اعتباره نتيجة محسومة قبل إجراء حسابات دقيقة للإحداثيات البحرية، وتحديد نقاط الالتقاء بين المناطق الاقتصادية للدول المعنية، وتشكيل لجان فنية مشتركة. ومن ثم، فإن استفادة مصر المحتملة تظل مرتبطة بمدى استعداد القاهرة للدخول في حوار مع ليبيا وتركيا بشأن ترسيم هذه المناطق.
واعتبر أن تطور العلاقات المصرية التركية قد يساعد على تهيئة الظروف لمثل هذا الحوار، بدلًا من بقاء الاتفاق في دائرة الاعتراض السياسي. ومن وجهة نظره، فإن المصالح المشتركة في الطاقة والموارد البحرية قد تتيح للدول الثلاث البحث عن ترتيبات تحقق مكاسب متبادلة.
ما الذي تكسبه ليبيا وتركيا من الاتفاق؟
على الجانب الليبي، يرفض إسماعيل اعتبار الاتفاق مكسبًا تركيًا على حساب ليبيا، وقال إن الاتفاق يمنح بلاده فرصة لتوسيع نطاق الاستفادة من مياهها الاقتصادية، وما قد تحتويه من موارد نفطية وغازية.
ويقدّر المساحة التي يمكن أن تستفيد منها ليبيا بنحو 40 ألف كيلومتر مربع، معتبرًا أن استثمار هذه المنطقة قد يفتح المجال أمام تعاون أوسع مع شركات الطاقة العالمية، لكنه يشير إلى أن الاستفادة الفعلية من هذه الموارد تحتاج إلى قدرات فنية واستثمارات كبيرة، وهو ما يجعل التعاون مع تركيا، عاملًا مهمًا في الانتقال من الاتفاق إلى التنفيذ.
أما بالنسبة إلى أنقرة، فيصف إسماعيل الاتفاق بأنه ذو أهمية استراتيجية، لأنه يمنح تركيا، بحسب تقديره، مجالًا أوسع للتحرك في شرق المتوسط في مواجهة المطالبات البحرية اليونانية القائمة على الجزر، ويرى أن المصالح التركية لا تنفصل عن مصلحة ليبيا في استكشاف مواردها، وأن الاتفاق يمكن أن يشكل أساسًا لشراكة في مجالات التنقيب والإنتاج والاستثمار.
هل يبدأ التنقيب قريبا؟ وما دور الشركات الأمريكية؟
اعتبر إسماعيل أن التصديق البرلماني أزال، من وجهة نظره، عقبة رئيسية أمام الانتقال إلى التنفيذ، مشيرًا إلى وجود اتفاقيات وعقود في قطاع النفط بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وجهات وشركات تركية.
وتوقع أن تشهد الأشهر المقبلة تحركات مرتبطة بالتنقيب التركي في المنطقة، كما يرجح توسع مشاركة الشركات الأمريكية في قطاع الطاقة الليبي، مستندًا إلى وجود اتفاقيات للتنقيب عن النفط، وإلى دخول شركات أمريكية على خط الاستثمار في ليبيا.
وطرح إسماعيل احتمال أن تستفيد الشركات الأمريكية من فرص الاستثمار في النفط والغاز، لكنه لا يقدم موعدًا محددًا لبدء عمليات التنقيب البحرية أو تفاصيل تنفيذية نهائية بشأنها. ولذلك، تظل هذه التحركات في إطار التوقعات التي عبّر عنها، لا خطوات مؤكدة بجدول زمني معلن.
الاعتراض الأوروبي.. خلاف قانوني أم صراع على النفوذ؟
وفي ما يتعلق بالاعتراضات الأوروبية، يرى إسماعيل أن موقف الاتحاد الأوروبي يتأثر بعلاقات اليونان وقبرص مع دول التكتل، ويصف الخلاف حول الاتفاق بأنه قانوني وسياسي في آن واحد، مع اعتقاده بأن التصريحات الأوروبية لن تتحول بالضرورة إلى إجراءات عملية ضد الاتفاق.
وقال إن المسار القانوني والدبلوماسي يظل، من وجهة نظره، الطريق الأنسب لمعالجة الخلافات البحرية، معتبرًا أن اللجوء إلى آليات تسوية المنازعات البحرية يمكن أن يكون خيارًا متاحًا للأطراف المعترضة.
كما اتهم إسماعيل اليونان بمحاولة دفع تركيا إلى مواجهة أوسع مع أوروبا، ويرى أن الخلاف لا يتعلق بالحدود البحرية وحدها، بل بالتنافس على النفوذ والموارد ومشروعات الطاقة في شرق المتوسط. وتبقى هذه قراءة سياسية يطرحها الضيف، في مقابل المواقف اليونانية والأوروبية الرافضة للاتفاق.
هل يقود الاتفاق إلى تقارب شرق ليبيا وغربها؟
ولا يحصر إسماعيل آثار الاتفاق في ملف الحدود البحرية، بل يربطه بإمكانية تخفيف الانقسام السياسي الليبي، ويرى أن موافقة مجلس النواب في الشرق على الاتفاق، إلى جانب دعم القيادة العامة له، قد تهيئ أرضية لتقارب أكبر مع المؤسسات في غرب البلاد.
واعتبر أن توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري قد يوفر مصلحة مشتركة للأطراف الليبية في إنهاء الانقسام، وتوحيد الحكومة والمؤسسات العسكرية، والوصول إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
_________