
اشتداد العواصف الأمنية والحروب والأزمات الاقتصادية في غالبية الدول العربية جعل الحديث عن العدالة رفاهية مؤجلة وشيئاً من الترف
ملخص
لا يمكن الحديث عن العدالة بكل صورها ومنها العدالة الاجتماعية في ظل استمرار النزاعات العسكرية والسياسية والظروف الصعبة التي تؤدي إليها. ففي ظل الحروب، يصبح البحث عن الأمن والغذاء والدواء أولويات قصوى تسبق العدالة الاجتماعية بمراحل، وفي مناطق النزاع يحرم العمال من حقوقهم وتهدر كرامتهم، ويتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب يستنزف الموارد، تاركاً الطبقات العاملة في مواجهة أعباء لا قبل لها بها.
تعد العدالة الاجتماعية من أكثر المفاهيم شعبية بين سكان الأرض، لكنها في الوقت نفسه من أكثرها بحثاً عن تعريف موحد أو مفهوم تتفق عليه الغالبية. ولأن “العدالة” كلمة محببة للنفوس، و“الاجتماعية” اسم على مسمى إذ تتصل بالمجتمع، أي مجتمع يعيش فيه البشر، فإن الجميع اتفق على شيء واحد ألا وهو محبة المسمى واحترام المعنى أياً كان.
التعريف الأكثر شيوعاً واتفاقاً أن العدالة الاجتماعية ترتكز على قيم الإنصاف والمساواة واحترام التنوع، والحصول على الحماية الاجتماعية وتطبيق حقوق الإنسان في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك مكان العمل.
عربياً، مطلب العدالة الاجتماعية كان في القلب من الرياح المسماة “الربيع العربي” التي ضربت دولاً عدة في المنطقة عام 2011. وغالب الإدارات والحكومات في الدول العربية تقول إنها عملت أو تعمل، وإنها كثفت جهودها أو بصدد التكثيف لتحسين العدالة الاجتماعية في دولها. والمنظمات الأممية تعمل بلا كلل أو ملل، وأيضاً بلا نتائج ملموسة من أجل رصد تطور مفهوم العدالة الاجتماعية وتقييم مستوياتها، ودعم الخبرات الوطنية من أجل تحقيق مزيد منها.
أما الشعوب فتراوح مواقفها ومفاهيمها في ما يختص بهذه العدالة، وذلك بين راض إلى راض إلى حد ما إلى ناقم، وصولاً إلى ناقم جداً. والثقافة والاقتصاد وترتيب الأولويات والظروف السياسية والموارد الاقتصادية، وحتى العادات والتقاليد تؤثر في مفهوم العدالة الاجتماعية وتتأثر بها.
اللافت أن كثراً باتوا يتفادون أو يتجاهلون أو يمعنون في عدم التطرق إلى العدالة لا سيما الاجتماعية، في ظل أوضاع عامة تقف على الضفة المقابلة والمناقضة لمفهوم العدالة في أبسط صورها.
وفي اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي يحتفي به العالم خلال الـ20 من فبراير (شباط) من كل عام تحرص المنظمات الأممية على تذكير سكان الكوكب، لا سيما قادتها على بناء عالم أكثر عدالة وإنصافاً، وحث جهود الجميع لمكافحة البطالة والإقصاء الاجتماعي والفقر.
هذا العام، تقف العدالة الاجتماعية نفسها في حيرة من أمرها، ويلوح بعض بأنها تشعر بقدر من الخجل وهي تطالب العالم بالاحتفاء بها، بينما مبدأ العدالة بصورة عامة والحق في البقاء على قيد الحياة والحق في وطن، مهددة بالغياب بصورة دائمة. ويشعر آخرون بأن الحديث عن العدالة الاجتماعية يبدو هذه الآونة وكأنه رفاهية لا يصح المجاهرة بها في ظل أوضاع معيشية مهددة بالانهيار بتفجر صراع أو استمرار حرب أو إجبار على تهجير، أو الإبقاء على شعوب حبيسة دائرة الفقر أو مربع العوز أو سوء الإدارة.
والعام الحالي، تتحدث منظمة الأمم المتحدة عن تعزيز التحول العادل نحو مستقبل مستدام عبر اقتصادات منخفضة الكربون، ودمج الاستدامة البيئية مع مفهوم العدالة الاجتماعية، بصورة تضمن حصول العمال والمجتمعات المهمشة على الدعم الذي يحتاجون إليه. وإذا كان الاحتفال الأممي هذا العام يركز على جهود إزالة الكربون والتحول الاقتصادي العادل، فإنه يؤكد أيضاً ضرورة السير في هذا النهج جنباً إلى جنب مع سياسات محاربة الفقر وتقليص التفاوت وإتاحة الفرص للجميع.
بحسب منظمة العمل الدولية، يتجلى مفهوم العدالة الاجتماعية في تطلع مفاده أن للجميع، أياً كان عرقهم أو معتقدهم أو جنسهم، الحق في العمل من أجل رفاهيتهم المادية، وتقدمهم الروحي في ظروف توفر لهم الحرية والكرامة والأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص مع الوضع في الاعتبار أن العمل ليس سلعة، وأن كرامة الإنسان قيمة جوهرية.
ليبيا… العدالة مطلب عاجل أصبح حلماً
وفي ليبيا كما في بقية الدول العربية التي ضربتها رياح ما يسمى “الربيع العربي“، ظلت عبارة “العدالة الاجتماعية” الأكثر تداولاً منذ اندلاع الأحداث عام 2011 وحتى الوقت الراهن. وكانت العدالة الاجتماعية مطلبهم الأول في انتفاضتهم، ثم أصبحت حلماً طاردوه كثيراً دون جدوى. ويمكن القول إن أكثر ما يفتقده الليبيون اليوم العدالة، والأطر القانونية التي توفرها وتحميها والظروف السياسية والأمنية التي توفر البيئة الملائمة لتحقيقها.
الباحث الاجتماعي أسامة العمروني يرى أن العدالة المنشودة في أي مجتمع مفتقدة إلى حد كبير في ليبيا. ويقول “العدالة الاجتماعية غائبة إلى حد كبير. غياب الأطر القانونية وآليات التنفيذ وكذلك عدم وجود خطط استراتيجية وتنموية واضحة ومستدامة تضعها الدولة من أجل تحسين مستوى حياة المواطنين، يؤكد غياب العدالة الاجتماعية“.
ظلت عبارة “العدالة الاجتماعية” في ليبيا الأكثر تداولاً منذ اندلاع الأحداث عام
ويشير العمروني إلى أنه لا يمكن حصر أسباب غياب العدالة الاجتماعية في الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد، وتبعاته من نزاعات مسلحة، وبروز قضايا إنسانية مثل النازحين والمهاجرين داخل البلاد وخارجها، والاحتقانات بين المكونات المختلفة للهوية الليبية فحسب، لافتاً إلى أن مشكلة افتقاد العدالة الاجتماعية أقدم وأعمق، موضحاً أنه حتى خلال وقت “الاستقرار السياسي” في أعوام ما قبل 2011، كان المجتمع الليبي يفتقد العدالة الاجتماعية. ويشرح ذلك في ضوء عدم وجود خطط حقيقية للتنمية أو سياسة واضحة أو مدروسة للتوزيع العادل للموارد والخدمات بين المواطنين داخل كامل الأراضي الليبية في ظل النظام السابق.
ومن جهته، يتساءل الباحث والأكاديمي محمد العنيزي عما إذا كانت العدالة الاجتماعية رفاهية مؤجلة أمام اشتداد العواصف الأمنية والحروب والأزمات الاقتصادية التي جعلت أولويات المواطن توفير حاجاته اليومية؟ ويضيف “هل يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية يوماً ما باعتبارها ضرورة ملحة للحفاظ على التماسك المجتمعي؟ فهي ليست مجرد مفهوم نظري أو شعار سياسي، بل جوهر الاستقرار في أي مجتمع“.
ويحذر العنيزي من “انعدام العدالة الاجتماعية في ليبيا أمر بالغ الخطورة، ويشكل تهديداً حقيقياً لوحدة الوطن واستقراره. والعدالة المقصودة هنا تشمل توزيع الثروات الضخمة وفق خطط تنموية شاملة وواضحة المعالم والأهداف، وحقوق العمال في الأجور العادلة وظروف العمل الإنسانية وضمان التعليم والتدريب وإتاحة فرص العمل المتساوية، فضلاً عن تحقيق التوازن في العلاقات بين أصحاب العمل والعمال“.
ويخلص العنيزي إلى أنه لا يمكن الحديث عن العدالة بكل صورها ومنها العدالة الاجتماعية في ظل استمرار النزاعات العسكرية والسياسية والظروف الصعبة التي تؤدي إليها. ويقول “في ظل الحروب، يصبح البحث عن الأمن والغذاء والدواء أولويات قصوى تسبق العدالة الاجتماعية بمراحل“، مشيراً إلى أنه في مناطق النزاع يحرم العمال من حقوقهم وتهدر كرامتهم، ويتحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب يستنزف الموارد، تاركاً الطبقات العاملة في مواجهة أعباء لا قبل لها بها“.
تبدو العدالة الاجتماعية وكأنها حلم بعيد المنال في ليبيا
وعلى رغم الواقع الصعب فإن العنيزي يرى أن الحلول موجودة وممكنة، ويقول “في ظل هذا الواقع، تبدو العدالة الاجتماعية وكأنها حلم بعيد المنال، ومع ذلك فهي ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه بل ضرورة لضمان استقرار المجتمعات ونموها. ويتطلب تحقيقها إرادة سياسية حقيقية وإصلاحات اقتصادية توازن بين مصلحة رأس المال وحقوق العمال، فضلاً عن تعزيز الحوار بين الفئات المختلفة داخل المجتمع. كما أن الابتكار والتكنولوجيا إذا أُحسن استغلالهما يمكن أن يكونا أدوات لتحقيق عدالة أكبر، وذلك عبر خلق فرص عمل جديدة وتعزيز فرص التعليم والتدريب المهني“.
ومن جهته، يقول الباحث الاجتماعي أسامة العمروني “طالما لم يدرك القائمون على وضع هذه القوانين والمسؤولون عن تنفيذها ومتابعة سياساتها أهمية تطبيق العدالة الاجتماعية على جميع شرائح ومكونات المجتمع الليبي، فستستمر الصراعات والخلافات وبينها الصراع على الموارد الأساس للدولة كالنفط والغاز. وسيستمر الشعور العام بعدم الثقة والنفور من قبل الشعب تجاه الحكومات المتصارعة. وهذا ما ترجم خلال الآونة الأخيرة على صورة حراك مدني تمثل في الخروج بتظاهرات داخل الجنوب والغرب، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وإنهاء أزمات توافر الموارد والمواد الأساس، والتوزيع العادل لها، مما يؤكد رغبة الليبيين في حياة قوامها العدالة الاجتماعية“.
______________