عبدالله الكبير
من دون تنظيم يؤطر العمل السياسي، محددا الأهداف والغايات والوسائل والزمن المطلوب لإنجاز المهمات، يفقد العمل السياسي الكثير من فاعليته.
فالتنظيم المحكم المؤسس على قواعد علمية ولوائح منظمة ومسارات واضحة للحركة وتوثيق لكل المراحل، هو الخطوة الأولى لجني الثمار، وتحقيق بعض الأهداف وربما كلها، بدون عجلة ولا تمهل يزيد عن الحدود المعقولة، والاستعداد المسبق لمشوار طويل يحتاج إلى صبر ومثابرة.
لا يوجد بلد وصل إلى مبتغاه في تأسيس دولة مستقرة وديمقراطية قابلة للنمو والتجذّر، إلا بجمع وتأطير العمل السياسي المشتت داخل تنظيمات متكاملة البنى، وهذا التوجه فضلا عن تلقائيته التي تدفعها الضرورة، كان للنخب السياسية والمدنية دورها في تأسيسه، فنشأت الأحزاب السياسية وبقية المنظمات المدنية.
ماهي الإجابة المقنعة عن أسباب فشل الحراك السياسي في المرحلة الانتقالية الحالية؟
بالطبع ليس كل حراك باء بالفشل، فبعضها نجح في فرض مطالبه، مجبرا القيادات السياسية على الاستجابة، مثل دفع المؤتمر الوطني العام على تشكيل هيأة صياغة الدستور بالانتخاب وليس بالتكليف، وإصدار قانون العزل السياسي، مع حراكات أخرى نجحت أيضا في تحقيق بعض مطالبها، ولكن كان هذا استثناء لا يلغي القاعدة.
الممارسة السياسية في الغرب متواصلة ولم تنقطع، فلا يكاد يمضي أسبوع إلا وهناك مظاهرة أو وقفة احتجاجية أو بيان، وهي ممارسة تعي في أغلبها حجم الأزمة وتطالب بسرعة إيجاد واعتماد الحلول المناسبة.
بعض الحراك كان معبرا عن قطاعات أو جهات أو مناطق، والمطالب أو الاحتجاجات كانت فئوية ولا تعبر عن مطالب وطنية خالصة، وليست هي التي نعنيها هنا، لأنها مطالب فئوية تنتهي بتحقيق مطلبها أو التوصل لتسوية مقبولة.
لا أحد من كل قطاعات الشعب لم يدرك حجم الأزمة وتفاقمها، وباستثناء فئة قليلة لم تتأثر بها بحكم مناصبها، فإن البقية تترقب أي انفراج ولو كان صغيرا، لأنه يفتح باب الأمل نحو انفراج أكبر، كونها تدفع الثمن من قوت يومها وتنعكس آثار الأزمة على كل تفاصيل معيشتها بشكل مباشر.
ورغم تعدد الرؤى عن أيسر وأقرب الطرق للخروج من الأزمة، بين إجراء انتخابات عاجلة، أو الاستفتاء على مسودة الدستور، أو تسليم السلطة للقضاء، تنتظر الأغلبية من يتخذ القرار ويمضي في أحد الخيارات، ولا بأس إن كان ثمة خيار آخر أكثر تناسبا.
المهم هو إنهاء حالة الجمود والتحرك نحو التغيير، من دون بذل جهد في بلورة هذه الخيارات داخل أطر منظمة، بخطوط واضحة للعمل عبر جمع كل المؤيدين، وتنظيم خطة طويلة الأمد ليتأسس أكثر من حراك يتبني هذه الخيارات، ويصدح بها عبر كل الوسائل المتاحة، ليس في مدينة واحدة فقط، بل لابد أن تكون له امتدادات في بعض المدن الكبيرة في البداية، ويواصل التمدد حيثما وجد من يتبني نفس الخيار.
بهذا التحرك العملي المنظم في توقيت فعالياته، والمؤسس على لوائح منظمة تنشأ الأحزاب السياسية من القاعدة، ومع الزمن تتسع دائرة الفعل السياسي المؤثر، الذي يحشد كل الطاقات والإمكانيات لخدمة هدف واضح، فينتهي الهدر والتشتت، ويعود للميادين صوتها بحناجر أحزاب حقيقية قادرة على التّحشيد والضغط، وليست مجرد لافتات أو حقائب لا قواعد شعبية لها.
_________________
