ماهر الملاّخ

الاستقرار لا يعني السكون؛ فائض الرفاه قد يُخفي عجزًا رمزيًا أعمق من الفقر.
ولأنّ الدول العربية ليست كتلة واحدة، فإنّ تفاوت الشروط البنيوية الستة (السياسية والاقتصادية والمدنية والوعي الشبابي والأمنية والإعلامية) ينعكس مباشرة على تفاوت القابلية للعدوى.
فبعض البيئات استكملت عناصر النضج، وأخرى ما تزال في طور التشكّل، وثالثة تتمنّع مؤقتاً خلف استقرارٍ هشٍّ أو وفرةٍ مادية. هكذا، يمكن رسم خريطةٍ ثلاثية المستويات للعالم العربي الراهن.
الفئة الأولى: البيئات الأكثر قابلية لعدوى الوعي المغربي:
وتضم هذه الفئة المغرب وتونس والأردن ولبنان ومصر، وهي بيئاتٌ اجتمعت فيها أغلب الشروط البنيوية الستة التي تمكّن الحراك من التحوّل من احتجاجٍ إلى وعيٍ متجدّد. في هذه المجتمعات، نضجت البنية الرقمية، وتكوّن وعيٌ شبابيٌّ أخلاقيٌّ متسائل، بينما الشرعية الرمزية للدولة ما زالت قائمة، وإن شابها وهنٌ أو اهتزازٌ في الثقة.
في المغرب، بدأ المسار بما يشبه الانفجار الهادئ: جيلٌ وُلد في فضاءٍ رقميٍّ مفتوحٍ، لكنه يصطدم يومياً بحدودٍ مغلقةٍ للكرامة والعدالة والتمثيل.
لم يكن الاحتجاج هناك على لقمة العيش بقدر ما كان على غياب الصدق، ولهذا جاء الخطاب أخلاقياً أكثر منه سياسياً، ومجتمعياً أكثر منه حزبياً.
ولأنّ التجربة المغربية جمعت بين وعيٍ نقديٍّ ناضجٍ وسلوكٍ سلميٍّ متزن، فقد تحوّلت إلى نموذجٍ معرفيٍّ محتملٍ لبقية العالم العربي، نموذجٍ يُذكّر بأنّ الإصلاح يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطنة لا من كسرها.
أمّا في تونس، فالتاريخ ما يزال حيّاً في ذاكرة الشارع: ثورة 2011 لم تمت، بل تغيّر جلدها. لقد دخلت اليوم طوراً جديداً من المراجعة النقدية العميقة، حيث لم يعد الوعي الثوري متحمّساً للشعارات بقدر ما هو عطِشٌ للنتائج.
تونس، بهذا المعنى، تعيش تفاعلاً مدهشاً بين التجربة والوعي: جيلٌ جديد يستحضر الماضي لا ليمجّده بل ليفهمه.
أمّا لبنان، فهو المرآة الأكثر جلاءً لانهيار النخب: لقد تحوّل الحراك الثقافي والاجتماعي هناك إلى صرخة أخلاقية ضد فساد الطبقة السياسية، وصار الشارع فضاءً للفنّ والفكر والمقاومة الرمزية في آنٍ واحد.
ومع أنّ الانقسام الطائفي ما يزال يحاصر الإمكان السياسي، فإنّ الوعي اللبناني، بصفائه الثقافي وتعدديته النقدية، يمتلك مناعةً فريدةً ضدّ القهر الفكري، ويُبقي على جذوة السؤال مشتعلةً: “من الذي سرق معنى الدولة؟“.
وفي مصر، المعركة رمزية أكثر منها سياسية: فمنذ سنوات، يعيش المجتمع المصري صراعاً صامتاً بين خطابٍ رسميٍّ مضطرب يحاول إقناع الناس بأنّ الهدوء هو النجاة، وبين مجتمعٍ يبحث عن صدقه الداخلي، عن كلمةٍ لا تُقال له بل تصدر منه.
قد تبدو القاهرة ساكنة، لكن هذا السكون تتحرّك تحته اللغة، وتتكوّن شبكاتٌ ثقافيةٌ وشبابيةٌ تزرع الوعي ببطءٍ، لتُذكّر بأنّ الصمت، حين يطول، قد يكون مقدّمةً لقولٍ أكثر عمقاً.
تلك إذاً البيئات الأكثر استعداداً لاستقبال “عدوى الوعي المغربي“، مجتمعاتٌ لم تفقد قدرتها على الحلم، ولم تُصَب بعدُ باليأس الكامل، تعيش بين نضج الوعي وضيق الأفق، وتنتظر من التجربة المغربية أن تثبت أنّ الإصلاح الأخلاقي ممكنٌ حتى داخل منظوماتٍ ما تزال متمسّكةً بذاكرة الاستبداد.
الفئة الثانية: البيئات المتأرجحة أو القابلة للتحوّل:
وتقع في المنطقة الرمادية من الخريطة العربية، حيث لم تكتمل الشروط البنيوية للحراك، لكنها لم تتلاشَ أيضاً.
هي مجتمعات خرجت من التكلّس، لكنّها ما تزال تبحث عن شكلها الجديد، تتأرجح بين ذاكرة الاحتجاج وخوف الفوضى، وبين إيمانٍ بالتغيير وشكٍّ في أدواته.
تضم هذه الفئة الجزائر والعراق والسودان وسورية الجديدة والكويت وموريتانيا، وكلٌّ منها يحمل في داخله بذور التحوّل، وإن تفاوتت درجات النضج والجاهزية.
في الجزائر، ما يزال الوعي حاضراً لكنّه مُعلّق: “الحراك” الذي هزّ الشارع قبل أعوامٍ لم يُطفأ، بل أُجِّل. اختبر الجزائريون الشارع، لكنهم لم يجدوا بعدُ طريقهم إلى العقد الاجتماعي الجديد. ولذلك يبقى التحوّل ممكناً، وإن كان مؤجلاً، بشرط أن يجد هذا الوعي قناةً مؤسساتيةً تعبّر عنه من دون أن تخنقه.
أمّا العراق، فهو مختبر الوعي الممزق: ثورات الشباب هناك كشفت عن عمقٍ أخلاقيٍّ مدهش، لكنها ارتطمت بجدران الطائفية والمصالح المتشابكة. ومع ذلك، فإنّ الوعي العراقي، بما فيه من حسٍّ تراجيديٍّ وشجاعةٍ فكرية، يجعله أحد أكثر البيئات العربية قابليةً للتحوّل حين تتهيّأ اللحظة المناسبة.
وفي السودان، ما تزال الثورة تصارع خيباتها: لقد خرج الناس إلى الشوارع حاملين آمالاً ضخمة، لكنّ الصراع بين المدني والعسكري، بين الثورة والسلطة، حوّل الوعي إلى رهينةٍ للأزمة.
ومع ذلك، فإنّ ما ميّز التجربة السودانية هو أنّ الوعي لم يمت، بل انسحب إلى العمق الثقافي، إلى الجامعات، إلى الحركات النسوية، ليعيد بناء ذاته من الداخل بعيداً عن ضجيج السياسة.
العدوى المحتملة ليست عدوى ثورية، بل عدوى وعيٍ قوامها أن التغيير لم يعد ترفًا بل ضرورةً وجودية
وفي سورية الجديدة، الحكاية الأكثر حساسيةً في هذا الطور العربي: بعد أكثر من عقدٍ من الحرب، بدأت بوادر انفتاحٍ فكريٍّ بطيءٍ لكنّه ثابت، إذ تحوّلت الرغبة في النجاة إلى رغبةٍ في الفهم، وبدأت طبقاتٌ شابةٌ من المثقفين والإعلاميين والفنانين تطرح أسئلةً لم يكن مسموحاً طرحها من قبل.
إنها بداية الوعي بعد الألم، ولعلّها الشرارة التي تُعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة من جديد.
تمثّل هذه الفئة الثانية “المنطقة الانتقالية” بين الجمود والانطلاق، وهي الأشدّ حساسيةً لأنها تختبر كلّ شيءٍ في آنٍ: الخيبة والأمل، التجربة والانتظار، تملك الوعي لكنّها تفتقد البنية التي تحمله.
ومع ذلك، هي المرشّح الطبيعي لأن تتحوّل في السنوات المقبلة إلى كتلةٍ وازنةٍ في الوعي العربي القادم، إذا ما وجدت في الحراك المغربي نموذجاً للإصلاح المتوازن، وليس نموذجاً للانفجار.
الفئة الثالثة: البيئات الأقل قابلية للعدوى أو الأكثر تحصّناً: وتشمل دول الخليج ذات الوفرة الاقتصادية، إضافةً إلى ليبيا واليمن.
وهي بيئاتٌ تبدو، في ظاهرها، محصّنةً ضدّ “عدوى الوعي المغربي” بفعل الاستقرار المادي أو الانقسام الداخلي أو غياب الدولة، لكنّ التحصين الظاهري لا يعني المناعة الكاملة، بل قد يخفي تحت سطح الهدوء تململاً رمزيّاً صامتاً ينتظر لحظة المعنى.
في دول الخليج، يبدو المشهد متناقضاً: وفرةٌ اقتصاديةٌ هائلة يقابلها فراغٌ رمزيٌّ في المجال العام. لقد نجحت هذه الدول في ضمان مستوى معيشةٍ مرتفعٍ، لكن معظمها لم ينجح بعد في تحويل الرخاء مشروعاً وطنياً جامعاً.
هذا النوع من “التغيير الموجّه” يمنح قدراً من الاستقرار، لكنه لا يخلق أي قدر من القناعة، وقد يصبح في لحظةٍ ما بحاجةٍ إلى الشرعية الأخلاقية، التي لا تُستورد، بل تُبنى من الأساس.
في ليبيا واليمن، المشهد أكثر تعقيداً: هناك، أدّى غياب الدولة إلى إلغاء إمكان الحراك بالمعنى التقليدي، لكنّه أطلق بحثاً عميقاً عن معنى الوطن ذاته: ففي ليبيا، تحوّلت الساحات إلى خرائط انقسامٍ لا حوار، وفي اليمن إلى مأساةٍ إنسانيةٍ تتجاوز السياسة.
ومع ذلك، الوعي الشعبي هناك لا يموت، بل ينعقد حول فكرةٍ أولى وبسيطة: “نريد أن نعيش“.
هذه العبارة التي تبدو متواضعة هي في جوهرها النسخة الأولى من الوعي، التي منها تبدأ كل الثورات الأخلاقية الكبرى. وحين تنتهي الحروب، لا بد أن تنتهي يوماً، سيكتشف الليبي واليمني أنّ أول خطوةٍ في إعادة البناء هي استعادة العلاقة بين القيمة والدولة.
بهذا المعنى فإنّ البيئات الأقل قابليةٍ للعدوى ليست بيئات رفضٍ للوعي، بل بيئاتٌ ما تزال تتلمّس طريقها إلى المعنى من بين الأنقاض أو الأبراج العالية. ومع أن الوعي قد يتأخر فيها، لكنه بالتأكيد لا يتلاشى، بل في الحقيقة يعيش حالة انتظارٍ متمدّد.
إنّ التجربة المغربية، بما تحمله من توازنٍ بين الإصلاح والاحتجاج، قد لا تُلهِم هذه الدول في المدى القريب، لكنها ستترك فيها أثراً بطيئاً وعميقاً، لأنّ الوعي لا يحتاج إلى ثورةٍ كي ينتشر، بل إلى تجربةٍ تُثبت أن التغيير ممكن من دون انهيار.
من الخريطة البنيوية إلى الجغرافيا الوجدانية
تكشف الخريطة العربية، في ضوء الفئات الثلاث، أنّ العدوى المغربية ليست سياسيّة بقدر ما هي وجدانية، فما ينتقل بين الشعوب ليس الحدث بل الإحساس به: الإحساس بالكرامة، بالصدق، بالمعنى المفقود.
ذلك أن الحراك المغربي لم يكن انفجاراً في الشارع، بل استيقاظاً في الوعي، ومن ثمّ فإنّ امتداده في العالم العربي لن يكون بالضرورة عبر التظاهر، بل عبر التحوّل البطيء في اللغة، في القيم، في طريقة النظر إلى الذات والعالم.
في الفئة الأولى، حيث اكتملت أغلب الشروط البنيوية، نجد أن الوعي يتحرّك بحريةٍ نسبية داخل فضاءاتٍ منفتحةٍ رغم هشاشتها، فالمجتمعات هناك لا تزال قادرةً على تحويل الغضب إلى تفكير، والنقد إلى اقتراح، وهو ما يجعلها الأكثر قابليةً لاستقبال “عدوى الوعي المغربي” فرصةً لإعادة التوازن بين الدولة والمجتمع.
أما الفئة الثانية، المتأرجحة بين الوعي والانتظار، فهي تمثل المختبر الأخطر والأغنى في آنٍ واحد، فهي مجتمعات اختبرت الألم، لكنّها لم تبلغ بعدُ النضج السياسي، تعيش على إيقاع الأمل المتقطّع، وتحتاج إلى نموذجٍ عمليٍّ لإعادة بناء الثقة. ولعلّ “العدوى المغربية“، بما فيها من واقعيةٍ وأخلاقيةٍ، هي ما يمكن أن يحوّل ذلك الأمل المعلّق إلى وعيٍ تاريخيٍّ متماسك.
أما الفئة الثالثة، المحصّنة ظاهرياً، فهي التي تُذكّرنا بأنّ الاستقرار لا يعني السكون، وأنّ فائض الرفاه قد يُخفي عجزاً رمزياً أعمق من الفقر. فهناك، خلف الأبراج والأسواق، يتكوّن وعيٌ جديدٌ بهدوءٍ، يتغذّى من التعليم والثقافة والفن، ويتهيّأ ليقول كلمته حين تضعف لغة السلطة القديمة.
الاستقرار لا يعني السكون؛ فائض الرفاه قد يُخفي عجزًا رمزيًا أعمق من الفقر
الخاتمة
قد تخمد العواصف في الشوارع، لكنّ ما يحدث في الوعي لا يهدأ. فجيل زد المغربي، حتى لو عاد إلى صمته الرقمي، لن يعود كما كان.
لقد انكسر الحاجز بين المواطن والمتفرّج، بين السياسة والأخلاق، بين الكرامة والخوف. إذ لم يعد السؤال اليوم: هل سينتصر الحراك؟ بل: هل ستتعلم الدولة كيف تصغي قبل أن يفوت الأوان؟
فما بعد سبتمبر 2025 ليس كما قبله؛ إذ بدأ المغرب يدخل زمناً جديداً، فيه تُقاس الشرعية لا بالسلطة، بل بالصدق، وتُقاس الوطنية لا بالصبر، بل بالعدالة.
فقد تُسكت السلطة الهتاف، لكنها لا تستطيع أن تُسكت الفكرة التي خرجت إلى الوجود: أن الشباب المغربي قرر مرّة أخرى أن يستعيد وطنه من الوصاية، لا ليهدمه، بل ليُعيد بناءه من المعنى.
وهكذا، سيظلّ حراك جيل زد المغربي علامة فارقة، ليس لأنه أسقط نظاماً، بل لأنه أعاد تعريف الإنسان في زمن الدولة.
وما يجري في المغرب هو بالتأكيد ليس سوى الموجة الأولى من هذا الوعي الأخلاقي المتنامي، وقد لا تمرّ أسابيع أو شهور أو ربما سنوات حتى نرى صداه في عواصم أخرى، حين يكتشف الشباب العربي أن ما يجمعهم ليس المظلومية المشتركة، بل الأمل المشترك في استعادة المعنى.
فالمغرب، هذه المرة، لا يصدّر ثورة، بل يصدّر طريقة أخرى في التعبير وطلب الإصغاء.
وإن كان “الربيع العربي” قد سقط في فخّ الغضب، فربما يكون هذا الحراك المغربي بداية صيف عربي الهادئ، حيث لا تسقط الأنظمة بصراخات الهتاف، بل تتبدّل بهمسات الوعي.
_____________