محمد الصالحين الهوني

أي مسار تفاوضي ناجح يجب أن يوازن بين مطالب الشرق والغرب، ويقدم حلولًا تقنية وقانونية تقلل من مخاوف كل طرف.

مع اقتراب الذكرى العاشرة لاتفاق الصخيرات الموقع في 17 كانون الأول – ديسمبر 2015، يظل هذا الاتفاق بالنسبة إلى البعض مرجعية محورية في المساعي الدولية والداخلية لحل الأزمة الليبية، بينما يرفضه آخرون.

الاتفاق، الذي رعته الأمم المتحدة واستضافته المملكة المغربية، وضع إطارًا مؤسسيًّا للمرحلة الانتقالية عبر تشكيل حكومة وفاق ومجلس رئاسي، وحدد مبادئ أساسية تتعلق بوحدة الدولة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء. ومع ذلك، فإن مسار التطبيق واجه عقبات جوهرية أدت إلى استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، ما يفرض اليوم التفكير الجاد في تعديلات توافقية تحفظ جوهر الاتفاق وتستجيب لمطالب الأطراف المختلفة.

اتفاق الصخيرات صيغ كآلية مرحلية تهدف إلى إخراج ليبيا من حالة الانقسام المسلح والسياسي التي أعقبت انتخابات 2014. نصّ الاتفاق على آليات لتشكيل حكومة وفاق ومرجعيات لتنظيم العلاقة بين السلطات، كما وضع التزامات واضحة بشأن احتكار الدولة لاستخدام القوة وحظر انخراط العسكريين في العمل السياسي.

هذه البنود شكلت أساسًا قانونيًّا مهمًّا، لكنها لم تكن كافية لضمان تطبيق متوازن على الأرض، خصوصًا في ظل رفض فاعلين إقليميين ومحليين لبعض مخرجاته أو تفسيرهم لها بطرق مختلفة.

في هذا السياق، يبرز جدل داخلي حول موقف عبدالحميد الدبيبة من الاتفاق. الدبيبة يتمسك بالاتفاق السياسي ومسار جنيف كمرجعية دولية لشرعية حكومته، لكن هذا التمسك موضع جدل داخلي واسع لأن الاتفاق كان محددًا بسقف زمني للمرحلة الانتقالية، وقد تم تجاوزه دون إجراء الانتخابات المقررة، ما استغله خصومه لاتهامه بالتمسك بالسلطة خارج الإطار الزمني المتفق عليه.

هذا الجدل لا يقلل من أهمية شرعية المرجعيات الدولية، لكنه يسلط الضوء على هشاشة الشرعية الداخلية وضرورة معالجة مسألة المدد وآليات الانتقال بشكل واضح وملزم.

من جهة أخرى، يرفض المشير خليفة حفتر اتفاق الصخيرات بصيغته الأصلية، معلنًا أن الاتفاق فقد صلاحيته وأنه لا يلزم مؤسساته في الشرق. هذا الرفض ينبع من شعور في الشرق بأن الاتفاق لم يضمن تمثيلًا متوازنًا للمناطق الثلاث، وأنه منح صلاحيات واسعة للمجلس الرئاسي في طرابلس على حساب دور البرلمان في طبرق والمؤسسة العسكرية.

لذلك، أي محاولة لإعادة إحياء الاتفاق أو تطويره يجب أن تتعامل مع هذه المطالب بجدية، وإلا ستبقى الصيغة المعدّلة عرضة للرفض والتقويض.

لتجاوز هذا المأزق، تبدو مجموعة من التعديلات العملية ضرورية لتشكيل أرضية توافقية.

أولًا، إعادة هيكلة المجلس الرئاسي عبر تقليص عدد أعضائه وتحديد تمثيل واضح للأقاليم الثلاثة يمكن أن يعيد التوازن ويقلل من الاحتقان.

ثانيًا، تعزيز دور البرلمان في طبرق بمنحه صلاحيات أوسع في المصادقة على الحكومة والقرارات السيادية وإلزام الحكومة بعرض الميزانية والخطط عليه، ما يعيد الاعتبار للسلطة التشريعية ويخفف من شعور الإقصاء.

ثالثًا، وضع سقف زمني صارم ومحدد للمرحلة الانتقالية مع آليات تنفيذية واضحة لإجراء انتخابات وصياغة دستور جديد، لأن غياب جدول زمني واضح هو أحد أسباب فقدان الثقة.

رابعًا، إدماج المؤسسة العسكرية في ترتيبات أمنية واضحة مع ضمان خضوعها للسلطة المدنية، وخلق آليات مشتركة لتنسيق القرارات الأمنية الكبرى، سيمنح الشرق ضمانات عملية ويقلل من منطق الحل العسكري.

خامسًا، توفير ضمانات دولية وإقليمية عبر إشراف أممي واستمرار دور وسطاء محايدين مثل المغرب، وإشراك دول الجوار في ضمان الالتزام، سيعزز مصداقية أي صيغة معدّلة ويحد من مخاطر الانقلاب عليها.

قبول الأطراف بهذه التعديلات يتطلب مزيجًا من الحوافز والضمانات. حفتر قد يقبل بصيغة معدّلة إذا ضمنت تمثيلًا حقيقيّا للشرق ودورًا واضحًا للمؤسسة العسكرية في المرحلة الانتقالية، بينما قد يقبل الدبيبة بتعديلات شكلية أو عملية إذا لم تُقصه من المشهد وأمّنت له دورًا تنفيذيّا معترفًا به دوليّا.

لذلك، أي مسار تفاوضي ناجح يجب أن يوازن بين مطالب الشرق والغرب، ويقدم حلولًا تقنية وقانونية تقلل من مخاوف كل طرف وتمنحه حوافز للبقاء ضمن إطار مؤسسي موحد.

في الختام، يبقى اتفاق الصخيرات إطارًا ذا قيمة لا يمكن تجاهلها، لكنه يحتاج إلى تحديث توافقِي يعالج نقاط الضعف التي أظهرتها السنوات الماضية.

التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا التحديث من عملية نظرية إلى اتفاق عملي يلتزم به الجميع، عبر ضمانات دولية وإقليمية وآليات تنفيذية واضحة. فقط من خلال صيغة توافقية متوازنة يمكن لليبيا أن تتجاوز مأزق الشرعية المؤقتة وتشرع في بناء مؤسسات دائمة تستجيب لتطلعات شعبها وتعيد للدولة وحدتها ووظيفتها.

___________

مقالات مشابهة