صلاح الهوني

جيل جديد من الشباب الليبيين يطلّ على مشهدٍ سياسي واجتماعي معقّد، محاولًا أن يجد لنفسه موقعًا في معادلة إعادة البناء في بلدٍ أنهكته الحروب والانقسامات، وأثقلته سنوات الصراع على الشرعية والسلطة.

ضمن هذا الإطار تأتي مبادرة الأمم المتحدة الأخيرة، التي جمعت أكثر من أربعين شابًا وشابة في طرابلس ضمن برنامج “ديوان الشباب: مختبر الابتكار للعدالة وسيادة القانون”، فهي ليست مجرد ورشة تدريبية، بل إشارة إلى أن مستقبل العدالة الانتقالية في ليبيا لن يُصاغ فقط في أروقة المؤسسات الرسمية، بل أيضًا في عقول وطاقات هذا الجيل الذي عاش الحرب طفلاً ويواجه اليوم تحدي بناء الدولة شابًا.

العدالة الانتقالية في ليبيا ليست شعارًا نظريًا، بل حاجة وجودية. فمنذ سقوط النظام السابق عام 2011، لم تنجح البلاد في صياغة مسار جامع يضمن المحاسبة على الانتهاكات، ويؤسس لمصالحة وطنية حقيقية.

المحاكمات الجزئية، والاعتقالات الانتقائية، واللجان التي لم تكتمل أعمالها، كلها تركت فراغًا في الذاكرة الجماعية، وأبقت الجراح مفتوحة.

في هذا السياق، يصبح إشراك الشباب في التفكير في الحوكمة وسيادة القانون خطوة تتجاوز البعد التعليمي، لتكون محاولة لزرع بذور ثقافة جديدة؛ ثقافة ترى في القانون أداة للعدالة لا مجرد أداة للسلطة، وفي المشاركة المجتمعية وسيلة للرقابة لا مجرد شعار.

إن تدريب أربعين شابًا على محاكاة واقعية لآليات المساعدة القانونية، وعلى ابتكار حلول محلية لمشكلات العدالة، يعكس إدراكًا أمميًا بأن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تُفرض من فوق، بل يجب أن تُبنى من تحت، من القاعدة الاجتماعية نفسها.

هؤلاء الشباب، الذين ينتمون إلى مناطق مختلفة، يجسدون التنوع الليبي، ويختبرون معًا فكرة أن القانون يمكن أن يكون جامعًا لا مفرّقًا، وأن الحوكمة يمكن أن تكون مشاركة لا إقصاء. هذا الوعي الجديد هو ما تحتاجه ليبيا لتجاوز مرحلة الانقسام، لأن العدالة الانتقالية ليست فقط محاسبة الماضي، بل أيضًا تأسيس المستقبل.

لكن السؤال يبقى: هل يمكن لمثل هذه المبادرات أن تتحول إلى قوة فعلية في إعادة بناء ليبيا؟ الجواب يرتبط بدور الشباب في المشهد السياسي والاجتماعي.

فالشباب الليبي اليوم يشكّل غالبية السكان، وهو الفئة الأكثر تضررًا من الحرب والبطالة والهجرة والانقسام. ومع ذلك، هو أيضًا الفئة الأكثر قدرة على التكيّف، والأكثر استعدادًا لتجربة مسارات جديدة.

إذا ما أُعطي هؤلاء الشباب مساحة حقيقية للمشاركة، فإنهم قادرون على أن يكونوا العمود الفقري لأي مشروع للعدالة الانتقالية.

العدالة الانتقالية تحتاج إلى ذاكرة جماعية، والشباب هم حَمَلة هذه الذاكرة. لقد عاشوا سنوات الحرب، ورأوا بأعينهم انهيار المؤسسات، واختبروا معنى الفوضى.

هذه التجربة تمنحهم شرعية خاصة في صياغة خطاب جديد، خطاب لا يكتفي بالمطالبة بالمحاسبة، بل يطالب أيضًا بالشفافية، بالمشاركة، وببناء مؤسسات قادرة على الصمود.

إن إشراكهم في برامج تدريبية على الحوكمة وسيادة القانون هو بداية الطريق، لكنه يحتاج إلى أن يُترجم إلى سياسات فعلية: إشراكهم في لجان العدالة الانتقالية، في صياغة الدستور، في مراقبة الانتخابات، وفي إدارة البلديات.

من دون هذا الإشراك، ستظل العدالة الانتقالية في ليبيا مشروعًا نظريًا، وستظل المصالحة الوطنية شعارًا فارغًا.

فالمجتمع الليبي لا يمكن أن يُبنى من جديد إذا ظل الشباب على الهامش، وإذا ظلوا يرون أن مستقبلهم يُقرَّر من قبل نخب سياسية متصارعة لا تعبّر عنهم. العدالة الانتقالية الحقيقية هي التي تجعل من الشباب شركاء في صياغة المستقبل، لا مجرد متلقين لقرارات تُتخذ في أماكن مغلقة.

إن مبادرة الأمم المتحدة، رغم محدودية حجمها، تحمل دلالات عميقة.

فهي تقول إن العدالة ليست فقط محاكمات، بل أيضًا وعي مجتمعي.

وهي تقول إن سيادة القانون لا تُبنى فقط عبر النصوص، بل عبر الممارسة اليومية.

وهي تقول إن الشباب ليسوا مجرد ضحايا، بل يمكن أن يكونوا فاعلين.

هذه الرسائل، إذا ما التقطتها الدولة الليبية ومؤسساتها، يمكن أن تتحول إلى أساس لمرحلة جديدة، مرحلة تُبنى فيها العدالة الانتقالية من القاعدة إلى القمة، لا العكس.

لكن التحديات كبيرة.

فليبيا ما زالت تعيش حالة من الاستقطاب السياسي الحاد، بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والبرلمان في طبرق. والملف الانتخابي ما زال معلقًا، رغم الضغوط الدولية. والوضع الأمني متقلب، خاصة في المناطق الحدودية والغربية.

في ظل هذه الظروف، قد تبدو مبادرات تدريب الشباب مجرد تفاصيل صغيرة في مشهد كبير. لكن التاريخ يعلمنا أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع التحولات الكبرى.

فجيل الشباب الذي يتعلم اليوم معنى الحوكمة وسيادة القانون، قد يكون هو الجيل الذي يفرض غدًا ثقافة جديدة على مؤسسات الدولة، ويحوّل العدالة الانتقالية من شعار إلى واقع.

إن إعادة بناء ليبيا تحتاج إلى أكثر من اتفاقات سياسية، تحتاج إلى ثقافة جديدة، إلى وعي جماعي يرى في القانون أداة للعدالة لا للانتقام، وفي المشاركة المجتمعية وسيلة للرقابة لا للزينة.

هذا الوعي لا يمكن أن يُبنى من فوق، بل يجب أن يُزرع في القاعدة، في المدارس والجامعات والبلديات، وفي برامج مثل “ديوان الشباب”. إذا ما استمر هذا الاستثمار في الشباب، فإن ليبيا يمكن أن تجد طريقها إلى العدالة الانتقالية الحقيقية، وإلى المصالحة الوطنية التي طال انتظارها.

في النهاية، يمكن القول إن مستقبل العدالة الانتقالية في ليبيا لن يُصاغ فقط في أروقة المحاكم أو في نصوص الدساتير، بل في عقول وقلوب الشباب الذين يتعلمون اليوم معنى القانون والحوكمة.

هؤلاء الشباب هم الأمل الحقيقي، وهم الجسر الذي يمكن أن يعبر بليبيا من مرحلة الانقسام إلى مرحلة البناء.

مبادرة الأمم المتحدة ليست سوى بداية، لكنها بداية تحمل وعدًا كبيرًا: أن العدالة يمكن أن تُبنى من تحت، وأن المستقبل يمكن أن يُصاغ بأيدي جيل جديد خبر جيدًا معنى الحرب، ويبحث اليوم عن معنى السلام.

_________

مقالات مشابهة