أسامة علي
حملت قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد، التي نظمتها حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، أول من أمس السبت، رسائل سياسية واقتصادية متداخلة، في ظل حضور أميركي رفيع المستوى يعكس توجه واشنطن نحو اعتماد مقاربة جديدة في ليبيا، تقوم على ربط الأطراف المتنافسة بمصالح اقتصادية طويلة الأجل؛ بديلاً عن المسارات السياسية التي عانت من التعثر مراراً.
وترأس الوفد الأميركي المشارك في القمة، مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب ممثلي شركات أميركية كبرى في قطاع الطاقة. كما شارك في القمة وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، ووزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار.
وفي كلمته خلال افتتاح القمة، وصف رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة القمة بأنها “عودة ليبيا إلى موقعها الطبيعي في منظومة الطاقة الإقليمية والدولية“، مؤكداً أن حكومته عملت خلال الفترة الماضية على “تهيئة بيئة أكثر وضوحاً للشراكات والاستثمار“. وأضاف أن توقيع الاتفاقيات مع الجانب الأميركي “بإشراف مباشر” من حكومة الوحدة الوطنية، وبحضور مسعد بولس “يعكس مستوى الاهتمام الدولي بتوسيع الشراكة الاقتصادية مع ليبيا“.
ومن جهته، وصف مسعد بولس القمة بأنها “نقطة تحول في الشراكة مع الولايات المتحدة“، وبداية “عودة مشرقة لليبيا إلى القوى الكبرى للطاقة في العالم“، مؤكداً توسيع التعاون إلى “مستويات غير مسبوقة“. وقال إنه حضر إلى ليبيا حاملاً رسالة مباشرة من الرئيس دونالد ترامب تؤكد “استعداد الولايات المتحدة للعمل مع ليبيا ودعم نجاحها“، مشيراً إلى أن بلاده “تعمل مع جميع الليبيين“.
كما أشاد بولس بالتدريبات العسكرية المشتركة التي تستعد واشنطن لتنظيمها بمشاركة قوات من شرق وغرب البلاد، واعتبرها “نموذجاً لتوحيد الشرق والغرب وبناء الأمن اللازم لحماية سيادة ليبيا واقتصادها“.
وعلى هامش القمة، أجرى بولس سلسلة لقاءات موسعة شملت وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية اللواء عبد السلام الزوبي، ومستشار الأمن القومي لرئيس الحكومة إبراهيم الدبيبة، حيث جرى بحث سبل “تعزيز التعاون العسكري والتنسيق المشترك بين ليبيا والولايات المتحدة“.
كما زار بولس مدينة بنغازي، أمس الأحد، والتقى صدام حفتر، نائب ما يعرف بـ“القائد العام للجيش الوطني“، وناقش معه “تطورات الأوضاع السياسية في ليبيا والمستجدات الإقليمية والدولية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين“، وفق ما ذكر المكتب الإعلامي لقيادة حفتر.
وشهدت القمة مشاركة شركات دولية من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وتركيا ومصر، وتخللتها مراسم توقيع اتفاق تطوير طويل المدى لشركة الواحة للنفط بالشراكة مع شركتي كونوكو فيليبس الأميركية وتوتال إنيرجيز الفرنسية، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، وتهدف إلى رفع الطاقة الإنتاجية بنحو 850 ألف برميل يومياً، إضافة إلى مستويات الإنتاج الحالية.
كما جرى توقيع مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون الأميركية لدراسة فرص الاستثمار في مجالات الاستكشاف وتطوير الحقول ورفع معدلات الاسترداد، إلى جانب مذكرة تعاون مع الدولة المصرية في مجالات الاستكشاف والإنتاج والخدمات اللوجستية المصاحبة.
شهدت القمة مشاركة شركات دولية من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وتركيا ومصر
وكان بولس قد زار ليبيا في يوليو/ تموز الماضي، حيث التقى الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في طرابلس، قبل أن يلتقي اللواء خليفة حفتر في بنغازي، في خطوة أميركية لبناء “تصور للحل في ليبيا، يشمل جميع الأطراف“، ضمن “مشروع حكم موحد يشمل جميع الفرقاء بشكل شراكة فعلية” وفق تصريحات سابقة لبولس.
كما أشرف في مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي على لقاء مباشر بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في روما، لتناول الملفات السياسية والأمنية ومناقشة سبل توحيد المؤسسات الليبية.
“إعادة ترتيب أوراق واشنطن في المنطقة“
ويمثل الحضور الأميركي الكثيف في القمة الليبية بنظر الكاتب الصحافي عبد الله الكبير، “مقاربة أميركية تتجاوز الحل السياسي“، معتبراً الاتفاقيات الأميركية التي وقعت في طرابلس “دخولاً أميركياً جديداً في الملف الليبي من بوابة الطاقة، فالإدارة الأميركية، وخصوصا ترامب والنخبة المحيطة به، لا تهتم إلا بتعظيم المكاسب الاقتصادية بالدرجة الأولى، وأقربها بالنسبة إلى ليبيا بوابة الطاقة“.
ويضيف الكبير في حديثه لـ“العربي الجديد“، أن هذا الحضور الأميركي المتصاعد في ليبيا، يعكس إعادة ترتيب أوراق واشنطن في المنطقة، موضحاً أن إدارة ترامب “لا تعترف إلا بالفاعلين الرئيسيين في ليبيا، وهما تركيا ومصر، ولذا اشتركتا في هذه الاتفاقيات دوناً عن غيرهما“.
ويلفت إلى أن الحضور الأوروبي اقتصر على ممثلي الشركات دون أي تمثيل دبلوماسي رفيع المستوى، وهو ما يعكس “التوترات بين البيت الأبيض والأوروبيين، وواشنطن تستفيد من ليبيا للضغط على الأوروبيين في حال تصعيدهم تجاه المصالح الأميركية، مثل ارتباطهم بأطراف دولية منافسة مثل الصين، فليبيا تمثل خاصرة رخوة بالنسبة لأوروبا، لا سيما من خلال طاقتها المهمة للعديد من الدول الأوروبية“.
ماذا عن الحضور المصري؟
وفي سياق الترتيبات الإقليمية الجديدة، يرى الكبير أن الحضور المصري يمثل متغيراً مهماً، موضحاً أن تركيا كانت حاضرة مسبقاً في طرابلس منذ اتفاقية 2019 البحرية، فيما يعكس “الحضور المصري، الذي جاء على مستوى وزاري، متغيرات جديدة مرتبطة بملف الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا الذي كانت القاهرة معارضة له، والآن بحضور أنقرة والقاهرة في طرابلس يبدو أن هناك تفاهمات جديدة في هذا الاتفاق، ربما برعاية أميركية“.
ويعتبر الكبير أن كل هذا يتطلب بيئة أمنية مستقرة توفر المجال لعمل الشركات الأميركية، وهو ما يراه متصلاً بالتحرك الأميركي المقبل من خلال التدريبات العسكرية، التي أعلنت واشنطن عن عزمها تنظيمها منذ العام الماضي، في مدينة سرت، وسط شمال البلاد، بالاشتراك بين قوات من شرق وغرب ليبيا.
وأضاف في هذا السياق: “التدريبات تهدف إلى إرسال عدة رسائل سياسية واستراتيجية، أولها تحجيم النفوذ الروسي، وثانيها خفض حدة الصراع بين الشرق والغرب الليبي مع تثبيت سلطة كل طرف واستيعابها في معادلة واحدة اقتصادية وأمنية تستفيد منها الشركات الأميركية، فلن تقبل واشنطن بأي تصعيد في منطقة تعمل فيها شركاتها الكبرى“.
وتملك ليبيا أكثر من 50% من الاحتياطات النفطية في أفريقيا عالية الجودة ومنخفضة التكلفة، إضافة إلى احتياطات كبيرة من الغاز، بينما لا تنتج حالياً سوى 1.3 مليون برميل يومياً، ما يجعلها وجهة جذابة للشركات الكبرى الدولية الراغبة في التوسع باستثماراتها.
____________
