نوفا نيوز

تشير سلسلة من الديناميكيات المتقاربة إلى أن ليبيا تعود إلى مركز عملية إعادة تشكيل أوسع للتحالفات الإقليمية.

في خضم الأزمة السودانية وتزايد التنافس العربي على النفوذ في منطقة الساحل، تبرز ليبيا مجدداً كمركز استراتيجي في موازين القوى الإقليمية المتغيرة بسرعة.

وفي الأسابيع الأخيرة، بدأت تظهر تقييمات نقدية لدور المشير خليفة حفتر في الأوساط الإعلامية السعودية ودوائر التعليق ذات الصلة، مع الإشارة صراحةً إلى سابقة المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، واحتمالية تراجع الدعم الإقليمي إذا لم ينأى زعيم برقة بنفسه عن خطط الإمارات.

وفي غياب تأكيد رسمي من الرياض، تبقى هذه الإشارات غير رسمية، لكنها جزء من سياق إقليمي سريع التغير.

تشير سلسلة من الديناميكيات المتقاربة إلى أن ليبيا تعود إلى مركز إعادة تشكيل أوسع للتحالفات الإقليمية، في سياق يشهد ظهور مواجهة منظمة بشكل متزايد بين المملكة العربية السعودية ومصر وتركيا من جهة، والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ومجموعة من الجهات الفاعلة غير الحكومية بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، وقوات الدعم السريع في السودان، وصوماليلاند، والشبكات المسلحة النشطة في شرق وجنوب ليبيا من جهة أخرى.

المثلث الحدودي وعودة ملف السودان

يأتي هذا في سياق حادث عسكري وقع في أوائل يناير/كانون الثاني في المثلث الحدودي النائي بين ليبيا والسودان ومصر، والذي أعاد تسليط الضوء على إحدى أكثر المناطق حساسية في الصحراء الكبرى.

ووفقًا لمصادر سودانية مقربة من قوات الدعم السريع، استشارتها وكالة نوفا، فقد تعرضت قافلة مسلحة مرتبطة بالجماعة شبه العسكرية السودانية لغارة جوية بعد عبورها الحدود الليبية.

نُسبت العملية، بشكل غير رسمي، إلى القوات الجوية المصرية دون تأكيد رسمي، وورد أنها جرت في منطقة جنوب شرق مدينة الكفرة، بعيدًا عن كل من طرابلس والقاهرة. وتشير مصادر إلى أن الموكب كان يتألف من عشرات المركبات المحملة بالوقود والأسلحة والمعدات العسكرية، وأن الهجوم تسبب في خسائر فادحة، حيث دُمرت معظم المركبات.

تمثل المنطقة ممرًا استراتيجيًا للتهريب عبر الحدود بين ليبيا ودارفور السودانية، بما في ذلك تدفق الرجال والبضائع والإمدادات العسكرية، في انتهاك صارخ لحظر الأسلحة الدولي.

وبحسب ما ورد، وقع الحادث عشية زيارة إلى القاهرة قام بها صدام حفتر واستقبله في العاشر من يناير وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر ورئيس أركان القوات المسلحة المصرية أحمد خليفة.

الكفرة، بين الصيانة والإشارات السياسية

وبعد بضعة أيام من هذه التطورات، أعلنت إدارة مطار الكفرة الإغلاق المؤقت للمطار ابتداءً من 19 يناير 2026، لمدة شهر واحد، وذلك رسمياً للسماح بإجراء أعمال صيانة مكثفة على المدرج.

يخدم المطار مدينة الكفرة، عاصمة جنوب شرق ليبيا، المتاخمة للسودان وتشاد ومصر، وهو المطار الوحيد العامل في هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة. وبسبب هذا الموقع تحديدًا، فإن إغلاقه له تداعيات تتجاوز الجانب التقني.

فبحسب مصادر محلية عديدة، كان المطار نقطة عبور لوجستية رئيسية في الأشهر الأخيرة إلى السودان، مسرح الحرب الأهلية بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو، والمعروف باسم هيميدتي.

في هذا السياق، يُفسَّر تعليق عمليات المطار كإشارة محتملة إلى تباطؤ تدفق الدعم الخارجي إلى السودان، في ظل ضغوط مصر على قوات حفتر التي تسيطر على برقة وأجزاء واسعة من جنوب ليبيا.

لذا، يبدو إعلان الإغلاق للصيانة، وفقًا لمراقبين محليين، خطوة دبلوماسية تهدف إلى تجميد العمليات الحساسة دون إضفاء طابع رسمي على المواقف السياسية، لا سيما وأن المطار كان قد خضع لعمليات تجديد واسعة النطاق في مايو الماضي.

الضغوط على قيادة برقة

بحسب مصدر ليبي مقرب من الملف، فإن الديناميكيات الحالية تعكس مرحلة من عدم الاستقرار في علاقات قيادة برقة، والتي لا تشمل خليفة حفتر فحسب، بل تشمل أيضاً ابنيه صدام وخالد، اللذين يعملان في القوات المسلحة، بينما بلقاسم حفتر يقود صندوق إعادة الإعمار الوطني – بين مصر والمملكة العربية السعودية من جهة، والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى.

في هذا السياق، يُعدّ إغلاق مطار الكفرة لمدة شهر استجابةً للضغوط المصرية، وليس إجراءً تقنياً بحتاً، مع أنه لن يقطع تدفقات الإمدادات اللوجستية إلى السودان بشكل كامل.

ويشير المصدر نفسه إلى أن الدعم المقدم للقوات السودانية لم يُلغَ، بل أُعيد توجيهه عبر مسارات بديلة، لا سيما إمدادات الوقود. وقد حُوِّلت أنشطة الدعم الجوي المرتبطة بشبكة شرق ليبيا إلى دول أفريقية أخرى، من بينها إثيوبيا والكاميرون وجنوب السودان، مما قلل من التواجد المباشر على طول الحدود الليبية السودانية.

بحسب هذا التفسير، لا يملك حفتر حاليًا أي مجال حقيقي للانفصال عن أبوظبي، رغم تزايد الضغوط الإقليمية. فالعلاقة مع الإمارات العربية المتحدة لا تزال قائمة، سياسيًا وماليًا.

وتؤكد مصادر ليبية مطلعة أن جزءًا كبيرًا من النفوذ المالي الذي تتمتع به قيادة برقة يخضع لسيطرة الإمارات، التي لا تزال تمثل ضمانة للحماية والاستقرار لتوازن القوى الداخلي. ولذا، يبدو أن استراتيجية المشير لا تهدف إلى اختيار واضح لأحد الجانبين، بل إلى إدارة الضغوط المتضاربة تكتيكيًا من خلال تعديلات عملياتية وإشارات غير مباشرة.

التحليل: التحول نحو الغرب

في هذا السياق المتغير، الذي يتسم بالضغوط المتبادلة وإعادة التشكيل التدريجي، تشير قراءات المحللين إلى ضرورة النظر قبل كل شيء إلى الديناميكيات الإقليمية.

وقال جلال حرشاوي محلل متخصص في ديناميكيات الأمن في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، في مقابلة مع وكالة نوفا، إن مفتاح فهم هذا الأمر لا ينبغي البحث عنه في قطيعة فورية بين حفتر وداعميه الإقليميين، بل في تحول جغرافي وعملياتي تدريجي نحو الغرب.

يقول حرشاوي: “الأهم هو أن صدام حفتر يتقدم غربًا للحفاظ على الممر الاستراتيجي الذي تعتبره الإمارات العربية المتحدة نشطًا“. ووفقًا للمحلل، يجري تحويل منطقة متان الصارا، وهي بلدة صحراوية في جنوب ليبيا على الحدود مع تشاد، إلى قاعدة جوية عملياتية، بينما تتجه المعابر إلى تشاد وتدفق المهاجرين إلى السودان تدريجيًا نحو الغرب، دون أن يؤثر ذلك بشكل مباشر على مناطق مثل قطرون في عمق فزان.

يقول المحلل: “تمر الهجرة من السودان عبر تشاد ثم تدخل ليبيا. وتتجه آثار الحرب السودانية غربًا، وصدام يتحرك غربًا، والجميع يتحرك غربًا“.

من وجهة نظر طرابلس، لا تشكل هذه الحركة تهديدًا مباشرًا، على الأقل في الوقت الراهن. مع ذلك، ووفقًا لحرشاوي، قد لا يكون صبر بعض الفاعلين الإقليميين بلا حدود، لا سيما تركيا التي لها وجود قوي في طرابلس ومصراتة.

يقول المحلل: “طوال عام 2025، حاولت تركيا إقناع صدام حسين بالمصادقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، لكنها لم تُفلح“. ويشير إلى أن أنقرة قدمت دعماً عسكرياً وطائرات مسيرة وأسلحة واعترافاً سياسياً دون الحصول على تعويض ملموس.

في هذا السياق، قد تُصبح أنقرة أكثر حزماً، مُعززةً دعمها للقوات في غرب وجنوب غرب ليبيا، بما في ذلك فيزان، مما يُنذر بخطر تشديد قبضة صدام حفتر السياسية والعسكرية تدريجياً، بالتنسيق مع مصر والسعودية وقطر.

العامل الجزائري

يُساهم التقارب بين الجزائر والسعودية في تشكيل المشهد، في ظل فتور العلاقات بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة. ووفقاً لبعض التقارير، تسعى الرياض إلى بناء جبهة عربية تقوم على مبادئ سيادة الدولة ووحدة أراضيها، في مقابل النهج الإماراتي الذي يُنظر إليه على أنه يميل إلى دعم الجهات الفاعلة غير الحكومية ويؤدي إلى التفتيت.

في هذا السياق، تزداد الجزائر حذراً من سياسات أبوظبي، سواءً فيما يتعلق بليبيا أو غيرها من القضايا الإقليمية الحساسة. وتشمل هذه القضايا الصحراء الغربية، حيث اتخذت الإمارات العربية المتحدة موقفاً واضحاً مؤيداً للسيادة المغربية، بينما لطالما دعمت الجزائر حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، تماشياً مع قرارات الأمم المتحدة. هذا التباين، وإن لم يكن جديداً، إلا أنه جزء من سياق أوسع من التوترات السياسية والاستراتيجية.

في الوقت نفسه، تعزز الجزائر حوارها مع الفاعلين الإقليميين الذين يتبنون رؤية أكثر تقليدية لاستقرار الدولة، تقوم على رفض التدخل الخارجي والمنطق الانفصالي. ووفقًا لحرشاوي، لا يُستبعد حدوث تقارب أوثق بين الجزائر والسعودية وتركيا على أسس معينة في المدى المتوسط.

يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه المرحلة من إعادة التشكيل ستبقى تكتيكية أم أنها ستشكل بداية لهيكل إقليمي جديد، تصبح فيه ليبيا مرة أخرى ليس فقط ساحة تنافسية، بل اختباراً حاسماً للتوازنات العربية في منطقة الساحل.

__________

مقالات مشابهة