أسامة علي

لا يزال المسار الأميركي في ليبيا، الهادف إلى إعادة تركيب مركز السلطة من قطبي سلطتي خليفة حفتر وحكومة الوحدة الوطنية، غير مكتمل، غير أنه يسير بشكل متعارض مع مسار البعثة الأممية الذي انطلق عبر خريطة طريق تستهدف انتخابات رئاسية وبرلمانية تهدف إلى بناء سلطة بشرعية جديدة.

هذا التباين يعكس اختلافاً في فهم جوهر الأزمة الليبية، حول ما إذا كانت العقدة الأساسية تكمن في ضرورة التوفيق بين مراكز القوة القائمة في طرابلس وبنغازي، أم في استمرار غياب شرعية انتخابية قادرة على تأسيس السلطة.

في هذا السياق، وقعت اللقاءات الثنائية التي رعاها المسار الأميركي بين صدام حفتر، ممثلاً لسلطة والده، وإبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، في سبتمبر/أيلول الماضي بروما، ثم في يناير/كانون الثاني الماضي بباريس.

هذه اللقاءات تنطلق من رؤية تعتبر هذه القوى أمراً واقعاً وأنها لا تسمح بإجراء الانتخابات لتحفظ بقاءها، ما يُحتّم بناء سلطة مشتركة تُعيد ضبط التوازن السياسي عبر إدماج هذين القطبين في صيغة حكم موحدة، مقابل المسار الأممي التي ينطلق من رؤية مختلفة تقوم على إعادة التوازن السياسي عبر كسر احتكار النخبة الحالية للسلطة وبناء سلطة جديدة بوجوه جديدة تستند إلى شرعية انتخابية.

صحيح أن المسار الأممي مكرّر إلى حدّ الإرهاق ولم ينتج إلا تراكم الاتفاقيات وخرائط الطريق، غير أن استناده إلى الشرعية الدولية حقيقة تمنحه وزناً يجعله أكثر أماناً، مقارنة بمبادرات الدول المنفردة التي تتحرك وفق حسابات مصالحها الخاصة.

فمهما بدت هذه الدول أو الحسابات واقعية أو براغماتية، إلا أنها تبقى عرضة لتعارض المصالح بين القوى الخارجية، إذ قد تنخرط أطراف أخرى انطلاقاً من رؤى متباينة، ما يعيد إنتاج الصراع بدعم الأطراف المحلية ويزيد تعقيد الأزمة.

قد تبدو المتغيرات الإقليمية الأخيرة مثالا واضحا على تدخل الأطراف الأخرى لتغيير خريطة الموازين المحلية، حيث دفع التحالف المصري – السعودي بحسابات جديدة قلّصت من نفوذ طرف راسخ كالإمارات لصالح أطراف أخرى.

وكذلك دفعت الرياض بباكستان عبر الاتفاقات العسكرية مع حفتر، فيما توجه الدبيبة نحو الاقتراب من الرياض وفتح أمامها الاستثمار في مشاريع الطاقة الليبية، بالتوازي مع انفتاحه على القاهرة التي بدت منخرطة في إعادة ضبط التوازنات في معسكر حفتر.

في ظل هذا الاشتباك الإقليمي المتسارع، المتداخل مع المسار الأميركي المدعوم أوروبياً، من إيطاليا وفرنسا اللتين استضافتا لقاءات صدام والدبيبة، يظل المسار الأممي إطاراً أكثر اتزاناً وأقل خضوعاً لتقلبات المصالح، فهو الأقرب إلى خدمة الاستحقاق الوطني عبر الانتخابات، لكونها المدخل الأكثر قابلية لإعادة تأسيس الشرعية وفتح أفق أكثر استقراراً للحل.

____________

مقالات مشابهة