صلاح الهوني

لم تعد ليبيا اختباراً للديمقراطيةيمكن التضحية به بل أصبحت ورقة مهمة في مواجهة التمدد الروسي وتأمين بدائل للطاقة الروسية عن أوروبا ومورد استراتيجي بحاجة لتأمين.

لطالما شكّلت العلاقة الأميركيةالليبية منذ عام 2011 نموذجاً صارخاً لتناقضات السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.

فبعد تدخل عسكري قاده حلف الناتو للإطاحة بنظام معمر القذافي، تحت شعار حماية المدنيين وتمهيد الطريق نحو الديمقراطية، سرعان ما انسحبت واشنطن تاركة فراغاً سياسياً وأمنياً اغتنمته القوى الإقليمية والدولية المتنافسة.

لعقد كامل، بقيت السياسة الأميركية تجاه ليبيا أسيرة نهج “إدارة الأزمة” لا حلّها، مكتفية بدعم مسارات الأمم المتحدة المتعثّرة، ومراقبة المشهد من بعيد بينما تغرق البلاد في فوضى الانقسام والحروب الأهلية.

لكن مطلع عام 2026، وتحديداً مع انعقاد قمة الطاقة والاقتصاد الليبية في طرابلس، بدأت ملامح تحوّل جوهري في هذه السياسة تتكشف، من خلال عقود اقتصادية ضخمة وحضور أميركي رفيع.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو:

هل نشهد ولادة استراتيجية أميركية جديدة في ليبيا تقوم على “البراغماتية الاقتصادية” كبديل عن الانخراط في مستنقع الحل السياسي الشامل؟

وإن كان الأمر كذلك، فهل يمكن للنفط أن ينجح حيث فشلت السياسة؟

إعادة التموضع الأميركي لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكم إخفاقات وإدراك متأخر بأن ليبيا لم تعد مجرد “ملف أزمة”، بل أصبحت ساحة حاسمة في صراع نفوذ أوسع مع روسيا، ونقطة ارتكاز لأمن الطاقة الأوروبي، وبوابة استراتيجية على منطقة الساحل الأفريقي المتفجّرة.

فبينما تركزت الجهود الأميركية لعقد من الزمن على دعم حكومات موالية وتجنّب الانهيار الكامل، وجدت موسكو طريقها بسهولة لتعزيز وجودها العسكري في الشرق والجنوب، مسيطرة على قواعد جوية وطرق إمداد حيوية، ومرابطة بالقرب من حقول وموانئ نفطية تطمح الشركات الغربية للاستثمار فيها.

هذا الواقع فرض على واشنطن إعادة حساب الأولويات: لم تعد ليبيا “اختباراً للديمقراطية” يمكن التضحية به، بل أصبحت ورقة مهمة في مواجهة التمدد الروسي وتأمين بدائل للطاقة الروسية. وتحولت ليبيا من دولة بحاجة إلى مساعدة، إلى مورد استراتيجي بحاجة إلى تأمين.

زيارات المستشار الرئاسي المتكررة مسعد بولس، الذي قاد بنفسه هذا التحوّل، ولقاءاته مع الفرقاء الليبيين في الشرق والغرب، حملت فلسفة واضحة تقوم على فكرة أن “الاستقرار هو المغناطيس الأساسي للاستثمار الأميركي.

هذه الفلسفة ترجمتها عقود ضخمة مع شركات نفط كبرى، باستثمارات تتجاوز عشرين مليار دولار، تهدف إلى زيادة الإنتاج الليبي إلى مليوني برميل يومياً بحلول عام 2028.

واشنطن اليوم لا تتحدث عن مصالحة وطنية، بل عن شراكات اقتصادية، وعن ضرورة توفير بيئة آمنة لعمل الشركات. هذا التحوّل في الخطاب يعكس تحوّلاً في الجوهر: الولايات المتحدة لم تعد تبحث عن وسيط نزيه، بل عن شريك اقتصادي يضمن مصالحها.

البراغماتية” الجديدة تثير إشكاليات عميقة، وأولها أنها تتعامل مع ليبيا كسوقين منفصلين.

فبدلاً من استخدام نفوذها الاقتصادي للضغط باتجاه توحيد المؤسسات، نجد واشنطن توقع اتفاقيات مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وتنسّق أمنياً وعسكرياً مع قوات خليفة حفتر في بنغازي.

وتشير التقارير إلى أن بولس التقى عبد الحميد الدبيبة في الغرب، وبلقاسم حفتر في الشرق، مما يعزز لدى النخب المحلية قناعة بأن بإمكانها الاستمرار في الانقسام والتمتع بشرعية ودعم دولي في الوقت نفسه.

هذا النهج يكرّس واقع “الدولتين” تحت غطاء اقتصادي، ويرسل رسالة مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة للتعايش مع الانقسام طالما أن تدفق النفط لا يتوقف. وهذا يرقى إلى “تجميد الواقع السياسي القائم” وتعطيل أي مسعى جاد لإجراء انتخابات أو تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي.

الاستثمارات الضخمة في قطاع النفط، من دون حل سياسي شامل، تُبنى على أرض هشة. فالنفط في ليبيا تحول إلى سلاح في يد القوى المحلية والإقليمية.

كل إغلاق لحقل أو ميناء في السنوات الماضية كان ورقة ضغط سياسية بامتياز، والسبب الجذري لهذه الإغلاقات المتكررة لم يُحل بعد: إنه الخلاف حول آلية عادلة وشفافة لتوزيع إيرادات النفط بين الأقاليم والمكونات المختلفة.

منذ اتفاق سبتمبر 2020 الذي أنهى حصاراً مدمراً للموانئ النفطية، ظلت مسألة تشكيل لجنة فنية مشتركة تشرف على توزيع الإيرادات وتضمن وصول حصة كل طرف دون تأخير معلّقة من دون تنفيذ.

في ظل غياب هذه الآلية، تظل البنية التحتية للنفط رهينة لأهواء الميليشيات والنزاعات السياسية، وأي استثمار جديد يظل معرضاً لخطر الابتزاز أو التوقف المفاجئ.

ما لم تكن الشركات الأميركية والأوروبية على استعداد لتوفير حراسة أمنية خاصة لها، فإن هذه الاستثمارات قد تتحول إلى قربان في أول جولة صراع جديدة.

الأمر لا يقتصر على حدود ليبيا، بل يمتد ليشمل توازنات إقليمية ودولية معقدة. فتركيا، صاحبة النفوذ الأبرز في الغرب، وقّعت عام 2019 اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع حكومة الدبيبة، ما يمنحها عملياً حق النقض في القطاع الأمني والمناطق البحرية الغربية.

أما روسيا، فمن جهتها، فهي تعمّق حضورها في الشرق والجنوب.الدخول الأميركي القوي كلاعب اقتصادي مباشر قد يحوّل ليبيا إلى ساحة تنافس مكشوف بين هذه القوى، حيث تصبح شركات النفط الكبرى أهدافاً محتملة أو أدوات ضغط في لعبة الأمم.

الولايات المتحدة تدرك ذلك، وتسعى لتحقيق توازن دقيق عبر إشراك القوى الفاعلة، مثل تركيا ومصر، في ترتيبات أمنية معينة، كالمناورات العسكرية المقترحة في سرت بمشاركة قوات من الشرق والغرب، كخطوة لتهدئة التوتر وضمان أمن البنية التحتية النفطية. لكن هذه الترتيبات الأمنية الجزئية، رغم أهميتها، تبقى مسكنات لا تعالج جذور المرض.

وربما يكون المأزق الأخلاقي والقانوني الأكبر في هذا النهج الجديد هو مسألة الشرعية.

فالحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس هي حكومة تصريف أعمال، تمارس مهامها من دون تفويض شعبي، ومجلس النواب في الشرق منح الثقة لحكومة موازية. والتوقيع على عقود استثمارية ضخمة تمتد لعقود قادمة مع أطراف غير منتخبة يثير تساؤلات عميقة حول من يملك الحق في التصرف بثروات الليبيين.

كما أن الاعتماد على هذه العقود كأداة رئيسية للسياسة الأميركية يهمّش تماماً دور الأمم المتحدة ومسارها السياسي، ويجعل من الحديث عن انتخابات وإصلاح دستوري مجرد كماليات لا ترقى لمستوى الأولويات.

هل تستطيع الولايات المتحدة، عبر “براغماتيتها الاقتصادية” الجديدة، أن تحقق ما عجزت عنه الدبلوماسية؟ التجارب السابقة في المنطقة لا تبعث على التفاؤل.

فالنفط، حين يتحول إلى هدف بحد ذاته، غالباً ما يعمّق الانقسامات ويغذّي الفساد. الأموال الضخمة التي ستتدفق من هذه العقود، إذا لم تكن مصحوبة بآليات رقابة صارمة وإصلاح مؤسسي حقيقي، قد تذهب لتمويل الولاءات وتعزيز قوة الأمراء المحليين، لا لبناء اقتصاد منتج ومتنوع.

الفساد الذي كشف عنه ملف استيراد المحروقات، إنذار مبكر بأن الثروة الجديدة قد تتبخر في حسابات سرية قبل أن تصل إلى خزينة الدولة.

التحوّل الأميركي في ليبيا يحمل في طياته مخاطر جسيمة. فـ”البراغماتية الاقتصادية” التي تضع النفط في قلب الإستراتيجية، وتتعامل مع الانقسام كأمر واقع يمكن إدارته لا كمشكلة تحتاج إلى حل، قد تؤدي في النهاية إلى تثبيت الفوضى وإضفاء الشرعية عليها.

ليبيا تحتاج اليوم إلى رؤية تدمج الاقتصادي بالسياسي، وتجعل من الاستثمار أداة لتحفيز الوحدة لا لتكريس الانقسام. من دون ذلك، ستبقى الاتفاقيات الضخمة مجرد سراب في صحراء السياسة، وستظل ليبيا ساحة صراع مفتوحة، والليبيون هم من يدفعون الثمن الأكبر لهذا الصراع على ثرواتهم.

_________

مقالات مشابهة