علي البدوي

تتجه الأنظار مجدداً نحو مدينة جنيف التي تستعد لإستضافة لقاء سياسي جديد حول الملف الليبي في 28 مارس 2026 .
غير أن ما يميز هذا الإجتماع هذه المرة ليس مكانه ولا طبيعته الدبلوماسية بل التوقيت السياسي الدقيق الذي يأتي فيه في ظل حالة أنسداد واضحة تعيشها العملية السياسية في ليبيا .
خلال السنوات الماضية أعتادت ليبيا على سلسلة طويلة من المؤتمرات والحوارات الدولية التي عُقدت في عواصم مختلفة وأنتهى معظمها بإعلانات سياسية أصطدمت بتعقيدات الواقع الليبي وتشابك المصالح المحلية والإقليمية .
لكن المؤشرات التي تسبق أجتماع جنيف الحالي توحي بأن المجتمع الدولي لم يعد يكتفي بإدارة الأزمة الليبية بل بدأ يميل إلى محاولة إعادة صياغة المعادلة السياسية برمتها .
فحالة الإنقسام المؤسسي وأستمرار الصراع على الشرعية بين المؤسسات إضافة إلى التنافس الدولي على النفوذ داخل ليبيا كلها عوامل دفعت عدداً من العواصم المؤثرة إلى البحث عن صيغة سياسية جديدة قد تعيد ترتيب المشهد من أعلى .
المعلومات المتداولة في الأوساط السياسية تشير إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في الدفع نحو تشكيل سلطة تنفيذية جديدة قد يقودها رئيس حكومة يحظى بدعم دولي وإقليمي واسع على أمل أن يشكل ذلك نقطة أنطلاق لمرحلة سياسية مختلفة . غير أن هذا المسار يطرح في المقابل جملة من الأسئلة المعقدة .
فالتجربة الليبية خلال العقد الماضي أظهرت بوضوح أن أي ترتيبات سياسية تُصاغ في الخارج دون توافق داخلي حقيقي تبقى هشة وقابلة للإنهيار عند أول أختبار ميداني .
كما أن ليبيا لم تعد مجرد ساحة نزاع سياسي داخلي بل أصبحت ساحة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية متعددة تتعلق بالطاقة والأمن والهجرة والنفوذ في منطقة البحر المتوسط .
وهذا التشابك يجعل أي محاولة لإعادة تشكيل السلطة في ليبيا عملية شديدة الحساسية تتطلب توازناً دقيقاً بين مصالح القوى المحلية ومصالح الأطراف الدولية .
من هنا قد يكون أجتماع جنيف بالفعل محاولة جادة لإعادة تحريك المياه الراكدة في الملف الليبي لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى محطة أخرى في سلسلة طويلة من المبادرات الدولية التي حاولت معالجة الأزمة دون أن تنجح في إنهائها .
وفي ظل هذه المعطيات يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من الليبيين اليوم، هل سيكون أجتماع جنيف خطوة حقيقية نحو إعادة بناء الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها، أم أنه مجرد جولة جديدة من جولات التفاوض التي تُبقي الأزمة قائمة ولكن في شكل مختلف ؟
_________