أسامة علي
طالب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا البعثة الأممية بتقديم توضيحات عاجلة بشأن ما تم تداوله حول مساعيها لعقد “طاولة مصغرة“، معتبرين أن ذلك يشكل تجاوزا غير شفاف للأطر الرسمية ويقوض الثقة ويهدد بتعقيد المشهد السياسي.
ولم تعلن البعثة الأممية رسمياً عن أي خطوة جديدة في إطار خريطة الطريق للحل السياسي التي أعلنتها في أغسطس/ آب الماضي، لكن وسائل إعلام ليبية قد سربت معلومات تفيد بقيام البعثة بمراسلة كل من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، لطلب ترشيح ممثلين عنهما لعقد “طاولة مصغرة” لمناقشة القضايا العالقة المرتبطة بتنفيذ خريطة الطريق.
كما أفادت مصادر مقربة من لجنة “الحوار المهيكل“، في تصريحات سابقة لـ“العربي الجديد“، بأن المراسلة الموجهة للطرفين اقترحت أن تضم الترشيحات أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهو ما استجاب له الطرفان، حيث ضمت ترشيحات حكومة طرابلس شخصيتين من مجلس الدولة، فيما تضمنت ترشيحات قيادة حفتر شخصيتين من مجلس النواب.
وفي بيانه، أوضح المجلس الرئاسي أنه يتابع “ما تم تداوله بشأن ترتيبات لعقد حوار مصغر برعاية البعثة“، وأعرب عن “استغرابه من طرح هذه الترتيبات بصورة غير رسمية وبصيغة غير متوازنة“، من دون تقديم أي توضيح رسمي، لما لذلك من أثر في “خلق لبس لدى الرأي العام وإرباك المشهد العام“.
وأكد المجلس الرئاسي أن “مثل هذه الأساليب لا تساعد على بناء الثقة، ولا تخدم الجهود الرامية إلى جمع الليبيين“، محذراً من أنها “قد تدفع بالأوضاع نحو مسارات غير محسوبة، ولا تُحمد عقباها“. كما دعا البعثة إلى “سرعة تقديم توضيح رسمي بشأن ما تم تداوله، بما يضع الأمور في إطارها الصحيح، ويحول من دون أي تصعيد غير مطلوب“.
من جانبه، اتهم المجلس الأعلى للدولة البعثة الأممية إلى جانب “بعض الأطراف الدولية“، بمحاولة “فرض شخصيات وصياغات تهدف للسيطرة على السلطة وموارد الدولة“.
ولفت المجلس إلى “ما يُرصد من تحركات ومشاريع تحاول تجاوز الإرادة الشعبية والمؤسسات الشرعية“، لصالح “تمكين أجندات ضيقة أو شخصيات مدعومة خارجياً“.
وفيما أكد المجلس أن “أي محاولة للالتفاف على الأطر الرسمية والقانونية عبر دعم كيانات عائلية أو مجموعات جهوية” لن تؤدي إلا إلى “تعميق الأزمة وجر البلاد إلى مزيد من الفوضى وهدر المقدرات“، شكك في سلوك البعثة، معتبراً أنها “دأبت على انتقاء أعضاء من مؤسسات تشريعية وتنفيذية دون احترام آليات عملها“، وهو ما “يزيد الشكوك في نواياها ويمثل تجاوزاً لمؤسسات الدولة“.
ودعا المجلس المجتمع الدولي إلى “مراجعة مواقفه والتركيز على دعم الاستحقاق الدستوري“، كما دعا مختلف القوى الوطنية إلى “اليقظة والاصطفاف خلف مشروع وطني ينهي الانقسام ويوقف التدخلات الأجنبية“، ويمهد لـ“إقرار دستور دائم وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية متزامنة“، مؤكداً أن “استقرار ليبيا وسيادتها خط أحمر“، وأن “الشعب لن يقبل بتسويات مشبوهة تُدار بعيداً عن السيادة الوطنية“.
وفي المقابل، لم يصدر عن البعثة الأممية أي رد رسمي على البيانين حتى الآن، فيما تحفظت مكاتبها الإعلامية وكذلك حكومة الوحدة الوطنية، في اتصال مع “العربي الجديد” على التعليق. كذلك لم يصدر أي موقف عن مجلس النواب.
وفي التفاصيل حول خطوة إنشاء البعثة “طاولة مصغرة“، أفادت المصادر المقربة من لجنة “الحوار المهيكل” ذاتها، في نفس تصريحاته السابقة لـ“العربي الجديد“، بأن هذه الطاولة لن تقتصر على ممثلي الطرفين فقط، بل ستشمل شخصيات أخرى يُرجح أن تكون من بين أعضاء الحوار، وأن الهدف من الخطوة هو استيعاب الخطة الأميركية، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، والرامية إلى تحقيق تقارب بين سلطتي طرابلس وبنغازي وصولاً إلى تشكيل سلطة موحدة.
وأشارت المصادر ذاتها إلى أن هذه الطاولة هي ذاتها التي ألمحت إليها رئيسة البعثة في إحاطتها أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي، حين أعربت عن أسفها لغياب أي تقدم ملموس بين مجلسي النواب والدولة، ولوّحت بإمكانية اللجوء إلى “نهج بديل” لتجاوز حالة الجمود.
وأوضحت أن الفكرة الأساسية لهذا التوجه تقوم على هدفين: “عدم استبعاد مجلسي النواب والدولة بالكامل“، وفي الوقت نفسه “عدم منح رئاستيهما دوراً كاملاً في مسار التفاوض“، إلى جانب إشراك حكومة الوحدة الوطنية وقيادة حفتر في الشرق والغرب.
واستناداً إلى الأجواء السائدة داخل البعثة، أفادت المصادر بأن مراسلة طرابلس وبنغازي جاءت عقب نقاشات بين رئيسة البعثة هانا تيتيه، ونائبتها سيتفاني خوري، الدبلوماسية الأميركية السابقة، التي دفعت باتجاه هذا الخيار باعتباره مقاربة تهدف إلى “احتواء المسار الأميركي” ضمن الإطار الأممي، بدلاً من تركه يتحرك على نحو موازٍ.
وتأتي هذه الخطوة غير المعلنة قبل إحاطة لرئيسة البعثة أمام مجلس الأمن، يوم الأربعاء المقبل، يُتوقع أن تعلن خلالها رسمياً عن خطوة “النهج البديل” التي لوحت بها في السابق، كآلية لكسر الجمود بين مجلسي النواب والدولة، اللذين فشلا في تحقيق تقدم في المرحلة الأولى من خريطة الطريق، والتي كانت تُسند إليهما مهمة تعديل القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، فيما يُرجح نقل هذه الملفات إلى الطاولة المصغرة.
وفي موازاة الحراك الأممي غير المعلن، عقدت تيتيه، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي، سلسلة لقاءات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية وعدد من وزراء خارجية الدول المعنية بالشأن الليبي، لبحث تطورات الوضع السياسي، من دون أن تلتقي رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة الذي كان في المنتدى.
وفي المقابل، توجهت نائبتها خوري إلى بنغازي، حيث عقدت سلسلة لقاءات مع قيادة حفتر، شملت صدام وخالد ووالدهما خليفة حفتر، تناولت التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية، وسبل إنهاء الجمود تمهيداً لإجراء انتخابات، من دون أن تشمل لقاءات مع رئيس مجلس النواب أو أعضائه.
وتشير طبيعة هذه التحركات إلى توجه البعثة نحو إعادة تشكيل مسار التفاوض، مع تقليص دور رئاستي مجلسي النواب والدولة، وضم السلطتين في الشرق والغرب، بالإضافة إلى أن بياني المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة اشتبكا مع الحراكين الأممي والأميركي ما يجعلهما متقاربين بنظر المجلسين.
يُذكر أن خريطة الطريق التي أعلنتها البعثة في أغسطس الماضي تقوم على مسارين رئيسيين:
الأول يُسند إلى مجلسي النواب والدولة لتعديل القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، إلا أن الطرفين لم يحققا تقدماً يُذكر بسبب خلافات حادة.
أما المسار الثاني فهو “الحوار المهيكل“، الذي يضم 120 شخصية من مختلف الأطياف، ويهدف إلى صياغة توصيات تمهد لإجراء الانتخابات ومعالجة التحديات في مسارات الحوكمة والأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية.
ورغم الاجتماعات المتواصلة للجنة الحوار المهيكل منذ ديسمبر الماضي، لا تزال مسألة تشكيل حكومة موحدة تمثل العقبة الأبرز أمام تنفيذ الخطة الأممية، في ظل استمرار الانقسام بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والحكومة المكلفة من مجلس النواب في بنغازي.
____________
