أحمد زاهر 

ما يحدث في ليبيا هذه الفترة لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تطور أمني عابر، ولا باعتباره خطوة حاسمة نحو توحيد الدولة. بل هو، في جوهره، محاولة لإعادة هندسة المشهد الليبي ضمن معادلة جديدة: استقرار قابل للإدارة، دون مسار تأسيسي حقيقي يعالج جذور الأزمة.

التدريبات العسكرية المشتركة بين قوات الشرق والغرب، التي جرت في سرت ضمن تمرين «فلينتلوك»، تمثل لحظة لافتة من حيث الشكل. لكن هذه اللحظة، رغم رمزيتها، لا تعني بالضرورة أننا أمام عملية بناء جيش وطني موحد، بقدر ما تعكس محاولة لخلق قابلية للتنسيق بين كتلتين مسلحتين غير متكافئتين.

فحتى الخطاب الأميركي نفسه يصف هدف هذه التمارين بأنه تعزيز «التشغيل البيني» بين القوات، لا تأسيس مؤسسة عسكرية موحدة. حتى لو افترضنا أن ما يجري هو «توحيد»، فإنه توحيد من نوع خاص: دمج وظيفي بين مراكز قوة، لا تأسيسا لمؤسسة سيادية.

وهذا فارق جوهري، لأن التوحيد الأمني، في غياب إطار سياسي تأسيسي، يتحول من أداة لبناء الدولة إلى آلية لإدارة الصراع. الأمر لا يتوقف عند طبيعة هذا التوحيد، بل يمتد إلى جذور الأزمة نفسها.

ليبيا لا تعاني من نقص في محاولات التوحيد، بل من خلل بنيوي في أساس بناء الدولة.

فالوحدة التي تأسست العام 1951 قامت على تسوية هشّة أكثر منها اندماجاً وطنياً راسخاً، ثم جرى تثبيتها لاحقاً عبر أنماط حكم مركزية وقسرية. ولهذا، فإن كل محاولات إعادة التوحيد التي لم تعالج هذا الخلل، انتهت إلى إعادة إنتاجه في صور مختلفة.

وحتى التجارب الحديثة، مثل إقرار ميزانية موحدة بعد سنوات من الانقسام، لم تُنهِ الازدواجية بقدر ما نظّمتها داخل إطار واحد. من هنا، يصبح ما نشهده اليوم أقرب إلى إدارة منظمة للانقسام، لا إنهائه.

تنسيق أمني مرحلي، قد يخفف من حدة الصراع، لكنه لا يلامس جوهره. فالانقسام في ليبيا ليس تنظيمياً فقط، بل هو سياسي وبنيوي، مرتبط بسؤال الشرعية، وتوزيع السلطة، وإدارة الثروة.

وفي هذا السياق، يكتسب اختيار سرت دلالة تتجاوز البعد العسكري. سرت ليست مجرد موقع للتدريب، بل عقدة جيوسياسية تتحكم في الوسط الليبي، وقريبة من الهلال النفطي، وعلى تماس مع مسارات النفوذ الروسي في الجنوب والعمق الأفريقي، خاصة عبر الشبكات المرتبطة بمجموعة «فاغنر»، التي كانت حاضرة في هذه الجغرافيا خلال السنوات الماضية.

اختيار سرت يعكس رسالة تموضع، بقدر ما يعكس حاجة عملياتية. الرمزية لا تتوقف عند المكان. حتى التزامن مع 14 أبريل، وهو تاريخ الضربة الأميركية على ليبيا العام 1986، يبدو لافتاً، حتى لو كان مجرد مصادفة. فالسياسة الدولية لا تنفصل عن إدارة الرموز، ولا عن إنتاج «انتصارات منخفضة الكلفة» تُقدَّم كنجاحات استراتيجية.

لكن الأهم من كل ذلك هو ما يجري خلف المشهد الأمني. توحيد الإنفاق، الذي يُطرح كجزء من مسار الاستقرار، لا يعني بالضرورة مكافحة الفساد. في غياب الشفافية والمساءلة، قد يتحول إلى آلية لتنظيم تقاسم الريع بين مراكز القوة بدل الحد منه.

المشكلة هنا ليست في توحيد الموارد، بل في غياب قواعد الحوكمة التي تضبط إدارتها. وهنا تتجلى المفارقة الليبية بوضوح: عند الاتفاق، يُعاد توزيع الريع داخل دوائر النخبة، وعند الاختلاف، يُعاد إنتاج الصراع على حساب العامة.

أما البعد الدولي، فلا يمكن فصله عن هذا كله. ما نشهده ليس مجرد تدخل أميركي تقليدي، بل إعادة تموضع ضمن استراتيجية أوسع، تشير تقارير دولية إلى أنها تستهدف تقليص النفوذ الروسي في ليبيا وأفريقيا، وإعادة ترتيب الحضور الغربي في المتوسط.

وفي هذا الإطار، تكتسب ليبيا أهمية مضاعفة، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كعقدة تجمع ثلاثة ملفات حيوية بالنسبة لأوروبا: الهجرة، والطاقة، والأمن.

فهي بوابة رئيسية للهجرة غير النظامية نحو جنوب أوروبا، ومصدر طاقة بديل في ظل اضطرابات السوق العالمية، وساحة أمنية حساسة على تخوم المتوسط والعمق الأفريقي. هنا تتقاطع الجغرافيا مع السياسة.

تصريحات دونالد ترامب، التي انتقد فيها السياسات الأوروبية وربط أزماتها بالهجرة والطاقة، تعكس تحولاً في طبيعة العلاقة عبر الأطلسي من شراكة مستقرة إلى مساحة تفاوض وضغط.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً مع التوتر الذي برز بين ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي اختارت الابتعاد عن بعض خيارات التصعيد، وهو ما قوبل بانتقادات أميركية حادة.

هذا الخلاف لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، بل كمؤشر على أن التحالفات لم تعد قائمة على التبعية، بل على حسابات الكلفة والمصلحة.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الحضور الأميركي المتزايد في ليبيا عن هذه المعادلة الأوسع. ليبيا قد لا تكون أداة ضغط مباشرة، لكنها تتحول إلى ورقة ضمن توازنات دولية، يمكن توظيفها في لحظات التوتر لإعادة ضبط العلاقة مع أوروبا، خاصة في ظل تداخل ملفات الهجرة والطاقة والأمن.

وما يحدث في الخليج والمنطقة يقدم درساً موازياً. التحالفات غير المتكافئة لا تضمن دائماً الحماية، بل قد تقيد هامش القرار. وما يبدو كضمانات أمنية، قد يتحول إلى أدوات ضغط في لحظات الاختلاف. لكن هذا لا يعني انسحاباً أميركياً، بقدر ما يعكس تحولاً في نمط الحضور: من الهيمنة الثقيلة إلى إدارة النفوذ بأدوات أكثر مرونة وأقل كلفة.

في النهاية، ما يجري في ليبيا اليوم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره بداية حل، ولا مجرد استمرار للأزمة، بل كمرحلة جديدة في إعادة إنتاجها. مرحلة تُدار فيها التوازنات بشكل أكثر دقة، وتُضبط فيها الصراعات بدل أن تُحل.

ودون معالجة الخلل البنيوي في بناء الدولة، سيبقى كل توحيد شكلياً، وكل استقرار موقتاً، وكل إنجاز قابلاً للانهيار عند أول اختبار حقيقي.

 __________

مقالات مشابهة