صلاح الهوني
الغرب ترك ليبيا في فراغ كامل بلا مؤسسات أمنية أو سياسية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية هذا الفراغ فتح الباب أمام الميليشيات لتملأ الساحة.
منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، دخلت ليبيا متاهة سياسية وأمنية لم تتمكن من الخروج منها حتى يومنا هذا.
ما بدا لحظة تحرر من حكم فردي طويل تحوّل سريعًا إلى فراغ مؤسسي، ثم إلى صراع مفتوح بين قوى محلية وإقليمية ودولية. السؤال الذي يفرض نفسه بعد خمسة عشر عامًا هو:
لماذا فشلت ليبيا في بناء دولة مستقرة؟
الجواب لا يكمن في عامل واحد، بل في تداخل معقد بين الداخل الممزق والخارج المتدخل، حيث ضعف المؤسسات والانقسامات الاجتماعية وفّر أرضية خصبة لتدخلات خارجية غذّت الانقسام وأعاقت أي مسار نحو الاستقرار.
عندما تدخل حلف الناتو في آذار/مارس 2011 تحت شعار “حماية المدنيين”، كان الهدف المعلن وقف هجمات النظام على المدن المنتفضة.
لكن التدخل العسكري الذي أسقط النظام لم يترافق مع خطة لإعادة بناء الدولة. الغرب ترك ليبيا في فراغ مؤسسي كامل، بلا مؤسسات أمنية أو سياسية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية. هذا الفراغ فتح الباب أمام الميليشيات المسلحة لتملأ الساحة، وأمام القوى الإقليمية لتتدخل وفق مصالحها.
منذ 2014، تحولت ليبيا إلى ساحة صراع بالوكالة. تركيا دعمت حكومة طرابلس عسكريًا وسياسيًا، فيما دعمت مصر قوات الشرق بقيادة خليفة حفتر. قطر لعبت دورًا في دعم بعض القوى الإسلامية، بينما وفرّت روسيا غطاءً سياسيًا وعسكريًا عبر مجموعة فاغنر.
هذا التنافس لم يكن مجرد دعم سياسي، بل شمل إرسال أسلحة، مستشارين، وحتى قوات على الأرض. النتيجة أن كل طرف داخلي وجد داعمًا خارجيًا، ما جعل أي محاولة للتسوية تصطدم بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
الأمم المتحدة حاولت رعاية حوارات متعددة، من الصخيرات إلى جنيف، لكن غياب توافق بين القوى الكبرى جعل كل مبادرة عرضة للتعطيل.
الولايات المتحدة لم تُبدِ اهتمامًا مستمرًا، الاتحاد الأوروبي انقسم بين فرنسا وإيطاليا، وروسيا وظفت الملف الليبي كورقة تفاوضية في صراعات أخرى. هذا الغياب لإستراتيجية دولية موحدة جعل ليبيا رهينة لمبادرات جزئية لا تملك قوة التنفيذ.
أوروبا تعاملت مع ليبيا باعتبارها حاجزًا أمام موجات الهجرة، أكثر من كونها دولة تحتاج إلى بناء مؤسسات. السياسات الأوروبية ركزت على دعم خفر السواحل الليبي لمنع المهاجرين من الوصول إلى المتوسط، لكنها لم تستثمر بالقدر الكافي في بناء مؤسسات الدولة أو دعم التنمية المحلية.
هذا التركيز على الأمن الحدودي جعل ليبيا تُرى كأداة وظيفية، لا كدولة ذات سيادة تحتاج إلى إعادة بناء.
بعد سقوط النظام، لم تُبنَ مؤسسات وطنية جامعة. البرلمان انقسم إلى مجلسين، الحكومات تعددت بين الشرق والغرب، المصرف المركزي انقسم، والجيش تفكك إلى ولاءات متعددة. هذا الانهيار جعل الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية، وأفقدها القدرة على فرض القانون أو إدارة الموارد.
الحل لن يكون في مبادرات جزئية أو اتفاقات مؤقتة بل في عقد اجتماعي جديد يحدد من يحكم وكيف تُدار الثروة وأين تنتهي صلاحيات الخارج
ليبيا ليست مجرد دولة حديثة، بل مجتمع متنوع قبليًا وجهويًا. هذه الانقسامات تغذّت من الصراع السياسي، حيث كل قبيلة أو منطقة سعت إلى حماية مصالحها عبر التحالف مع طرف داخلي أو خارجي. النتيجة أن الولاءات القبلية أصبحت جزءًا من المعادلة السياسية، ما جعل أي قرار وطني عرضة للتشكيك والرفض.
الاعتماد شبه الكامل على النفط جعل الدولة رهينة لتوزيع الثروة بين مراكز القوى. النفط أصبح أداة تفاوض بين الأطراف، حيث تُستخدم عائداته لشراء الولاءات أو تمويل الميليشيات.
غياب تنويع اقتصادي جعل ليبيا عاجزة عن بناء قاعدة إنتاجية مستقلة، وأبقى الاقتصاد رهينة للصراع السياسي.
المواطن الليبي فقد الثقة في النخب السياسية بعد تكرار الفشل في تنظيم انتخابات أو تحقيق مصالحة وطنية. كل مبادرة سياسية بدت وكأنها تخدم مصالح النخب أكثر مما تخدم الشعب. هذا الغياب للثقة جعل المجتمع يعيش بين خوف من الانقسام وخيبة أمل من القيادات.
التدخل الخارجي لم يكن ليُحدث هذا الأثر لو كانت المؤسسات الداخلية قوية. لكن ضعف الدولة جعلها عرضة للاستقطاب الخارجي. القوى الإقليمية والدولية استثمرت في الانقسامات الداخلية، فحوّلتها إلى أدوات نفوذ.
كل محاولة لبناء توافق داخلي اصطدمت بتدخل خارجي يعيد توزيع الأوراق وفق مصالحه.
النتيجة أن ليبيا تعيش في دائرة مغلقة: الداخل الممزق يفتح الباب للخارج، والخارج المتدخل يعمّق الانقسام الداخلي.
أحد أبرز مظاهر الأزمة هو غياب الشرعية السياسية الراسخة. الحكومات المتعاقبة لم تحصل على اعتراف شامل، والبرلمانات المتوازية تنازعت الشرعية، والجيش لم يعد مؤسسة وطنية بل مجموعات ولاءات.
هذا الغياب للشرعية جعل كل قرار عرضة للطعن، وكل مبادرة عرضة للفشل. في غياب عقد اجتماعي واضح، لم يعد هناك من يملك سلطة حقيقية لإدارة الدولة.
ليبيا ليست مجرد أزمة داخلية، بل ساحة لصراعات الآخرين:
-
بالنسبة لمصر، هي قضية أمن قومي على الحدود الغربية.
-
بالنسبة لتركيا، هي ورقة نفوذ في المتوسط.
-
بالنسبة لروسيا، هي ورقة تفاوضية مع الغرب.
-
بالنسبة لأوروبا، هي حاجز أمام الهجرة.
-
بالنسبة لدول أخرى هي جزء من معركة ضد الإسلام السياسي.
هذا التعدد في المصالح جعل ليبيا ساحة مفتوحة، حيث كل طرف يسعى إلى تحقيق أهدافه عبر دعم طرف داخلي.
فشل ليبيا في الخروج من المتاهة منذ 2011 ليس نتيجة عامل واحد، بل نتيجة تواطؤ بين الداخل الممزق والخارج المتدخل. الداخل ضعيف وممزق، والخارج متدخل ومصالحه متناقضة. النتيجة دولة بلا عقد اجتماعي واضح، ومجتمع يعيش بين خوف من الانقسام وخيبة أمل من النخب.
الحل لن يكون في مبادرات جزئية أو اتفاقات مؤقتة، بل في عقد اجتماعي جديد يحدد من يحكم، وكيف تُدار الثروة، وأين تنتهي صلاحيات الخارج.
هذا العقد يحتاج إلى توافق داخلي حقيقي، ودعم خارجي لا يقوم على التدخل بل على احترام السيادة. دون ذلك، ستظل ليبيا عالقة في المتاهة، رهينة لصراعات الآخرين، عاجزة عن بناء مستقبلها.
____________
